• عمان - عرب تايمز

تنتشر في الاردن ظاهرة طريفة في الوسط الصحافي يطلق عليها بعض الظرفاء لقب " السحيجة " والكلمة مشتقة من كلمة سحجة وهي حركة يقوم بها راقصو الدبكة الاردنية ويقلدون فيها قائد الفرقة او مدربها دون ان تكون للسحيجة اية اضافة الى تعديل او تغيير لحركات قائد الفرقة ... مجرد صدى له لا اكثر ولا اقل .

تبدأ الحكاية بخطاب ملكي ... او بكلمة تصدر عن الديوان الملكي ... أو ببيان يصدر عن الملك ... او بتصريحات يدلي بها جلالته في لقاء صحافي او تلفزيوني... وتنتهي بالسحيجة ... حيث يتلقى الواحد منهم هذا الخبر او البيان او التصريح ويبدأ بشرحه واعادة بثه ومدحه وتزويقه والاشادة به ... ويتنافس السحيجة في عرض الموضوع والاشادة به وتحميله اكثر مما يحتمل ... وفي الغالب يتحول الى افتتاحية للجريدة ... او الى مانشيت من صفحتين مع ان الامر الملكي قد لا يزيد عن سطرين .

يبدو ان ظاهرة السحيجة وصلت الى السياسيين ايضا ممن لا علاقة لهم بالصحافة والصحفيين ... وجواد العناني نموذج طريف لهذه الظاهرة وقد اختار جريدة البيان الاماراتية ليستعرض من خلالها " سحجته " التي ينافق بها الملك عبدالله بعد ان تخصص بمنافقة الامير حسن من قبل .

والعناني كان رئيسا للديوان الملكي في الاردن وقد عينه في هذا المنصب الامير حسن واعتبر من رجال الحسن المقربين وكان العناني يطمع في اكثر من " رئيس للديوان " بخاصة وان الامير حسن كان يجهز نفسه لتولي مقاليد الحكم وكان العناني يرتب شئون الديوان الملكي الذي يترأسه ليستقبل الملك الجديد ... وحكاية تغيير ستائر القصور التي امرت بها الاميرة ثروت زوجة الامير حسن تمت في عهد جواد العناني .

الانقلاب الذي تم في القصر على الامير حسن ... والذي انتهى بطرد الامير من منصبه كولي للعهد امتد ليشمل رجال الامير في الجيش والديوان والمخابرات والسفارات ... وكان جواد العناني على رأس الذين " طاروا " في عملية التغيير ولكنه ظل وفيا للامير ولعله الوحيد الذي كان يتذكره في عيد ميلاده حيث تظهر بهذه المناسبة مقالات للعناني في الصحف الاردنية يشيد بها بسيده السابق ويبشر بقرب عودته الى الحياة السياسية ... وكانت تصريحات العناني لجريدة الاهرام حول عودة الامير حسن اكثر من صريحة بخاصة بعد طرد البطيخي والكعابنة من منصبيهما حيث ذكر العناني صراحة ان الملك عبدالله قد تخلص من اثنين كانا عائقا امام عودة العلاقات الطبيعية بين عبدالله وعمه الحسن .

كان هذا في لقاء صحافي اجرته الاهرام مع العناني قبل عامين ... ولكن توقعات العناني لم تكن في محلها ... بل وزادت عزلة الامير حسن ولم تعد اجهزة الاعلام الاردنية تشير اليه من قريب او من بعيد ... ولحقت به الملكة نور التي اختفى عنوان موقعها الالكتروني على الانترنيت من موقع المخابرات الاردنية بل ومن جميع الصحف الاردنية ليحتل موقعا الملك عبدالله والملكة رانيا المساحة ولعلي لا ابالغ حين اقول ان الموقع الوحيد الذي لا زال يشير الى عنوان موقع الملكة نور هو موقع جريدة عرب تايمز .

ادرك العناني اذن ان العودة الى الحياة السياسية عن طريق الامير حسن اصبحت مستحيلة وان مقالاته عن الامير واعياد ميلاد الامير لم يعد لها فكاهو او مازية فقرر ان ينضم الى " السحيجة " ويبدو انه لم يجد صحيفة اردنية واحدة ترضى بنشر مقالاته لازدحام صفحات الجرائد الاردنية بمقالات واعمدة وزوايا سحيجة من كل لون وصوب لذا لجأ الى جريدة البيان التي تصدر في دبي لينشر فيها مقالا تغزل فيه بالملك عبدالله واخوانه غامزا من طرف الملك حسين مبشرا الاردنيين بأن ملكهم الجديد قد اكتشف طرقا جديدة لم يكتشفها ابوه لتعريف الناس بالاردن والاردنيين .

الناس في الاردن مشغولون بالبرلمان المنحل والانتخابات المؤجلة واخبار المظاهرات التي تقمع بقنابل الغاز المنتهية الصلاحية واعتقال وتعذيب توجان وفضيحة مجد الشمايلة وسميح البطيخي ونسرين زيد بن شاكر .... ومعالي جواد العناني مشغول بالنفاق للملك عبدالله لعل وعسى .

ولان جواد العناني يعرف من اين تؤكل الكتف ... ولانه ادرك ان مقاله الذي سينشر في جريدة البيان قد لا يعطي اكله في الاردن ... نجده يحشر في المقال اسم الشيخ محمد بن راشد المكتوم ليضرب عصفورين بحجر واحد ... الملك عبدالله ... ومحمد بن راشد المكتوم ... وتجاهل الشيخين مكتوم وحمدان مع ان الثاني هو المولج بالامور الاقتصادية في الاماراة بل وفي مشيخة الامارات كلها لانه وزير المال ... لكن جواد العناني الذي احترف فن التلاعب على الاخوة والصراعات بينهم كما حدث في القصر الاردني ظن ان الشيخ محمد هو الاكثر نفوذا في مشيخة دبي لذا خصه بالنفاق وترك اخويه حمدان ومكتوم لمناسبات اخرى .

اسهاما منها في توصيل مقالة الاخ الدكتور " السحيج " الى الملك عبدالله والى محمد المكتوم نعيد نشرها لعلمنا الاكيد ان الملك الذي لا يقرأ جريدة البيان سيقرأ حتما مقالة العناني في عرب تايمز ....وان الشيخ محمد الذي لا يقرأ هو الاخر جريدة البيان سيقرأ المقال لان عرب تايمز هي التي تنشره هذه المرة ومن يدري فقد يعطف الملك عبدالله على العناني بمنصب هنا او وزارة هناك وقد يلقي الشيخ محمد بجعالة الى العناني او قد يشركه في سباقات الهجن والتيوس التي تخصص بها الشيخ .

يقول جواد العناني في مقاله :

الأشقاء التونسيين في سيارة مستأجرة من ولاية كولورادو، حيث كنا ندرس هناك في فصل الصيف الى ولاية كاليفورنيا. وأثناء عبورنا بولاية "دايومنج"، أوقفني ضابط سير فيدرالي لأنني كنت اسوق بسرعة فوق السرعة المسموح بها. وقرأ اسمي وسأل "من أين أنت؟" فقلت من "جوردان"، أو الأردن، فرد سائلاً بتعجب: "من جورجيا؟" فقلت له: "لا.. الأردن.. البلاد المقدسة. وسأل: "وهل هي بالقرب من إيران". فتضاحكت قائلاً: "نعم، هي أقرب الى ايران من ولاية دايومنج". وقال سائلاً: "وهل أنتم".. فقطعت عليه سؤاله وسألت بدوري: "هل تعرف الملك الحسين؟" فأجاب مبتسماً: "نعم.. نعم.. هذا الرجل الشاب الذي يقود طائرته بنفسه". فقلت: "نعم.. هو ذاك الرجل وأكثر بكثير" فقال: "آه.. أهو ملك بلادك؟ فقلت: نعم".. ونظر الى رخصتي وإليّ وقال: "اسمع.. انتبه من السرعة.. في بلادنا السواقة امتياز، وليست حقاً". وتركني أرحل بدون أن يصدر بحقي مخالفة سير بحسب السرعة الزائدة.

تذكرت هذه الرواية الصغيرة التي حصلت معي، ومع كثيرين في مواقف مثل هذه داخل الولايات المتحدة. وبقيت الذاكرة في خيالي مطبوعة ان الأردن والملك توأمان، وكلاهما يُعرف بالآخر.

وفي الآونة الأخيرة، بدأنا نلحظ بروز اصطلاح جديد باللغة الانجليزية وهو "كنتري بروفايلنج" profiling country ، أو تسويق دولة أو بلد تحت عنوان معين. وهذا واضح كل الوضوح في دبي مثلاً. حيث ارتبط اسم الامارة باسم آل مكتوم وصارت دبي تحمل لدى الناس انطباعاً بأنها مدينة الأعمال، مدينة المناطق الحرة، مدينة برج العرب، مدينة الأسواق التجارية، مدينة الخدمات الهاتفية المتطورة، مدينة البنية التحتية المتفوقة.. وهلم جرا. ولها في كل ميدان شعار، أو صورة. والشعار والصورة مرتبطان باسم الرجل المسئول عن ملفها الاقتصادي وهو الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ونجحت دبي في ذلك نجاحاً كبيراً.

ورأيت على شاشة التلفاز يوم الجمعة الموافق 9 مايو الجاري فيلماً سياحياً ممتازاً عرضته قناة "ديسكفري" عن الأردن. وقد رافق مقدم الفيلم الرجل الذي يريد تسويق الأردن بمعايير ومقاييس حديثة، وهو الملك عبدالله الثاني. وقد بدا واضحاً ان عناصر التسويق ارتكزت على عدد من الاعتبارات المهمة.

أولها هو ربط الملك وأسرته الممتدة بالأردن دون الإخلال بنجومية الملك نفسه. ولذلك بدا الملك عبدالله الثاني رجلاً مخاطراً بحساب، عاشقاً لبلده ومطلعاً عليها، محباً للرياضة مع تركيز خاص على عضلات جسمه المفتولة بصفته بطلاً من أبطال القوات الخاصة.

وأما النقطة الثانية فكانت إبراز بعض الجوانب المعروفة عن الأردن مثل البتراء ووادي رم والعقبة وجرش قلعة الربض، وأماكن ليست معروفة، رغم جمالها الفتّان وهي وادي الموجب، أو ما أسماه الملك بـ "الجراند كانيون الأردني".

والثالث هو الحفاظ على البيئة وعدم الاخلال بها كما هو واضح من اعادة الحياة الى مياه العقبة والكورال والأسماك في البحر هناك.

والاعتبار الآخر هو الحفاظ على التاريخ واحترامه مثلما هو حاصل في مدينة جرش الرومانية، وقلعة الربض الاسلامية، والبتراء على أساس انها جزء من التراث الإنساني.

ولكن النقطة الأهم هي اظهار الملك بإنسانيته وحبه للحياة، وتعامله مع التقليد والمعاصرة بأسلوب سهل سلس على انه الوجه الآخر للأردن، فهو والأردن وجهان لنفس العملة. وهذا هو التسويق الذي يسمى الآن باللغة الانجليزية "كنتري بروفايلنج".

ولا شك ان الفيلم كان ناجحاً بكل المقاييس الفنية والدعائية ولم يخل مقدم الجولة السياحية واسمه "بيتر" من الاشارات خفيفة الظل، فهو بدين وغير لائق صحياً بالقياس الى الملك الشاب أو أي من اخوته الآخرين الأمراء فيصل -يسابق على طراد مائي- وعلي يتحدث بطلاقة على انه رياضي" وحمزة يقفز بالمظلة من الطائرة وهو أمر لم يعد الملك يستمتع به، وهاشم الذي تسلق الصخور في وادي الموجب وقفز بالحبال فوق الشلال.

ورأينا نفس الأسلوب يستخدم في تعريف الملك لأبنائه الحسين وإيمان والطفلة الجديدة الضاحكة.

وفي نهاية الأمر، بدا ان الملك عبدالله الثاني قد ضحى بنمط حياة حين تسنم المُلك، ولكن هذا يعني ان الملك يريد ابراز البعد الانساني لشخصيته، وهو عادة مزيج ممتاز بين الحكم من ناحية والجوانب الإنسانية من ناحية أخرى.

من الواضح ان أداء الملك عبدالله الثاني في الاعلام هو أداء متميز يختلف في أسلوبه عن أسلوب المغفور له والده الراحل حسين.

فالملك الراحل كان يركز على البعد السياسي الانساني الأمني، أما الملك الابن فهو مهتم بالاقتصاد والإدارة والحداثة. هذا لا يعني ان كليهما لم يهتم بمرتكزات الآخر، ولكن الأولويات والنظرة مختلفة، وان تشابه المحتوى. يستحق الملك عبدالله الثاني التقدير على هذا التسويق الناجح للأردن سياحياً.