الشيخ أحمد القاسمي

* كتب زهير جبر

وقعت على هذا الحديث عن شيخ من الامارات يرد اسمه كثيرا في أوساط الكتاب والادباء العرب الذين زاروا الامارات لانه كان عراب النشاطات الثقافية والفكرية والادبية في امارة الشارقة ... اسمه الشيخ أحمد القاسمي..

كنت أظن ان الدكتور اسامة فوزي لن يجيز نشر مقالات من هذا النوع مع شيوخ النفط بسبب عداوة مزمنة ومتأصلة بينه وبينهم ... لكني فوجئت وانا اذكر اسم الشيخ امامه فوجئت به ينط من مقعده وهو يقول : هذا الرجل صديقي ... اين قرأت عنه ؟

قدمت للزميل فوزي نص حديث كانت قد اجرته معه احدى الصحفيات في الامارات ونشر على احدى المواقع التي تهتم بشئون الثقافة ... فطلب مني الزميل نشر الحوار وكتب له المقدمة التالية .

من مهام عمل الزميل زهير جبر تحرير صفحة تهتم بشئون الثقافة والادب وهي الصفحة التي بدأنا بنشرها منذ عدة اعداد والهدف منها هو التعريف بالاخبار الثقافية والاصدارات الادبية والفكرية والقاء الاضواء على بعض النشاطات والمؤتمرات الادبية والثقافية في العالم العربي ...

ولتحقيق ذلك دأب زميلنا زهير جبر على قراءة الصحف والمجلات العربية التي تهتم بهذه الامور وزيارة المواقع الادبية والثقافية على الشبكة الدولية وكم كنت سعيدا عندما وجدت بين اوراقه لقاء مع الشيخ احمد القاسمي لانه اعادني بالذاكرة الى ايام ثقافية جميلة وفرها لنا هذا الرجل وجمعتني به بل وشرفني بعدة شهادات فخرية يشكرني فيها باسم الشارقة على اسهاماتي في انجاح العمل الثقافي والفكري في الامارة . الجديد الذي اريد ان اضيفه الى هذا الحديث الذي نشرته احدى الصحف الاماراتية مع الشيخ المتقاعد هو واقعتين تحملان الكثير من الدلائل وتكشفان جانبا مهما من شخصية هذا الرجل .

الواقعة الاولى تعود الى مطلع الثمانينات ... يومها وجهت الدائرة الثقافية في الشارقة التي يترأسها الشيخ احمد القاسمي الدعوة لرسام الكاريكاتير ناجي العلي لزيارة الشارقة والمشاركة في مهرجانها الثقافي المقام على هامش معرض الكتاب وطلب مني الشيخ احمد وبحكم علاقتي وصداقتي لناجي العلي ان اتكفل بمهمة استقباله وتقديمه الى الاخرين خلال فترة اقامته في الشارقة .

كانت لناجي العلي حساسية خاصة من شيوخ النفط ربما لانع عاش وعمل معهم في الكويت وكان محقا في تحسسه وتخوفه وريبته منهم فقد ساعدوا في اغتياله ... نقلوه من عمله في الكويت الى لندن حتى تتمكن مخابرات عرفات من الاستفراد به ... فقتلوه .

كان ناجي العلي قد قضى اول يومين في تماس مباشر مع الشيخ احمد وخلال فترة المعرض كان الشيخ الشاب على راس الحضور وكان من الواضح ان ناجي العلي قد بدأ بخبرته وعينه الثاقبة بتكوين فكرة عن هذات الشيخ وكنت احرص على عدم الاشارة الى الشيخ او مجرد استمزاج رأي ناجي العلي بالرجل .... لكنني فعلتها في اخر ليلة وقبل سفر ناجي العلي ... كنا وحدنا في السيارة ... سألته : ما رأيك بالشيخ أحمد ؟ فرد بتلقائية وكأنه يتوقع السؤال : أنظف شيخ التقيت به في الخليج .

هذه واقعة ... أما الواقعة الثانية فتتعلق بي شخصيا ... ففي عام 83 قرأت في جريدة البيان مقالا لشيخ من القواسم اسمه سالم القاسمي ... وعلى الفور تذكرت اني قرأت المقال من قبل في احد الكتب الصادرة في البحرين وخلال دقائق عثرت على الكتاب الذي سرق منه تالشيخ مقاله ... الشيخ لم ينقل سطرا او سطرين ... فقرة أو فقرتين ... بل نقل الفصل بأكمله وذيله بتوقيعه واسمه ونشره فب الجريدة ... والتزاما بالامانة والواجب قمت بالكتابة عن السرقة فجن جنون الشيخ الحرامي وكان يومها يعمل في الدائرة الثقافية التي يرأسها الشيخ أحمد ... رفع الشيخ الحرامي سماعة الهاتف على مسمع من الموظفين واتصل بي مهددا بالقتل ... وسرعان ما علم الشيخ احمد من موظفيه بالواقعة ... وخلال 24 ساعة كان الامر مرفوعا الى حاكم الشارقة الشيخ سلطان وتم طرد الشيخ الحرامي من العمل ومن الامارة ايضا .
كان الامر مثيرا ولافتا للنظر بخاصة واني لم اتقدم بشكوى ضد الشيخ ... ولم اعرف بالاجراء الذي اتخذ ضد الشيخ الحرامي بسبب تهديداته لي الا بعد ايام وكان الامر مفاجئا لي بخاصة واني عاشرت من قبل شيوخا اصغر عمرا واقل قدرا .... الشيخ حمد بن طحنون ال نهيان على سبيل المثال ... قام وهو في الصف الثاني الاعدادي بارسال حراسه الى منزل مدير مدرسته ... جرجروه الى منزل الشي الولد ... وجلدوه امام الشيخ .

من هنا رجوت زميلي زهير جبر ان يعيد نشر الحوار مع الشيخ احمد القاسمي الذي تقاعد عن العمل منذ سنوات فهو رجل جدير بالاحترام والتقدير .

الشيخ أحمد هو رئيس ومؤسس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة ... ان تاريخنا الشخصي كجزء من فرديتنا ومسيرتنا مع الجماعة هوبصمة مشابهة تماماً لبصمات الأصابع التي تمايزنا عن كل كائن اي كائن بشري ولا تتوفر لنا فرصة تغييرها على اساس انها خارطتنا المرسومة فينا مع العمر.

يحدث ان تنسى الأيام وننسى نحن ايضا في خضم مفاصل الاحداث التي تتزاحم علينا وتزاحمنا مع الجري المتواصل لحاقا بقطار الحياة شيئا من الملامح او نشاء منها ذلك، فنظن اننا قابلين للغرق في لجة النسيان الجماعي. وبين القدرة وعدمها، تبزغ الذاكرة كآلية حيوية تعيد انجازات الماضي وسقطاته وعثراته امام الأعين، وتمنينا لو نحاور جانبا من هذه الذاكرة لدى الشيخ احمد بن محمد القاسمي سعيا لإزالة الغبار عن مرحلة مضت واعادة احياء بعض الوجوه التي غابت عن صفحات الجرائد، الا انه ابى الا ان يستمر في نسج شرنقته مقصياً نفسه عن الصورة التي حاكها على امتداد ما يقارب عقد من الزمن.

يعتبر الشيخ أحمد مؤسس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة التي احتفلت بمرور تسع عشرة سنة على ظهورها في 30 ابريل الفائت، حيث شغل منصب الرئيس منذ التاريخ المذكور حتى اوائل التسعينيات. بطاقته الشخصية تقول انه احد أبناء الشيخ محمد بن سلطان القاسمي الذي كان وزيرا للاشغال في دولة الامارات العربية المتحدة، أخوه سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي العهد نائب حاكم الشارقة.

له اربع اخوات بينهن الشيخة جواهر حرم صاحب السمو حاكم الشارقة والشيخة جميلة مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الانسانية.

اكمل تعليمه وحصل على اجازته في ادارة الاعمال من جامعات بريطانيا، وقد قفل عائدا الى الامارات عقب وفاة والده اذ عمل في الميدان التجاري وأدار اعمال العائلة قبل ان يتربع على رأس الدائرة التي اشهرت بمرسوم اميري حمل الرقم 20 في العام 1981.

وفي اطلالة بسيطة على الوضع انذاك، لا ينكر المتابع ان البدايات حينها تزامنت مع شيوع اجواء ومناخات مشجعة ومحمسة على المستوى العربي والخليجي والاماراتي نتيجة الظروف المحيطة التي نمت فيها افكار ورؤى وتطلعات مازال الجميع يتحسر عليها. وكانت وزارة الاعلام والثقافة في أبوظبي تنهض بمهام ثقافية اتحادية ضخمة، في حين عاشت المنطقة في ازهى وأبهى فترات تفتحها وازدهارها سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. وجاءت الدائرة لتتكامل مع المؤسسات الموجودة في الامارة في ظل الشعار الذي رفعه حاكمها "كفانا من ثورة الكونكريت ولنتحول الى بناء الانسان".

وليس بعيدا عن هذا الجو نشطت الحركة الاعلامية ووسائلها المكتوبة بالتحديد، فواكبت النهوض الثقافي عبر صفحاتها وملاحقها المشهود لها في تكفل أعباء الصحافة ببعديها الوطني والقومي، ونذكر "الخليج" و"البيان" و"الاتحاد" و"الفجر".

قبل ان يكون في موقع المسئولية، عرف عن الشيخ أحمد شخصية مثقفة وقارئة بامتياز ومتابعة للجديد والحديث، ولعل اهم ما يعلق في أذهان الذين عاصروه ميزة كونه قائد فريق ممتاز، هادئاً ورصيناً، متقد الذكاء، له موقفه الثقافي الخاص الذي جعله يحمل هما حقيقياً قاده من الدرب التجاري الى آفاق رحبة من الحرص على فتح المجال لكل الرياح كي تهب على الفرد بشكل سوي ومتوازن.

وكان الجانب الشخصي يتراءى للجميع في تواضعه الذي كسر الحواجز والعوائق التي تكثر عادة في التعامل مع ذوي القرار والمراكز لدى استفحال الشكل الهرمي للسلطة ويحسب للشيخ أحمد أنه أحضر كل الاسماء الكبيرة في الوطن العربي لتقول كلمتها، هي التي خرجت من عباءة تركيبة ثقافية او سياسية او اجتماعية جريئة ومخالفة وصاحبة رأي اخر.

كان الشيخ احمد يؤمن بدور الجماعة في العمل الثقافي وساعد على نضوج ميله هذا حماسة العاملين معه والايمان الفعلي بالتطوع والقناعة بجدوى ما يمكنه تحقيقه والقيام به.

وصادفت تلك الفترة طفرة قوية من الجمعيات ذات النفع العام، وكان لديه عمل تنفيذي في اطار الدائرة فأسهم في خلق مجتمع مدني متمثل في جمعيات واندية وعلائق ووشائج ربطت ما بين المؤسسات الثقافية.

وعودة الى الوراء نقول ان الثمانينيات كانت البواكير بالنسبة لمشروع الشارقة الثقافي وظلت مسألة بناء الفرد هي الهاجس الاول، وكثرت التساؤلات حول المحلي والاتحادي الى ان اكدت سياسة الدائرة التكامل مع المشروع الاتحادي الاستراتيجي والذي تبدى من خلال البنى الاساسية للثقافة.

وتضيف المعلومات الملموسة ان الشيخ احمد توصل الى تشكيل مؤسسة فعلية لها رؤيتها الخاصة ولا تعتمد على مزاجية واهواء الافراد، وبهذا يمكن ان نطلق عليها تجربة مؤسساتية، وربما مهد له في هذه الناحية توافقه الفكري مع صاحب السمو حاكم الشارقة حيث الاتجاه واحد والاهداف متقاطعة. لقد اشتغل بمنطق التأسيس وتوجه اكثر نحو سياسة المشاريع وليس المصادفات، ومن تركته التي تم الارتقاء بها والاضافة عليها والتجويد لأنها تخطت مراحل الجنينية، معرض الشارقة للكتاب الذي اكتسب منذ عامين مسماه الدولي ويتحضر للدورة الثامنة عشرة في شهر نوفمبر المقبل، وايام الشارقة المسرحية التي تعد تظاهرة تستقطب حوالي 15 فرقة محلية تتنافس على عدة مستويات من النص الى الاخراج والتمثيل والديكور، ومهرجان ثقافة الطفل الذي وصل عدد دوراته المنعقدة الى 15 دورة، اضافة الى المواسم الثقافية والمهرجانات الوطنية والانفتاح على انحاء الوطن العربي من خلال المؤتمرات والتجمعات التي تخلق بنى ثقافية تتشكل تدريجيا عبر تفاعل المجتمع وتبنيه له.
وفي فترة وجوده نشطت التوجهات لاحياء المباني القديمة والتراثية والترميم، وكل ما يساق في هذا الاطار لا يجوز اقصاؤه عن الحالة العامة حيث ان سنوات الثمانينيات كانت موائمة للتغيرات والسير نحو ما يتوفر في هذه الايام، ونذكر هنا ان دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة هي اقدم مؤسسة ثقافية حكومية في الامارات ولدت في الديوان الاميري ثم تحولت الى شقة في شارع البنوك قبل ان تستقل في مبنى ضخم يقع حاليا قرب دوار الكتاب، وقد تطورت حكاية العلاقات الثقافية مع الدوائر في مختلف الامارات فيما تكاسلت وزارة الثقافة والاعلام في اواخر الثمانينيات.

وبعد ان ابتعد الشيخ احمد عن الدائرة، اصدر صاحب السمو حاكم الشارقة مرسوما اميريا بتاريخ 27/4/1994 يقضي بانشاء مجلس الشارقة لتنمية الفنون والآداب في الامارة على ان يتسلمه الشيخ احمد، الا ان شيئا من ذلك لم يحصل، فلم ير المجلس النور بعد كل تلك السنوات رغم انه تضمن عشر مواد، كانت الغاية من ورائها اعطاء الجهات الثقافية استقلاليتها مع ضرورة التخطيط المركزي، وفيما طوى النسيان المجلس لم يولد عنه سوى المجلس الاعلى للطفولة الذي حمل على عاتقه ما يخص هذه الفئة العمرية بعدما كان يتولاها جهاز خاص في الدائرة تم تأسيسه في العام 1987.

لقد كانت الدائرة اشبه بخلية نحل تتعامل مع الوسط الثقافي والاجتماعي من المحيط الى الخليج بفعالية وصلات قوية ومتينة. وكانت تدرس المشروعات جديا وبتمهل قبل المباشرة بها، حتى انها كانت تحدد الاولويات بناء على ثلاثة تقسيمات هي الفعاليات الكبرى والمتوسطة والصغرى.

وقد اثر الشيخ احمد كثيرا على سمعة الدائرة التي احتفظت بسعة صدرها وانفتاحها، لكن الجذوة الثقافية استمرت مع خروجه ومحاولة الحاكم ايجاد بدلاء تتكامل بهم المسيرة، ونشير الى ان رئاسة هذه المؤسسة تعاقب عليها على التوالي الراحل الشيخ محمد بن خالد القاسمي والشيخ عصام بن صقر القاسمي الذي لايزال على رأس مهامه.

لقد نأى الشيخ احمد القاسمي عن كل الضجة وهو متفرغ الان لأعماله الخاصة متزوج من سمو الشيخة عزة بنت محمد القاسمي وله منها خمسة اولاد.

وان كنا قد خصيناه في هذه الزاوية بتحية، فعلى الدائرة ان تكرمه بما يفوق مجرد تحية ولعل الذكرى العشرون التي ستمر عليها في ابريل العام المقبل، تكون مناسبة لمثل هذه الخطوة، وفرصة جريئة للنظر الى الوراء والتقييم واعادة التقييم في وقت تترهل فيه انشطة اختلط كبيرها بوسطها بصغيرها فاختل ميزان المعايير، مع ان القبعة مازالت ترفع لهذه المؤسسة في فعاليات عديدة لم تصب بفيروس التكرار واللاتجديد وبيروقراطية الاداء. فهل يكون صمت الشيخ احمد نوعا من الاحباط على خلفية المشهد الذي شاءه مغايرا، ام تعب من صعوبات البداية، ام مجرد راحة وابتعاد عن اجواء ما عاد ينشدّ لها؟ ربما تكون مزيجا من كل ذلك او رغبة في الهدوء والسلام فقط. وتبقى الاسئلة مفتوحة.