غازي الجبالي

حكاية غازي الجبالي، مدير عام الشرطة، في سلطة الحكم الذاتي المحدود، حكاية طويلة. راويها يحتاج الى كل تنهدات فريد الأطرش لكي تندلق فصولها مع الآهات الموجعة. كان ولداً شرموطاً في مخيم الوحدات في عمان. رسب في البكاوريا لكنه قرأ اعلاناً عن قبول الشرطة الأردنية لدفعة ضباط في مدرستها، فذهب بالملف الى مركز استلام الطلبات. وقال أحد معاصريه أنه كان يتحدث طوال الطريق عن فرصته كضابط شرطة لتحقيق انتصارات، لأبو موزة، في نيك الغلمان من صغار المنخرطين في السلك، وكذلك نيك ما تيسر من النساء، من بنات المساكين لا بنات العشائر. وأمام الضابط المسؤول عن قبول المتقدمين، حدث ما لم يكن متوقعاً: تجاهل الضابط الملف الذي أمامه وسأل غازي عن اسمه كاملاً، ثم سأله عن مكان سكناه، فقال : مخيم الوحدات يا سيدي. فرد الضابط حانقاً: ولك انت ما بتستحي، شو قصتك .. جبالي وساكن في الوحدات وبدك تصير ضابط شرطة؟ فقد كان الضابط الأردني من الطراز العنصري والعشائري!
لكن غازي لم يستسلم، وطرأت على باله فكرة: أن يذهب الى مدير المخابرات ـ آنذاك ـ محمد رسول الكيلاني، ويربط له على باب المبنى في العبدلي للانقضاض على قدمه لتقبيلها واستثارته من ناحية العصبية الفلسطينية، باعتباره فلسطينياً ذا أياد بيضاء على النظام، وكان صخرة تتكسر عليها محاولات القوميين والبعثيين والشيوعيين للاطاحة بالنظام، في مرحلة زاهية من المد القومي. وبالفعل ربط الجبالي أمام مدخل المبنى في ساعة خروج الكيلاني. وعندما خرج الأخير تقدم الجبالي نحو السيارة قائلاً لمدير المخابرات:" ياعم أبو العبد، أنا يا سيدي تقدمت لدورة ضباط الشرطة لكن الضابط المسؤول سألني عن كذا وكذا ورد علي بكذا وكذا. أنا ابنك يا سيدي ولا تحرمني من الشرطة" فقال له الكيلاني :"روح يا ولد، ارجع لمدرسة الشرطة وستدخل غصباً عن راس أبوه". وهكذا كان!
اصبح الجبالي ملازم ثان في الشرطة الأردنية، ولم يجد الأمور مثلما يتوقع على صعيد الغلمان والنسوان، فشهوته لا تحتمل الحد الأدنى من الضبط والربط والحكاية ليست شوربة. ولما وصل الى هذه النتيجة، كان نجم المقاومة الفلسطينية صاعداً ، والتحق بها ضباط أحرار من الجيش الأردني وركب الموجة كثيرون أوسخ أو أنظف قليلاً من الجبالي. فانتهز المذكور الفرصة لأن النيك سيكون عندئذ ثورياً، والحكاية شوربة.
التحق الجبالي بجماعة "فتح"، وتم فرزه لسلك النيابة، باعتبار أن الشرطة لم تكن موجودة. وفي ذلك السياق سمعت أوساط العمل الفلسطيني عشرات القصص الجنسية الوسخة عن غازي الجبالي.ومع الرحيل الى تونس، وبدء فترة النضال السياحي هناك، دق الجبالي في عشرات الخادمات الفقيرات، وتزوج من بعضهن، وما تزال بعضهن حتى هذه اللحظة يترددن على سفارة فلسطين هناك، بصحبة أطفالهن من الجبالي، يطلبن الصدقة، وكذلك الأمر في موريتانيا، حيث ارسل الجبالي لفترة كمدرب للشرطة هناك! كانت تلك المواصفات، بالنسبة لعرفات، هي الشيء المطلوب. بل الأقل من المطلوب. فالرجل شديد الإعجاب بالأوساخ من خلق الله وتكفي نظرة واحدة الى قائمة المحبوبين والمحظوظين عنده للبرهنة على هذه الحقيقة. فعرفات ربما يحتاج كادراً محترماً وقوياً لتأدية عمل يعجز عنه أحبابه الفاسدون، لكن الدلال والتدليع وإغداق المال من نصيب أرذل القوم وأكذبهم وأشدهم فجوراً. لذا كان الجبالي هو المرشح الأوفر حظاً لتسلم مهام مدير عام الشرطة.
ابتلي الفلسطينيون، بعد معاناة استمرت نحو ربع القرن، تحت نير الاحتلال، بالجبالي متحكماً في مصائرهم. وبدأ الجبالي فعاليات النط على النسوان دون أن يوفر فرصة تتاح له. وفي هدوء شديد، اختار غلمانه من الشبان الصغارالذين تقدموا للانضمام لسلك الشرطة. وانطلقت يده في جباية المال من الناس ابتزازاً. وعرف التاريخ الفلسطيني اختراع المشروع الاستثماري للزنزانات، وهو مشروع يقوم على حبس "المشتبه بهم" والافراج عنهم لقاء ألاف الدنانير الأردنية. وتأسس شيء أخر هو مكاتب المحاماة الصورية التي يقبع فيها متخرجون من كليات الحقوق، كانوا عاطلين عن العمل، فافتتح لهم الجبالي مكاتب مرتبطة بالمخافر، لتحويل قضايا ثم "تسليكها" مقابل مبالغ مالية كبيرة تذهب معظمها لجيب الجبالي.وان تنازع مواطنان على ملكية قطعة من الأرض، كان الجبالي، أو مندوبوه، يقبضون من الطرفين. أما تجار المخدرات فقد وجدوا في الحالة الجبالية ما ينشط تجارتهم، وقاموا بتأسيس علاقة عمل مشترك مع الجبالي، بدل العمل بالقطعة أو بالقضية. بمعنى أن "البضاعة" تمر من المنعطفات الصعبة بسلام، وعندما تصبح في ذمة موزعي التجزئة ويقبض التجار الكبار ثمنها، يتم القبض على المدخنين وصغار الباعة، فيربح التجار الكبار والجبالي من وراء البضاعة مرتين، واحدة عند البيع للموزعين المتوسطين والصغار، بضمانة أمنية من الشرطة، مقابل عمولة معتبرة، ومرة عند القبض على المدخنين وصغار الباعة وإطلاقهم مقابل رسوم مخففة لضمان التواصل والتكرار، مع بيع المادة المضبوطة، بسعر معقول، للتجار الذين يبيعونها ـ بدورهم ـ مرة أخرى لضحاياهم بالسعر الأصلي!
ومن خلال هذه المتوالية الهندسية المجرمة، صعد نجم "العقيد" طلال أبو زيد، الذي بدأ حياته طبالاً في كباريهات شارع الهرم ( والذي سنخصص له مقالة منفردة) وكذلك لمعت أسماء ضباط أخرين سنأتي على ذكرهم لاحقاً . وباعتبار أن هذا السلوك يخوزق أهداف الفلسطينيين وامنياتهم الوطنية، فقد سارعت إسرائيل، بلؤمها المعهود، بالاعلان عن الجبالي كشخص مطلوب بل ومتهم بالتآمر على أمنها. والغرض هو تلميع الجبالي وإطالة عمره الافتراضي كمدير عام للشرطة. لكن النكته لم تكن محبوكة، إذ كيف يكون الجبالي متهماً مطلوباً بسبب مخالفات أمنية خطيرة، وتتركه اسرائيل قائدا للشرطة، في مرحلة يستجاب فيها للاعتبارات الاسرائيلية غير المنطقية وغير العادلة، وتتداخل فيها الوظائف والاختصاصات الأمنية، ويتواجد فيها الاسرائيليون على الطرقات العامة ولا يستطيع فيها الفلسطينيون الافراج عن معتقل في سجون السلطة، كانت ترى اسرائيل أن شكله ينذر بالخطر؟