أحمد سعيد

قام اشهر مذيع مصري بزيارة الى دول الخليج العربية حاضر خلالها عن اذاعة صوت العرب التي رأسها في عهد عبد الناصر واعتبرت من أهم الاذاعات العربية في حقبة الستينات .

وقد أكد احمد سعيد خلال محاضراته ان عبد الناصر استطاع احتلال العالم العربية بأذاعة صوت العرب وكان الحكام العرب يرتعدون خوفا من برامج الاذاعة واشهرها برنامج اكاذيب تكشفها الحقائق .

واعترف أحمد سعيد في محاضراته ان الاعلام في زمن عبد الناصر قد وضعه بين نارين : نار الشيطان عندما امتنع عن الامر الالهي بالسجود لآدم قائلا" أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين" أما النار الاخرى، فهي نار جلد الذات بما يعنيه هذا الجلد من البعض من يأس وانكفاء على الضياع وهو امر ضد طبيعة الحياة.

واشار الى ان ما يعكس قيمة الاعلام في الحقبة الناصرية ان صحفيا يبدو لبناني الاصل يدعى جورج ناصيف نشر في صحيفة الخليج الاماراتية رسالة شخصية الى عبدالناصر يقول فيها: ابا خالد بعد ثلاثين عاما على غيابك، اكاد الومك على ارتحالك؟ اما كنت بصيرا بما سينزل بنا بعدك؟ فلو عدت لاخذتك الرعدة ويمضي ناصيف في رسالته الى ان يقول "تعال ايها الكبير فقد سئمنا الذل، تعال فقد شمخ علينا الداعرون". هذا الذي كتبه جورج ناصيف بعد نحو ثلاثين عاما من وفاة عبد الناصر يعني امرا واحدا ان عبد الناصر رغم هزيمته العسكرية المدوية في حرب حزيران يونيو ووفاته بعدها بنحو اربع سنوات فمازال هو او من يمشي على دربه القومي التحرري مطلوبا على امتداد الوطن من الخليج الى المحيط.. فكيف وقد حاولت خلال ثلاثين عاما مضت النيل من الرجل وسياساته ووصمه بالديكتاتورية والتآمرية اجهزة اعلامية عربية واجنبية وكذلك مصرية لولا ان الغرس الذي وضعته الاجهزة الاعلامية الناصرية خلال الخمسينيات والستينيات مازال ثابتا في الارض العربية وناميا على مدى السنوات والازمات والتضليلات وراح ينمو من جديد مرتبطا بعبد الناصر وفكره القومي التحرري الثوري ويحلم بعودة عصره وما فرضه من كرامة عربية واسترداد ما حققه زمانه وتجسد في استقلال مستعمرات ومحميات بريطانية وفرنسية واسترداد شعوبنا لثرواتها وخاصة البترولية بدءا من تأميم عبد الناصر لقناة السويس، فالحقيقة التي يؤكدها تطلع الاجيال المعاصرة لزمن عبدالناصر الذي انتهى مع وفاته منذ ثلاثين عاما يرجع في الدرجة الأولى إلى ما أحدثه هذا الزعيم من تغييرات في المنطقة العربية جماهيريا وقوميا واقتصاديا ونجحت أجهزة الإعلام العاملة معه في دعوة العرب إلى المساهمة فيه والقتال من أجله والتطلع دوما إليه مع كل أزمة أو محنة أو ترد.

وكشف أحمد سعيد في محاضراته عن أمرين : أولها عدة أرقام وثانيهما عدة أقوال من ضوابط مجالس نيابية فرنسية وبريطانية عن إعلام عبدالناصر عامة وصوت العرب على وجه الخصوص.

بالنسبة للأرقام اشار احمد سعيد الى ان صوت العرب خصصت معظم اوقاتها لنصرة محمد الخامس بعد نفي فرنسا لمحمد الخامس وابنه الحسن وأسرته وتعيين عميل فرنسا عمر بن عرفة سلطانا والجلاوي باشا رئيسا للوزراء، وقفت صوت العرب مع محمد الخامس إثر مقولة حاسمة يومها لعبدالناصر.. إننا لم نعزل الملك فاروق عن عرش مصر لأننا ضد الملكية كنظام وإنما لمفاسده ومعاداته لأماني الشعب، أما محمد الخامس سلطان المغرب فملك تخلى عن عرشه لينضم إلى الشعب ويرفض تكبيل فرنسا له فهو قد ارتقى بنفسه من ملك يرث ملكا إلى زعيم شعب يخلد للأبد، فادعموا ثورة الشعب من أجل فرض عودته على فرنسا وتصفية الاستعمار الفرنسي..

وقد أدى نجاح صوت العرب في دعم ثورة المغرب ثم إشعال ثورة الجزائر حتى تمت صياغة بيانها الأول وهذا- يقول أحمد سعيد - شرف لي كبير ففي مكتبي في الإذاعة قبل خمسة أيام من استقلالها قمت بصياغة مشتركة بين أحمد توفيق المدني عضو جبهة التحرير الجزائرية وفتحي الديب مسؤول الشؤون العربية في المخابرات المصرية والعبد لله.. أدى ذلك النجاح إلى اهتمام عبدالناصر بالإعلام وتزايد هذا الاهتمام حتى ارتفع بث صوت العرب إلى "اربع وعشرين ساعة يوميا بعد أن كانت تبث ثلاثين دقيقة فقط كذلك مع ظهور كتاب "فلسفة الثورة" عبد الناصر وتحديده لحركة ثورته بالدوائر العربية والإسلامية والافريقية إلى إنشاء إذاعة القرآن الكريم وإذاعة الشرق الأوسط وإذاعة بالعبرية وإذاعات بالفارسية وبالأردو ولغات ولهجات شعوب افريقيا خاصة الإسلامية منها أو المرتبطة معنا في حوض ومنابع نهر النيل.. بجانب إذاعات بكافة لغات العالم الحية من الانجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والروسية والايطالية لشرح وجهات النظر العربية في مختلف قضايا التحرر العربي سياسيا واقتصاديا..

وباحصاء رقمي وموضوعي كان لأجهزة الإعلام الناصرية من القدرات الهندسية والبرامجية وأيضا التحررية ما جعلها في زمن الحقبة الناصرية في الخمسينيات والستينيات رائدة ومؤثرة على مستوى الوطن والعالم.. ويكفي اليوم ذكر شهادة ثلاثة من الاعداء الاول قانوني عرفي اصدره الجنرال الفرنسي جاك سوسنيل حاكم الجزائر وقائد قوات الاستعمار الفرنسي اثناء الثورة الجزائرية باعدام من يضبط يستمع الى اذاعة صوت العرب والمؤبد مع الجلد لمن يشترك في الاستماع معه ولا يبلغ عن صاحب الراديو. والثاني ما أورده انتوني ناتنغ وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية في حكومة انتوني ايدن اثناء العدوان البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر مما قاله انتوني ايدن في مجلس العموم البريطاني عقب بدء العدوان على مصر "اننا لم نشترك مع حكومة فرنسا في العمليات الحربية في مصر شمال قناة السويس الا لتحقيق هدفين كبيرين طالما تمنت الحكومات في بلادنا تحقيقهما، اولهما حديث وهو تأميم عبدالناصر لقناة السويس وتهديده للملاحة الدولية ومصالحنا فيها

والثاني قديم ولكنه متصل ومستمر ومتزايد ومتفاقم وهو اذاعات عبدالناصر خاصة المسماه بصوت العرب وتحريض هذه الاذاعة المستمر لقتل ابنائنا الجنود في عدن ومحميات جنوب اليمن وتهديد مصالحنا البترولية في الخليج "اورد ناتنغ هذا في كتابه "عبدالناصر"

والثالث ما قاله رئيس وزراء فرنسا ايام العدوان الثلاثي من ان حكومته مقتنعة تماما بأن مقاتلة الجيوش الفرنسية مع الجنود البريطانيين لناصر في مصر سيحقق بقاء فرنسا في الجزائر وتصفية الثورة ضد فرنسا هناك بما يوقف من دعم عسكري واذاعي تلقاه هذه الثورة طالما كان ناصر يحكم مصر ويملك هذه الاذاعة المسماة صوت العرب.

وأكد أحمد سعيد آن الاعلام ايام عبدالناصر قد ادى واجبه في دعم تطلعات شعوب عربية مستعمرة للحرية والاستقلال خاصة الذي اعترف به الاعداء والدراسات العلمية الموثقة في بريطانيا وفرنسا واميركا وروسيا كان ولا شك يشعر به بعض السقطات او المنزلقات واسمحوا لي خاصة للاعلاميين ان اذكر بعض هذه المثالب.
أ ـ عندما اغتيل الزعيم التونسي صالح بن يوسف عقب كلامه مع الحبيب بورقيبة على التوجه القومي او التوجه الاوروبي "صوت العرب نقلا عن صحف فرنسية وبيروتية اتهام بورقيبة بالتحريض على الاغتيال، وقد ادى ذلك الى مطاردة حكومة بورقيبة وتدمير انصارها لدى مقهى يدير مؤشره على اذاعة صوت العرب، وقد أدى ذلك ايضا الى تحجيم تونس حكومة وشعبا لدعم وحرية وسحق الثوار والاسلحة والمعونات المرسلة من مصر للجزائر عبر ليبيا وتونس، كما وضع الثورة الجزائرية في وضع حرج وفرض علينا ان نواجه هذا الحرج ونقدم نوعا من التنازلات لحكومة بورقيبة والترضيات دعما للثورة الجزائرية وكانت تونس معبرا للسلاح المصري إلى الجزائر وكذلك الثوار بعد تدريبهم في مصر وسائر المعونات الطبية المصرية.

واشار أحمد سعيد الى بعض الاسرار منها بعض الاخبار المدسوسة من قبل اجهزة اجنبية وعربية معادية للنمط الناصري. مثل حادثة ثورة ومظاهرات في حي في بغداد معروف بوليسيا هناك وشعبيا ايضا انه حي الدعارة ودس اسم احدى شهيراته كبطلة للتظاهرة وقد دمغنا ذلك وغيره إلى ابتداع برنامجين: هل هذا صحيح؟ واكاذيب تكشفها الحقائق.

وعن أزمة الجزائر قال أحمد سعيد أشهد اليوم أن لولا وطنية اثنين من زعماء البربر هما كريم بلقاسم رحمه الله وحسين بن احمد لا نفرط عقد الثورة الجزائرية وما وصلت بالبلاد الى استقلال ووحدة، حيث استغل الفرنسيون موقف مصر وصوت العرب من الخلاف مع قيادات الجزائر في عرض مشروع تقسيم الجزائر الى شمال عربي ــ فرنسي ــ اوروبي وبربر وصحراوي عربي.

وقال أحمد سعيد انه تسلل في منتصف الخمسينات الى غزة قبل انسحاب اسرائيل لمنع مشاريع تدويلها التي تبناها البعض، ورأى الفدائيون آنذاك ان احتمي بالدير اللاتيني، وهناك وجدت وعرفت عن الاسقف الثلاثيني ما جعلني أرى اهمية واحقية اذاعة قداس الكنس كل احد. وقد اثار ضجة.. حسمها عبدالناصر: بان حرية احمد سعيد في العمل وتفاصيله يجب الا يحدها هذا التيار أو ذاك في أجهزة المخابرات وغيرها.

واشار المتحدث الى انه عندما أصدر عبدالناصر قرارات يوليو الاشتراكية .. وهلل لها الشيوعيون، رأيت من واجبي عمل دراسة اسلامية من واقع القرآن والسنة ومواقف الائمة وعمر بن الخطاب بالذات لأصل إلى ان الاسلام أرقى واحرص على العدل الاجتماعي، مما اثار الشيوعيين، لولا وقفة عبدالناصر بمجلس الأمة المصري وحسم الموقف بحقي في عرض الأمور والدعوة للمبادئ وفق ما أراه واقتنع به.

وأضاف أحمد سعيد أنه عندما دعا عبدالناصر للقمة العربية في مطلع الستينات وجدت في لقاء الثوريين مع التقليديين ما يعرض الثورية للخطر، واتهمت يومها بمعاداتي للسياسات الناصرية الرئاسية، ولكن بعرض الامر ووجهة نظري على الرئيس استقر الرأي على ترك صوت العرب حرة في اذاعة انباء القمة دون التعليق عليها مدحا او ذما، وقد دعا ذلك بعض الحكام العرب الى اثارة ذلك في اجتماعات القمة بفندق فلسطين بالاسكندرية، وكان جواب عبدالناصر، ان يذيع الانباء التي تصله عن القمة، وانا لا استطيع الزامه بالتعليق عليها ثم اضاف ضاحكا، اظن يكفي انه لا يهاجمها ويهاجم البعض هنا.