الجاسوس كوهين

أشرنا في حلقة العدد الماضي الى ضربة الحظ التي ادخلت الجاسوس الاسرائيلي الى سوريا عندما تعرف بأمين الحافظ سفير سوريا في الارجنتين ...وعندما تولى الحافظ الرئاسة في سوريا دعا كوهين الى العودة الى سوريا للاستثمار فيها على اساس انه من اصل سوري واسمه كامل امين ثابت ..وعاد كوهين فعلا .

تلك هي ضربة الحظ التي لم يتوقع إيلى كوهين ولا قيادة الموساد خلفه أن تصل بهذه السهولة إلى أيديهم. وطلب إليه أن يستجيب على مهل لدعوة صديقه الكبير في دمشق، ثم يذهب إليه في العاصمة السورية ويظهر في البداية تردده فيما إذا كان يستطيع البقاء في سوريا أو أنه من الافضل له أن يعود إلى الارجنتين، ثم أن يبدى في النهاية استعداده لقضاء فترة تجربة.

وخلال فترة التجربة كان الجاسوس الاسرائيلى ضيفا مدللا على الدوام عند أعلى مستويات القيادة السياسية والعسكرية في سوريا. وبدأت رسائله إلى قيادة الموساد تقنع رئيسها ايسر هاريل أنه عثر على كنز في العاصمة السورية، كان إيلى يدعى إلى كل حفلات النخبة الحاكمة في دمشق ونواديها، وكان يشترك في كثير من المناقشات السياسية والاقتصادية، وبحكم صلته بالفريق أمين الحافظ الذي أصبح على رأس الدولة - تعرف على كثيرين من الضباط والدبلوماسيين وكبار الموظفين، وحتى الوزراء الذين أصبحوا يثقون فيه باعتبار قربه من السلطة العليا، ووصل الامر إلى حد أن أيلى كوهين قام أكثر من مرة بزيارة الجبهة السورية، ودخل أخطر تحصيناتها في الجولان، وبعين خبير لمهمته فقد كان يعرف المعنى الحقيقى لكل شىء تقع عليه عيناه.

يواصل محمد حسنين هيكل الرواية فيقول ان المخابرات المصرية هي التي كشفت حقيقة كوهين للمخابرات السورية فيقول انه وصلت إلى القاهرة مجموعة من الصور للفريق أمين الحافظ أثناء زيارته لبعض المواقع في الجبهة السورية، وكما يحدث عادة فقد كلف أحد ضباط الاستطلاع بالتدقيق في الصور وتحديد جميع الاشخاص الظاهرين فيها.
وأمام وجه كامل أمين ثابت في وسط الصورة بالقرب من الفريق أمين الحافظ توقف ضابط المخابرات المصرى لأنه لم يستطع أن يتعرف على شخصيته، وجرى تكبير صورة الشخص المجهول وعممت - كما يحدث - على عدد من إدارات المخابرات، وتذكر أحد ضباط هيئة الامن القومي الذين يعملون في مجال مكافحة النشاط الصهيونى في مصر أن الوجه الذي يراه في الصورة ليس غريبا عليه، وبعد عملية مراجعة وتدقيق اكتشف مذهولا أنه يطل في صورة وجه إيلى كوهين الذي كان تحت المراقبة لنشاطه الصهيونى قبل خروجه من مصر في نهاية سنة 1956.

وتقرر معاملة الموضوع بحذر شديد. فقد كان واضحا أن ظهور إيلى كوهين في صورة في الجبهة على هذا النحو يعنى أنه له أصدقاء كثيرين في مواقع السلطة العليا في دمشق. وقد تتسرب الاخبار بشكل يؤدى إلى الاضرار بالعملية إذا تم إرسال المعلومات عن طريق قنوات الاتصال العادية، وسافر من القاهرة أحد ضباط المخابرات العسكرية حاملا معه ملف إيلى كوهين وصوره. وهناك تم الاتصال بالعميد أحمد سويدانى قائد الأمن الداخلى في سوريا. ووضعت أمامه كل التفاصيل، فقام بوضع إيلى كوهين تحت المراقبة، واكتشف بالفعل هوائى جهاز الإرسال الذي يستعمله إيلى كوهين من بيته في دمشق لكى يبعث برسائله إلى قيادة الموساد، ثم استطاع في اليوم التالى مداهمة إيلى كوهين والقبض عليه.

وحاول العميد سويدانى أن يستخدم إيلى كوهين كعميل لحسابه يبعث عن طريقه بما يريد إلى اسرائيل، وأبدى إيلى كوهين استعداده وكتب له سويدانى رسالة معلومات ليبعث بها عن طريق جهاز إرساله إلى اسرائيل، وبدأ إيلى كوهين يدقها بالفعل، وكان الاتفاق بين إيلى كوهين وقيادة الموساد على أن يبدأ أيه رسالة منه إلى قيادة الموساد بثلاثة أسطر من الكلمات لا معنى لها، فإذا بدأ أي رسالة من رسائله بعبارات لها معنى فعلى قيادة الموساد أن تفهم من ذلك فوراً أن أيلى كوهين يبعث بما يبعث مضطرا، وأنه تحت حالة قسر انكشف فيها أمره، وحين بدأ أيلى كوهين يدق الرسالة التي وضعها أمامه العميد سويدانى فقد بدأ بمضمون الرسالة فورا. وأدرك ايسر هاريل أن كنزه الكبير في دمشق قد سقط في أيدى أعداء اسرائيل.وانكشف كل شىء وكان الفريق أمين الحافظ عاجزا عن التصديق حتى ذهب بنفسه للسجن العسكرى، وواجه صديقه كامل أمين ثابت ولم تستغرق المواجهة أكثر من دقيقة واحدة. فقد سأله الفريق أمين الحافظ : من أنت؟ ورد كامل أمين ثابت قائلا: إيلى كوهين من تل أبيب وحوكم إيلى كوهين وصدر عليه حكم بالإعدام شنقاً وعلنا في ساحة المرجة، ونفذ حكم الاعدام فعلا رغم ان إسرائيل جندت جهود عدد كبير من السياسيين في العالم، بما فيهم بابا الفاتيكان ورئيس وزراء فرنسا وقتها جورج بومبيدو في محاولة عند الدقيقة الاخيرة لتأجيل تنفيذ حكم الإعدام في إيلى كوهين .

إذا كنا حقا بصدد سلام قريب بين سوريا وإسرائيل، فما معنى أن تصدر الاخيرة في هذا التوقيت بالذات طابع بريد تذكاريا عن جاسوسها الشهير إيلى كوهين، الذي اخترق المجتمع السياسى السورى حتى قمة الحكم في الستينيات تحت اسم مستعار كامل أمين ثابت!، لا نتصور أن هدف الحكومة الاسرائيلية إثبات أن ما بات يوصف في المفاوضات على هذا المسار بعلاقات سلام طبيعية له رواد يتقدمهم إيلى كوهين، فهذا الجاسوس الاسرائيلى كان في مهمة حرب، لا في جولة سلام. وعلى نغمة واحدة عنوانها الهيمنة على المنطقة، أو أن السلام الاسرائيلى ينطوى على معنى الحرب والتهديد بها.
في البدايات بدا الاختراق الاسرائيلى لقمة السلطة في دمشق باهرا، وفوق كل التوقعات.. وفي النهايات انكشف إيلى كوهين وأعدم. القصة مثيرة، وهي فصل من صراع طويل على مقادير ومصائر المنطقة، لا يبدو أنه سينتهى قريبا، مهما أوغلت إسرائيل في إملاءاتها، أو تصورت أن بوسعها إجبار العرب جميعهم وإلى الابد على التسليم بكل اشتراطاتها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية وإعادة صياغة الذاكرة العربية ذاتها لصالح الرواية الاسرائيلية للصراع.

وهناك روايات كثيرة لقصة إيلى كوهين غير أن أدقها رواية الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه الهام: الانفجار 67 . والميزة الاساسية في هذه الرواية أن هيكل أثبت أنها إحدى حلقات حصار التجربة الناصرية في مصر، قبل ضربها عسكريا في 5 يونيو 1967.

كان إلياهو (أو إيلى ) كوهين من مواليد الحى اليهودى في الاسكندرية في 16 ديسمبر ،1924 وكان أبوه شاوول وأمه صوفى كوهين من المهاجرين الذين جاءوا إلى مصر من حلب، وفي الاسكندرية ان شاوول - الوالد - يملك محلا لبيع ربطات العنق المستوردة من باريس. وكان أبا لثمانية اطفال - بينهم إيلى - وقد رباهم جميعا تربية دينية تلمودية، ثم بعث بأذكاهم وهو إيلى ليدرس في مدرسة الليسيه ، وقد أصبح بسهولة متحدثا بالعبرية والفرنسية والعربية، وتجلى اهتمام إيلى بالديانة اليهودية مبكرا فألحق بمدرسة الميمونيين بالقاهرة، ثم عاد إلى الدراسات التلمودية في الاسكندرية تحت رعاية الحاخام موشى فينتورا حاخام الاسكندرية.
وكان طبيعيا أن يلفت إيلى نظر الجمعيات اليهودية، وهي كثيرة في ذلك الوقت قبل الثورة في مصر، وعن طريق الجمعيات الدينية اقترب إيلى من مجالات النشاط الصهيونى السياسى في مصر ولم يظهر له نشاط مؤثر، وفي ديسمبر سنة 1956 في أعقاب حرب السويس مباشرة كان على إيلى كوهين أن يغادر مصر نهائيا، وختم جواز سفره بتأشيرة سفر بلا عودة .
ووصل إيلى كوهين بالباخرة من الاسكندرية إلى نابولى، ومن نابولى استقل باخرة ثانية إلى ميناء حيفا، وهناك التقطته المخابرات الاسرائيلية وجندته في البداية في إطار الأمن الداخلى ضد التجسس العربى، وفي بداية سنة 1960 رشحه أحد كبار المسؤولين في الموساد وهو إيزاك زالمان للعمل في الخارج. وفي تلك الفترة كان إيلى كوهين يريد العودة إلى مصر والعمل فيها لحساب الموساد على أساس أنه من مواليدها وهو أخبر بها من غيره بين زملائه في الموساد، ولكن ايسر هاريل مدير الموساد في ذلك الوقت كان له رأى آخر. فقد اقترح إرسال إيلى كوهين إلى سوريا بعد تأهيله لكى يذهب إليها مليونيرا من أصل عربى عائدا إلى وطنه بعد أن كون ثروة طائلة في الارجنتين.
وبالفعل أرسل إيلى كوهين إلى الارجنتين التي وصل إليها على طائرة سويس إير في شهر مارس ،1961 التي هبطت به في مطار العزيزية في بوينس أيرس. كان إيلى كوهين يحمل معه عند وصوله إلى عاصمة الارجنتين جواز سفر سوريا يحمل صورته واسم كامل أمين ثابت ويشير إلى أنه من المشتغلين بتجارة التصدير، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى كان إيلى كوهين باسمه الجديد وهويته الجديدة قد اندمج في اوساط السوريين واللبنانيين الذين يعيشون في بوينس ايرس، وبعد شهور أخرى كان كامل أمين ثابت قد اصبح صاحب شركة ملاحة وله حسابات متعددة في بنوك الارجنتين وسويسرا.
وبهذا الإعداد كله بدأ كامل أمين ثابت يدعى إلى احتفالات بعض السفارات العربية وبينها السفارة السورية، وهناك تعرف على الملحق العسكرى السورى الجديد العقيد أمين الحافظ وتوثقت الصداقة بين الرجلين، وعندما قدر للعقيد أمين الحافظ أن يلعب دورا مهما في دوامة الانقلابات السورية بعد انتهاء الوحدة بين مصر وسوريا بالانفصال - أصبح العقيد لواء، ثم أصبح فريقا، وجاء صديقه القديم من الارجنتين لزيارته معززا مكرما - ولكن المضيف راح يلح على ضيفه أن يجىء بأمواله إلى سوريا وأن يستثمر فيها، وأن يمارس نشاطه في حياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وكانت تلك هي ضربة الحظ التي لم يتوقع إيلى كوهين ولا قيادة الموساد خلفه أن تصل بهذه السهولة إلى أيديهم. وطلب إليه أن يستجيب على مهل لدعوة صديقه الكبير في دمشق، ثم يذهب إليه في العاصمة السورية ويظهر في البداية تردده فيما إذا كان يستطيع البقاء في سوريا أو أنه من الافضل له أن يعود إلى الارجنتين، ثم أن يبدى في النهاية استعداده لقضاء فترة تجربة.