عبد الحميد السراج
كتب اسامة فوزي

قبل سنوات أهداني الصحافي غسان زكريا رئيس تحرير مجلة سوراقيا اللندنية كتابا بعنوان السلطان الاحمر يروي فيه  حكاية عديله عبد الحميد السراج نائب عبد الناصر في سوريا خلال الوحدة ورئيس المخابرات فيها والذي هرب بعد الانفصال الى القاهرة ولا زال فيها .
ما شدني الى الكتاب ليس السرد  لوقائع التاريخ المعاصر في سوريا بخاصة مرحلة الانقلابات ... وانما الكم الهائل من المعلومات الخاصة جدا التي يوردها المؤلف عن السراج لان غسان زكريا كان عديلا للسراج وبالتالي كان مطلعا على الحياة الشخصية والعائلية للرجل الذي ارهب سوريا وروعها وزرب الاف السياسيين والمعارضين والمفكرين والصحفيين في سجونها .
لعل أكثر ما لفت نظري في كتاب غسان زكريا قوله ان السراج الذي حكم سوريا بدأ حياته العملية حارسا لمحل دعارة في حلب يعرب باسم البحستيا او شيء من هذا القبيل وهو وكر رسمي للدعارة تقيم فيه مومسات مرخصات يسمح لهن بالعمل وكان عبد الحميد السراج حارسا للوكر ينظم عملية الدخول والخروج منه ... هذا الحارس أصبح رجل عبد الناصر في سوريا خلال الوحدة .
الجديد في الموضوع ان السراج الذي يقيم في مصر ويحمل الجنسية المصرية قد قرر اخيرا الخروج عن صمته ليروي جانبا من مذكراته بخاصة عملية تهريبه من سجن المزة العسكري الى بيروت ثم الى القاهرة بأمر من عبد الناصر .
لقد خرج السراج نائب الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر ابان دولة الوحدة بين مصر وسوريا عن صمت دام اكثر من 40 عاماً ليحكي جانباً من عملية هروبه او بمعنى ادق تهريبه من سجن المزة السوري حيث اعتقله الانفصاليون بعد فض الوحدة عام 1961 ، ثم وصوله بنجاح الى القاهرة بمساعدة الزعيم اللبناني كمال جنبلاط وكان السراج الذي كان من اشد المؤمنين بالوحدة وقد منحه الزعيم الراحل الجنسية المصرية وقام بتعيينه رئيساً للهيئة العامة للتأمينات والمعاشات ولا يزال السراج يعيش بالقاهرة وقد تولى عدة مناصب.
وفي حواره مع جريدة - العربي- الناصرية يقول ان عملية تهريبه نفذتها المخابرات المصرية باشراف من عبدالناصر وبالتعاون مع القيادات اللبنانية وعلى رأسها الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط.
يضيف السراج -ابو فراس- بحكم منصبي كرئيس للشعبة الثانية ـ المخابرات ـ كنت اقوم بجولات تفتيشية على سجن -المزة- وكنت اعرف مدير السجن ونائبه, وبالطبع كان الجنود يعرفونني, وعندما وقع الانفصال جرى اعتقالي بسجن -المزة- وللحقيقة والتاريخ فإن -الفرار- لم يخطر لي على بال قبل ان يأتي معاون السجن وهو -برتبة صول- ليعرض علي الفكرة بعد سجني بحوالي عشرين يوماً, ولم يكن وحده الذي بادرني بهذا العرض.
ويضيف : وضعت خطة للهروب اكتملت خيوطها بمساعدة منصور رواشدة احد الذين الحوا علي للهروب وبمعرفة نذير رشيد ومحمد الروسان وكانا ضابطين في الجيش الاردني قبل لجوئهما الى دمشق بسبب ملابسات شتى.
ولدى وصولنا الى النقطة المحددة لكي يأخذنا رجال جنبلاط الى حيث رتب, وجدنا كمال جنبلاط بنفسه بانتظارنا كما هو متوقع فقد اخبر مسبقاً بتوقيت الخروج من السجن, وكان ذلك هو افضل وسيلة لتجنب المخاطر التي يتوقع ان تدهمنا في كل نقطة حواجز على الطريق الى بيروت, وبسيارته لم يوقفنا احد حتى وصلنا الى -المختارة- قريته وأنزلني الرجل في - صومعته- في أعلى منزله حتى لا يراني احد, وامضينا هناك نهاراً كاملاً.
دبر جنبلاط اعلان سفره الى الهند حيث يسافر اليها باستمرار بعد ان اوصى الزعيم الركن شوكت شقير الذي اعرفه معرفة وثيقة منذ ان كان رئيساً لأركان الجيش السوري وهو اللبناني الجنسية اوصاه ان يعلم السفير المصري في لبنان عبدالحميد غالب بوصولي الى لبنان في طريقي الى مصر.
وقد علمت ان الرئيس شهاب اتصل بالرئيس عبدالناصر وابلغه عن وصولي الى لبنان حيث طلب منه الرئيس عبدالناصر المحافظة علي وتسهيل خروجي وان تراعى -المكتومية- الشديدة وخاصة من اجهزة الامن اللبنانية التي كانت مخترقة في ذلك الوقت.
بعد سفر كمال جنبلاط جاءني شوكت شقير وركبنا سيارته دون ان اسأله السؤال الطبيعي في مثل هذه الاحوال: الى اين؟ ولكنني اثرت الصمت حتى لا أثقل على أحد أو أبدو في صورة على غير الحقيقة وتركت الامر يمضي كما هو مقدر له, واخيراً وصلنا الى بيت محمد نسيم ضابط المخابرات المصري في لبنان وكانت حكومة الانفصال قد رصدت جائزة قدرها 50 ألف ليرة لمن يدلي بمعلومات عن السجين الهارب ولذلك وعندما وصلت السيارة الجيب وملابس الجندي اللبناني ارتديتها وانطلقنا في طريقنا الى مطار بيروت كنت انا وسامي الخطيب ومنصور رواشدة وبعد مسيرة خمس دقائق بالسيارة دخلنا من فتحة جانبية الى ارض المطار, وهناك وفي نهاية المدرج كانت تربض طائرة مصرية خاصة جاهزة للاقلاع.
ودعنا سامي الخطيب على سلم الطائرة, ولدى الباب وجدت بانتظاري سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر وقتها وبصحبته عبدالمجيد فريد يرتديان زي مضيفي الطائرات, وقبل ان تنتهي كلمات الترحيب والاطمئنان على الصحة وما شابه ذلك انطلقت بنا الطائرة في طريقها الى القاهرة لنصلها مع خيوط الفجر الاولى.
واضاف: بعد وصولي الى القاهرة صادف ان اقبل العيد الكبير -عيد الاضحى- فدعاني عبدالناصر للصلاة معه وهذا هو اول ظهور علني لي بعد هروبي من سجن المزة, وكلف عبدالناصر عبدالقادر حاتم باعلان بيان رسمي يفيد وجودي في القاهرة وفي اليوم نفسه نشر الاستاذ هيكل بناء على تعليمات من الرئيس عبدالناصر خبرا صغيراً على الصفحة الاولى من ثلاثة اسطر تفيد ان الرئيس عبدالناصر استقبل في القاهرة عبدالحميد السراج, بدون اية تفاصيل او الدخول في موضوع الهروب او غيره. يبدو ان رواية السراج عن الكيفية التي هرب بها لم تجد قبولا لدى بعض الكتاب والصحفيين المصريين ... الى جانب ان عديله غسان زكريا لم يتطرق اليها بالتفاصيل ... فبعد نشر اللقاء مع السراج في الجريدة المصرية سارع الصحافي الناصري محمود المراغي الى كتابة تعليق يشكك فيه ببعض ما ورد في هذه الرواية علما ان المراغي كان رئيسا لتحرير الجريدة التي اجرت الحوار مع السراج .
يقول المراغي : نحو اربعين عاما مضت ولم ينطق عبدالحميد السراج .. لم يرو ما حدث قبل الوحدة بين مصر وسوريا او اثناء الوحدة .. رغم انه كان الرجل القوي او الرجل الأول في سوريا، رفض رشوة بالملايين أعطوها له ليتآمر ضد عبدالناصر، وحرس الوحدة من خلال موقعه كمسؤول ورئيس للمخابرات »الشعبة الثانية« .. وجرت ترقيته او اقصاؤه »كما يظن« بتعيينه نائبا للرئيس عبد الناصر، والمقر حينذاك: القاهرة وليست دمشق.
والقصة بعد ذلك معروفة تم القبض عليه وايداعه سجن المزة .. وكان مطلوبا في أكثر من عاصمة للاجهاز عليه، لكنه استطاع بواسطة رقيب او مساعد في السجن ان يهرب خارج الأسوار .. ثم استطاع بواسطة اثنين ممن عملوا في جيش الأردن ان يهرب الى لبنان ثم القاهرة حيث تناول طعام الافطار مع عبدالناصر، وخصصت له شقة لم يغادرها حتى الآن، مع بطاقة جنسية كأي مواطن مصري.
حدث ذلك عقب الانفصال وعقب شهور قضاها في السجن »16 ــ 1962« .. و .. لم ينطق السراج الا منذ أيام!
أخيرا، تحدث الرجل .. وكانت حجته ان آخرين قد رووا القصة وأسندوا الفضل »فضل تهريبه« الى غير أهله فقرر ان يتحدث لصحيفة الحزب الناصري في مصر »العربي« وان يروي كل ما جرى.
والرواية بوليسية وسياسية ودرامية .. تحمل كل عناصر الاثارة .. فهذا عملاق سياسي في القفص .. وهؤلاء حراس يحرضونه ــ طبقا لروايته ــ على الهرب ثم يساعده احدهم على وضع المخدر في قطعة الجاتوه ليغافل حارسه وهو منوم ويتجه للباب الخارجي بملابس عسكرية مزورة وبترتيب جرى فيه تأخير كلمة السر عن الحراس حتى لا يطالبوه بها .. ثم .. بقية القصة وصولا الى بيروت وبيت جنبلاط وبيت رجل المخابرات المصري محمد نسيم.. وصولا ــ بملابس عسكرية لبنانية هذه المرة ــ لطائرة مصرية تحمله مع رجال عبدالناصر: سامي شرف مدير مكتب الرئيس، عبدالمجيد فريد امين عام رئاسة الجمهورية، ومحمد نسيم رجل المخابرات.
النحو معزوفة شاركت فيها عناصر وحدوية سورية ولبنانية ومصرية وأردنية .. وقد انتهت القصة بانقاذ الرجل وصدمة لدى الانفصاليين في سوريا والذين اذاعوا فيها انه هرب بطائرة هليوكبتر وان غواصة قد انتظرته في شواطىء سوريا .. و .. كانت الحقيقة غير ذلك.
الغريب في القصة انها جاءت وفي وقت واحد من خلال روايتين: واحدة لعبدالحميد السراج »ابو فراس« والثانية لسامي شرف.
و .. بصرف النظر عن الاختلاف في التفاصيل حيث يروي سامي شرف مثلا انه ذهب الى الرئيس اللبناني فؤاد شهاب ليخبره ان السراج قد وصل، ويحمل له رسالة خاصة من عبدالناصر .
يروي سامي شرف ذلك بينما يقول السراج انه فور وصوله ــ وبمساعدة كمال جنبلاط ــ طلب الرئيس اللبناني اخطار عبد الناصر!
بصرف النظر عن هذه التفاصيل وهل نزل السراج ببيت كمال جنبلاط عند وصوله الى بيروت ثم انتقل الى منزل رجل المخابرات المصري محمد نسيم .. ام انه ركب فقط سيارة جنبلاط من الحدود الى منزل نسيم مباشرة .. بصرف النظر عن ذلك تبقى القضية الغامضة ذلك التضارب بين القطبين فيمن خطط، وأعد؟ وقام بالترتيب؟ وفقا لرواية السراج فقد قام وحده بترتيب الأمر وكان المصريون في انتظاره ببيروت ولم ير سامي شرف الا في المطار
.. ووفقا لرواية الأخير فقد جرى اعداد خطتين لتهريبه وافق عبدالناصرعلى احداها وهي الخطة »جمال«. وتولت مصر عملية التهريب ودراسة احوال السجن والاتصال بأحد أفراده.
وأظن ان الحقيقة خليط من ذلك كله فلم يكن باستطاعة السراج ان يخطط بمفرده وهو داخل السجن ولم يكن باستطاعة المخابرات المصرية ان تختطف الرجل دون مساعدة السجانين، بل لم يكن باستطاعة بيروت الاحتفاظ بالسراج لولا انها اتفقت مع مصر ان تكون مجرد نقطة عبور .
لماذا التضارب اذن ولماذا اغفل السراج وجود خطة مصريةلتهريبه؟ .. الغريب ان الرجلين: السراج وشرف من رجال الأمن السابقين .. وكلاهما يتمتع بذاكرة حديدية!