كتب : أسامة فوزي

* لماذا شارك الأمير حسن ولي العهد الأردني السابق في مؤتمر الضباط العراقيين المعارضين الذين يخططون لقلب نظام الحكم في بغداد ؟

* قبل ان نجيب عن هذا السؤال علينا ان نفهم حقيقة الدور الاردني المرسوم المقرر ان يلعبه الاردن خلال الاشهر القليلة القادمة .

* نشرت الاوبزيرفور البريطانية تحقيقا مطولا لثلاثة من مراسليها في عمان يقول ان الهجوم الامريكي على العراق سوف ينطلق من قاعدة موفق السلطي الجوية الاردنية في الازرق على القرب من الحدود العراقية وان الاردنيين قد اخلوا القاعدة وسلموها للامريكيين .

* قيام الجريدة الانجليزية المعروفة بعلاقاتها الوثيقة بالقصر الاردني بنشر هذا التحقيق الذي شارك في كتابته ثلاثة من مراسليها في العاصمة الاردنية تسبب باحراج الاردن الامر الذي دفع رئيس الوزراء الى نفي الخبر مرتين خلال يومين بل وطالب الفضائيات العربية والسفير العراقي في عمان بالتحقق انفسهم من هذا الامر .

* لو ان الجريدة التي نشرت الخبر جريدة اردنية لقصفت الحكومة الاردنية رقبة رئيس تحريرها ... ولو نشرت الخبر" عرب تايمز " لسارع المدعي العام للمحكمة العسكرية في الاردن الى اتهام الجريدة بالعمالة لجهات معادية للاردن كما حصل خلال محاكمة توجان فيصل ... ولكن لان الخبر نشر في جريدة انجليزية ... ولان كاتب الخبر صحافي انجليزي يقيم في عمان فان احدا لم يقل للصحافي الانجليزي " تلت التلاتة كام " !!

* الذي اعلمه انا هو ان الجريدة الانجليزية قد استقت معلوماتها من امراء اردنيين ... ومن رؤساء وزراء سابقين ممن يديرون الان صالونات سياسية اغضبت الملك عبدالله الذي هاجمها بشكل علني واتهمها بانها " مافيات " جديدة في الاردن .

* مسئول اردني سابق كان على صلة وثيقة بالملك حسين قال لي ان الملك عبدالله لا يتمتع بحنكة ابيه السياسية وان تورط عبدالله بالهجوم على العراق او بالاعداد للهجوم على العراق قد يدفع صدام حسين الى توجيه ضربة وقائية للاردن ... وهذه الضربة ستكون ناجحة مائة في المائة ... وستقلب الاوضاع في الشرق الاوسط راسا على عقب.

* يقول المسئول الاردني : الاردن ليست الكويت ... والجيش العراقي الذي سيدخل عمان سيجد ترحيبا من الشعب الاردني ومن المعارضة الاردنية ومن عدد كبير من الضباط الاردنيين .

* لصدام حسين - كما يقول المسئول الاردني - شعبية كبيرة في الاردن ... والاردنيون مقتنعون بأنهم رأوا وجهه على وجه القمر وصوره تجدها في كل بيت في مخيمات الفلسطينيين الذين يشكلون اكثر من سبعين بالمائة من سكان الاردن .

* صدام حسين - وفقا لما يقوله المسئول الاردني - يعلم ان الاوضاع في الشرق الاوسط تسير باتجاه المصلحة العراقية ... فاسرائيل غارقة في الوحل الفلسطيني ولا يمكنها منع الاجتياح العراقي او طرده من الاردن ... والسعودية عزلت نفسها عن قضية العراق ورفضت رسميا وشعبيا ان تقدم الخدمة ذاتها التي قدمتها خلال حرب الخليج الثانية ... والتقارب السوري العراقي الذي تعزز مؤخرا بعدد من اللقاءات والاتفاقات الاقتصادية يحول دون قيام سوريا بلعب دور معاد للعراق ... والمنطقة العربية بأسرها مشحونة بالعداء لامريكا واسرائيل .

*صدام يعلم - كما يقول المسئول الاردني - ان الوضع الداخلي في الاردن متأزم ... والعائلة الحاكمة ممثلة بشخص الملك عبدالله قد خسرت الكثير من التاييد الشعبي ... وزاد الطين بلة تورط افراد من العائلة المالكة واصدقاء الملك عبدالله في اكبر فضيحة مالية في تاريخ الاردن المعاصر وهي التي تتعلق بسرقة مئات الملايين من البنوك الاردنية فيما عرف باسم غلوبل غيت ...عدا عن فساد معظم الوزراء وانتهاء بموقف الحكومة من السيدة توجان فيصل التي اعتقلت وعذبت واهينت رغم شعبيتها الطاغية في اوساط الفقراء في الاردن .

* مراسل جريدة " التايمز " الانجليزية في عمان زاد الطين بلة حين نشر تحقيقا مطولا كشف فيه النقاب عن تدريب خمسة الاف جندي من بني حسن على عمليات تستهدف السيطرة على القرى والمدن المحاذية للعراق بعد بدأ الهجوم الامريكي .

*وطبشها الامير حسن ولي العهد الاردني السابق بحضورة العلني لمؤتمر الضباط العراقيين المعارضين الذين يخططون لقلب نظام الحكم في العراق ... وهو الحضور الذي فسر على الفور بأنه تعبير عن قرار اردني بالعمل على اسقاط النظام الحاكم في العراق .

* المثير للدهشة ان المساعدات المالية الأمريكية إلى الأردن والتي ارتفعت الشهر الماضي الى 325 مليون دولار لا تظهر على الشعب الأردني وعلى حياة الفقراء والبسطاء والموظفين ... فالبطالة في الأردن زادت عن ستين بالمائة ... والأسعار في ازدياد ... ومرتبات الموظفين على حالها منذ عشر سنوات ... فأين تذهب الملايين الأمريكية اذن ؟ من يقبضها ... ومن ينفقها ؟

* خلال زيارة " توجان فيصل " الى بغداد للمشاركة في مؤتمر عربي شعبي سألتها احدى الفضائيات العربية عن حقيقة الموقف الاردني من الخطط المعدة لضرب العراق فردت مازحة " الموقف الاردني من هذه المسألة متغير مثل البورصة " ... هذا التصريح اعتبر من قبل المحكمة العسكرية الاردنية بمثابة تشكيك بالثوابت الاردنية وكان سببا في الحكم على توجان بالسجن سنة ونصف .

* لماذا لا يشمر العقيد مهند حجازي عن سواعده ... فيعتقل الصحفيين الانجليز الذين يبرطعون في عمان ... ويدخلون القواعد الاردنية دون رقيب ... ويسيئون الى الاردن على صفحات الجرائد الانجليزية ويورطون الاردن في مشكلات مع جيرانه قد تقود الى حروب ؟

* لماذا لا يشمر العقيد المذكور عن سواعده فيأمر باعتقال المواطن الاردني حسن بن طلال الذي يشارك علنا في مؤتمر لضباط وجنرالات عراقيين يعملون على اسقاط النظام في دولة عربية مجاورة للاردن مع ما تحمله هذه المشاركة من دلالات ومخاطر على الاردن والاردنيين ومن الذي سيمنع العراق من اجتياح الاردن عسكريا ردا على حماقة امير اردني طار الى لندن ليشارك في مؤتمر يخطط اصحابه لقلب نظام الحكم في دولة عربية مجاورة للاردن !!

* وزير الإعلام الأردني سارع الى التأكيد بان مشاركة الامير حسن في مؤتمر العسكريين العراقيين المعارضين في الخارج تعبر عن وجهة نظره الخاصة وتعتبر تصرفا شخصيا لا علاقة للحكومة الأردنية به ... ومع ان بعض المصادر وخاصة مصادر جريدة الراي العام الكويتية شككت بهذا البيان من خلال تقرير مطول عن الصراع الهاشمي على العراق ... ومحاولة الاردنيين الدفع برعد بن زيد الى واجهة المطالبين بحكم العراق لانه اقرب الى الملك فيصل من الشريف علي المقيم في لندن وابن اخت الامير عبد الاله خال الملك والوصي السابق على العرش ... الا انني اميل الى تصديق وزير الأعلام الأردني ... واكاد اجزم ان الملك عبدالله قد فوجيء هو الاخر بتصرف عمه .

* ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الان هو : لماذا فعلها الامير حسن ؟ ولماذا اختار هذا التوقيت للجهر بمعاداة صدام حسين الى درجة يشترك فيها بمؤتمر لضباط وجنرالات هاربين من العراق ويسعون الى اسقاط نظام الحكم فيه ؟ وما مصلحة الامير حسن الذي توارى عن الساحة السياسية منذ عزله من منصبه فب العودة الى هذه الساحة من خلال فرقعة اعلامية بهذا المستوى .

* قبل ان اجيب عن هذا التساؤل احب ان اشير الى عبارة تفوه بها الامير حسن على هامش محاضرة له القاها في جامعة رايس في مدينة هيوستون بدعوة من مركز جيمس بيكر ... الامير وبعد المحاضرة سأل عن اسباب عزله فابتسم وقال : يا عمي الامريكان ما بدهم واحد مثلي .

* هذه العبارة تلخص حكاية الصراع على العرش في الاردن والتي احتدمت قبل وفاة الملك حسين ... كان الامير حسن يشكل جناحا قويا مسمودا بعدد من السياسيين وكبار الضباط في الجيش ... يقابله جناح معارض تتزعمه الملكة نور ومن يدور بفلكها مثل عبد الكريم الكباريتي وسميح البطيخي وغيرهما ... وبدأت المواجهة العلنية بين الفريقين بعد حادث الدقامسة وتجرأ عبد الكريم الكباريتي على الامير حسن انذاك حين تجاهله تماما وانتصر الملك حسين في حينه للامير حين طرد الكباريتي من منصبه وبرر الطرد برسالة علنية ندد فيها بالاسلوب الذي اتبعه الكباريتي في مخاطبة القصر .

* لكن معسكر الملكة نور انتصر في النهاية وتوج انتصاره بطرد الأمير حسن من منصبه ولعب الكباريتي ونسيبه سميح البطيخي دورا بارزا في هذه العملية ووجد الملك الشاب عبدالله نفسه محاطا بالشلة اياها التي ارادت ان تجر الملك الشاب الى معسكرها ... لكن الملك تنبه الى الامر وقام بذكاء بالقضاء على فلول هذا المعسكر اولا بأول واجهز عليه بالضربة القاضية التي وجهها لسميح البطيخي ... وخلا الجو للملك بعد ان كان قد حجم نفوذ عمه بالاقالات الواسعة التي اجراها في صفوف كبار مؤيدي عمه من الضباط والسياسيين .

* كان الامير حسن يراهن على عودة التاج اليه من خلال المراهنة على قلة خبرة الملك الجديد في التعاطي مع الشأن الداخلي والخارجي ... لكن الملك خيب ظن العم ... ونجح خلال وقت قياسي في اقامة شبكة علاقات محلية وعربية ودولية دون ان يركن الى رصيد والده ... او الى خبرات عمه ... الذي وجد نفسه معزولا لا يكاد يذكر الاردنيون اسمه الا في مناسبات قليلة وفي الغالب من مقالات يكتبها الارزقي جواد العناني .

* الأمير حسن الذي زعم في هيوستون ان قرار عزله كان قرارا أمريكيا ... أراد فيما يبدو ان يلعب الورقة الأمريكية مرة ثانية ولكن هذه المرة لصالحه ... بخاصة بعد تغير الظرف الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ووصل بوش إلى سدة الرئاسة ... وتجدد الحديث عن الرغبة الأمريكية في إنهاء حكم صدام حسين .

* مشاركة الأمير حسن العلنية في مؤتمر لعسكريين عراقيين ينادون ويخططون لإسقاط صدام حسين لم تكن اكثر من رسالة يوجهها الأمير حسن إلى الإدارة الأمريكية ملخصها .... إذا كان الملك عبدالله يتردد في التعاون لإسقاط صدام حسين ويضع شروطا ومطالب كثيرة ... فاني أنا – ولي العهد السابق – سأذهب في دعم خطتكم الى ابعد مما تطلبونه ... ومشاركتي اليوم في مؤتمر لعسكريين عراقيين معارضين يخططون لقلب نظام الحكم في العراق يعني ببساطة إنني – لو كنت ملكا للأردن – لنفذت طلباتكم وتعاونت معكم لإسقاط هذا النظام دون شروط .

* الكرة الآن في الملعب الأمريكي ... وعلى الإدارة الأمريكية التي تعاني من إيجاد قاعدة شرق أوسطية يمكن الركون إليها لإسقاط صدام بعد الرفض السعودي والتهيب الكويتي والحرج القطري والإماراتي ... عليها ان تختار بين العرض الأردني المحدود المتمثل بالخدمات التي أشارت إليها الاوبزيرفر والتايمز الانجليزيتين ... او عرض الأمير حسن العلني الذي يذهب بعيدا في دعم اية خطوات او إجراءات لإسقاط نظام حكم صدام حسين حتى لو كان المتحركون مجموعة هاملة من الضباط العراقيين الفارين الى الخارج الذين اختاروا ان يخونوا بلدهم مقابل جوازات سفر أوروبية ... وكمشة من الدولارات التي ينازعهم فيها احمد الجلبي ... الصديق الشخصي للأمير حسن وشريكه في فضيحة " بترا غيت ".