حمادة الفراعنة

* تابعت باهتمام الحلقة قبل الاخيرة من برنامج الاتجاه المعاكس الذي تبثه الفضائية القطرية والتي شارك فيها المدعو حمادة الفراعنة الذي قدم للمشاهدين على أنه عضو في المجلس الوطني الفلسطيني وعضو في البرلمان الاردني والمخجل فعلا أن يشرك مثل هذا اللص الوضيع والرخيص في حوار يتعلق بالشعب الفلسطيني مع رجل مناضل مثل ابو خالد العملة .

* وأقول : هذا اللص ليس على سبيل المجاز اللغوي وانما على سبيل الواقع والحقيقية فحمادة الفراعنة لص وسارق ... وأنا من ضحاياه ... ووثائق الجريمة موجودة ومحفوظة لدى دائرة الثقافة والفنون في عمان .... ومع أنني كتبت من قبل عن هذه الحكاية الا اني وجدت نفسي مضطرا الى العودة اليها مرة أخرى ....وبالتفصيل .

* وملخص الحكاية أن حمادة الفراعنة سرق شيكا مكتوبا باسمي وزور توقيعي وصرف الشيك من البنك المركزي الاردني دون علمي ولما اكتشفت الجريمة عن طريق الصدفة بكى اللص أمامي وطلب مني أن أغرش رأفة بحاله .

* تمت جريمة السرقة في صيف عام 1974 .... يومها كانت تصدر عن دائرة الثقافة والفنون مجلة ثقافية باسم صوت الجيل كانت ترأس تحريرها الاديبة الاردنية المعروفة أمينة ماجد العدوان وقد طلبت مني أمينة أن أكتب للمجلة مقالا يحلل وينقد العدد الماضي وقد كتبت المقال فعلا بعنوان : قراءة في العدد الماضي ونشرت أمينة العدوان المقال في المجلة .

* لم أكن أعرف أن المجلة تدفع مكافات مالية عن المقالات المنشورة فيها لكن حمادة الفراعنة كان يعرف لذا قام الفراعنة بزيارة الدائرة المالية وزعم انه يمثلني وطلب استلام الشيك بالنيابة عني وتم فعلا تسليمه الشيك المصروف لحسابي ووقع حمادة الفراعنة بالنيابة عني في كشف الاستلام .

* مرت على الجريمة مدة تزيد عن ثلاثة اشهر دون ان اعرف بها ولم يقم حمادة الفراعنة باعلامي رغم اني كنت التقيه يوميا فقد كان الفراعنة يعمل موظفا في مكتبة الجامعة الاردنية - في قسم الدوريات - وكانت مهمته تنظيف القاعة وترتيبها واعادة المجلات والصحف الى اماكنها وبالتالي كنت اراه بشكل يومي بحكم ترددي على المكتبة وكانت علاقتي به سطحية جدا ... كنت أراه مظفا حشريا ومدعيا وكانت تحوم حوله شبهات كثيرة منها انه كان مخبرا مدوبلا .... يعمل مع المخابرات الاردنية ... ومع مخابرات ياسر عرفات .

* كان طلال عبد الرحيم ابن الشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود وشقيق الطيب عبد الرحيم يعمل مديرا في دائرة الثقافة والفنون وكان الرجل صديقي وكنت أتردد على الدائرة لزيارته ... وزيارة المخرج حاتم السيد والشاعر حازم مبيضين وكان طلال على رأس الكتاب والمثقفين الاردنيين الذين زاروني في بيتي لتوديعي بعد أن علموا اني قررت الهجرة الى دول الخليج وكان من بينهم الشاعر المرحوم عبد الرحيم عمر .

* في احدى زياراتي لطلال ورد ذكر لمقالي المنشور في مجلة صوت الجيل من باب ان بعض الكتاب الذين نقدتهم وأشرت اليهم في المقال قد جاءوا الى الدائرة شاكين باكين وقال لي طلال على سبيل الدعابة : ابسط يا عم .... بتبهدل الناس في مجلاتنا وبنعطيك مصاري كمان !!... شو بدك أحسن من هيك .

* توقفت عند عبارة بنعطيك مصاري .... وقلت : اولا ...أنا اكتب نقدا أدبيا ولا ابهدل وشتان بين هذا وذاك .... وثانيا : أنا أكتب متطوعا نزولا عند طلب امينة العدوان ...ولا أقبض مصاري !!

* هنا ... فرطت السبحة وانكشفت الجريمة .... فبعد أخذ ورد حول حكاية المصاري قال طلال ان الدائرة صرفت مكافأة مالية لي وانه - بحكم عمله - أشرف على تحرير الشيك باسمي ... ولما وجدني اصر على الانكار فضلا عن الدهشة التي اصابتني .... طلب من المسئول المالي أن يحضر اليه فورا الكشف المالي وتبين ان اسمي كان مدرجا فيه فعلا وأن شخصا ما قبض الشيك بالنيابة وتعرف المدير المالي فورا على التوقيع فقال ان الشخص الذي استلم الشيك بالنيابة لتوصيله الى اسامة هو حمادة الفراعنة .

* روحت الى بيتي في مدينة الزرقاء وأنا اشتعل غيظا ليس لاني خسرت قيمة المكافأة أو لان شخصا ما سرقها وانما لان بوزي في بوز الموظف اللص يوميا ومع ذلك لم يذكر لي شيئا عن الحكاية .... ثم لاني شعرت بالغبن .... فالمكافأة المالية التي تمنح للكاتب - حتى لو كانت رمزية - هي عبارة عن لفتة تكريم من قبل الدائرة الثقافية التي تمنح هذه المكافات وليس من حق عرص ومخبر ولص مثل حمادة الفراعنة أن يسرقها .

* قبل أن تفتح مكتبة الجامعة ابوابها - في اليوم التالي مباشرة - وجدني حمادة الفراعنة مرابطا امامها ... وقد حرصت أن أضعه في حالة من الشك لعله يعترف بالجريمة فيجهز نفسه لاعطائي تفسيرا واحدا لها .... ولكن لا حياة لمن تنادي .... عندها وجدت نفسي مدفوعا الى مواجهته بالمسألة فقلت له : يا حمادة ... من وكلك باستلام الشيك المكتوب باسمي بالنيابة عني منذ ثلاثة أشهر ...وأين هذا الشيك ؟

* تغير وجه اللص الى اللون الاصفر ... ثم اندفع الدم في وجهه وتقلص أمامي حتى كاد - على شدة قزميته - يختفي ... وتمتم بكلمات لم اسمعها فقرمزت حتى اضع اذني على مقربة من شلاطيفه وأعدت السؤال : ايش قلت ؟ وين الشيك ؟ ومن وكلك باستلامه بالنيابة عني ؟

* فجأة ... خرج صوته من فتحة اخرى غير فمه الكريه .... وبدأ يتعتذر بحجة أنه نسي الشيك في المنزل ... ووعد أن يحضره في اليوم التالي .

* وجاء اليوم التالي ... والثالث .... والرابع .... والعشرين ولم يحضر الفراعنة الشيك لسبب بسيط وهو ان الشيك قد صرف .... وقد اعترف أمامي بذلك ... ثم اخرج من جيبه قيمة الشيك نقدا وقال لي : هذا هو المبلغ !!

* قلت له : أنا لم أسألك عن المبلغ ... أنا اسألك عن وثيقة بنكية - شيك - محرر باسمي .. وقد قمت حضرتك باستلامه بالنيابة ... ثم قمت حضرتك بالذهاب الى البنك المركزي الاردني لسحب قيمته نقدا بعد أن قمت حضرتك بتجيير الشيك باسمك مزورا بذلك وثيقة رسمية وعقاب من يزورها السجن ما بين ستة أشهر الى ثلاث سنوات .

* تمنيت فعلا لو كان بامكاني أن أصف لكم حالة اللص في تلك اللحظة ... ركع أمامي يبكي ويطلب الرحمة والشفقة ... وقد رق قلبي فأطلقته بعد أن بصقت عليه واليوم اشعر بالندم فعلا لان اللص نجح في الوصول الى مناصب قيادية خطيرة رغم ارتكابه جريمة لو قمت يومها بالتبليغ عنها لمنعه القانون من مواصلة النصب على الناس .... هذا النصب الذي أوصله اليوم الى منصب عضو في البرلمانين الفلسطيني ... والاردني .

* من يحتاج الى التحقيق في هذه الحكاية لا يحتاج الى أكثر من مراجعة دائرة الثقافة والفنون والاطلاع على كشوفاتها المالية لعام 1974 ..... فالشيك المزور لا زال موجودا واللص الذي قبضه بالنيابة وصرفه دون علم صاحبه لا زال موجودا .... يقعد في مجلس النواب ليتحدث عن الشرف .... ويظهر على شاشات التلفزيون لينظر ويفتي في قضايا التحرير ..... تحرير الاوطان وليس تحرير الشيكات المزورة والمسروقة .