الفحول الثلاثة
انحرافات شكل تاني

مقال أسامة فوزي المنشور كموضوع غلاف لمجلة سوراقيا العدد رقم 275 الصادر بتاريخ 21 نوفمبر عام 1988

 

هناك مثل شائع يتداوله أهل الشرق القديم يقول : "عندما يذوب الثلج يبان المرج" على حقيقته بما فيها من جميل وقبيح وينطبق هذا المثل فى الوقت الراهن على أمور كثيرة مما يجرى فى العالم العربى الواسع فالثلوج التي بدأت تذوب كثيرة والمروج التي بدأت تظهر أكر لكن المثير فى ذلك هو المروج التي بدأت تظهر لا يبان منها سوى الوجه القبيح وهذا أمر منطقى فى منطقة من العالم تعيش منذ عقود على الغش السياسى والخداع الاجتماعى والكذب العام والخاص وفى هذا المعنى جاء كتاب "الفنانة" المصرية اعتماد خورشيد "شاهدة على انحرافات صلاح نصر" رجل المخابرات الناصرية الذى تحكم بالأرزاق والأعناق ردحا من الزمن الذى قضاه جمال عبد الناصر على راس الهرم المصرى فى الكتاب تعبت اعتماد خورشيد كثيرا لكى تثبت أنها كانت "ملاكا" يتحرك فى عالم الشياطين و "نعجة" وقعت بين أنياب ذئب كاسر لكنها لم تنجح ليس لأن الآخرين لم يكونوا شياطين أو ذئابا بل لأن براءة الذمة التي قدمتها كانت شاهد إثبات ضدها لا معها لأن الكتاب الذى صورت فيه انحرافات صلاح نصر، وهي انحرافات تأذى منها كثيرون وليس "مدام" اعتماد وحدها رسم أيضا صورة أكيدة عن انحرافات صاحبته وكثير من "الذئاب" الذين بنت معهم شبكة من العلاقات "الحميمة" غير أنها صورة من نوع آخر لم تتوسع فها كثراً اعتماد خورشيد.
مع أن كتاب اعتماد خورشيد "شاهدة على انحرافات صلاح نصر" الذى طبع ست مرات خلال ثلاثة أشهر حقق لصاحبته ولدار النشر والتوزيع ربحاً يزيد عما حققه أي كتاب مصرى آخر ومع أنه شغل الدنيا والناس وعرضته الصحف بالتفصيل الممل ووصفه حسنى مبارك بأنه أسوأ كتاب ظهر فى مصر مع كل ذلك فإن أحدا من الذين عرضوه أو ناقشوه أو نقدوه لم يتوقف عند خمس صفحات من الكتاب (الطبعة الرابعة) هي الصفحات 285 ، 286 ، 287 ، 288 ، 289.
وهذه الصفحات من أخطر ما ورد فى الكتاب، لأنها تكشف عن جانب لم تتوسع فى شرحه اعتماد خورشيد ولم تتطرق إليه رغم أهمية الجهات التي ردت عليها وهو دور المخابرات المصرية فى استقطاب الطلبة الخليجيين من خلال بنات الهوى وإعداد هؤلاء لأدوار وظيفية سيقومون بها فيما بعد عندما يتولون فى بلادهم مراكز قيادية حساسة كالتى تولاها أبطال الصفحات الخمس المذكورة وهم:
· عبد الله النويس / وكيل وزارة الإعلام فى الإمارات ورئيس جريدة الاتحاد.
· أحمد خليفة السويدى / وزير الخارجية السابق والمستشار الخاص لرئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
· راشد عبد الله / وزير دولة للشؤون الخارجية فى الإمارات.
· سلطان بن غنوم الهاملى / الأمين العام للمجلس التنفيذي فى (أبو ظبى) وأحد الأثرياء فى الإمارة.
تقول اعتماد خورشيد تحت عنوان (أيام النجاح) : التقيت فى بيروت بالصديق راشد بن عبد الله وهو ضمن ثلاثة أصدقاء كانوا على علاقة حميمة معنا فترة دراستهم فى مصر وهم عبد الله النوس وأحمد خليفة السويدى وسألنى راشد عن مشروعاتى فى بيروت وحياتى بعد خروجى من مصر ودعانا أنا والهامى خورشيد لزيارة أبو ظبى بدعوى من وزارة الإعلام وإلتقيت والأصدقاء الثلاثة هناك وقدم عبد الله النويس المساعدة الصادقة لإلهامى فرصة كبيرة فى التليفزيون هناك وبدأت علاقاتى مع أبو ظبى عن طريق الأصدقاء الثلاثة (…) وبدأت أ‘مل مستشارة للمشاريع الاقتصادية لأبو ظبى ودبى (…) كان مجتمعى يضم الوزراء ورجال الأعمال والسفراء وتحولت إلى سيدة أعمال على اتصال بكافة كبار الاقتصاديين فى المنطقة.
لا نريد بادئ ذي بدء أن نناقش ما ورد فى كتاب اعتماد خورشيد بخصوص علاقتها مع صلاح نصر فالصحافة المصرية فضلا عن العربية "كفت ووفت".
· فصلاح منتصر رئيس تحرير مجلة "أكتوبر" ذكر أن إدعاء اعتماد خورشيد إنها عُذبت فى (الغلاية) مشهد مقتبس من إحدى روايات ديستوفسكى.
· وصبرى أبو المجد، شكك بروايتها القائلة أنها التقيت بعبد الناصر فشكت له وشكا لها.
· أما محمد الحيوان (هذا اسمه) فقد وصف المذكورة فى مقال نشرته صحيفة "الجمهورية" المصرية بأنها "ايفا" المصرية.
· أما محمود السعدنى فطالب من على صفحات "المصور" بالتحقيق مع صاحبة الكتاب عن طريق مؤسسة الرئاسة.
· وختمها عبد الله إمام – فى روز اليوسف العدد رقم 3149 الصادر فى 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضى بتكذيب روايات اعتماد خورشيد جمله وتفصيلا من خلال نشر وقائع التحقيق معها التي تمت يوم الاثنين 4 / 3 / 1968 فى مبنى مجلس قيادة الثورة أمام سمير ناجى رئيس النيابة وملخص ما نشرته روز اليوسف هو كالآتي :
أولاً: أن اعتماد خورشيد كانت عشيقة لصلاح نصر بمعرفة زوجها المصور السينمائى أحمد خورشيد وبرضاه وبتشجيعه.
ثانياً: إلى جانب ذلك كانت – مع زوجها – تؤمن (البنات) لصلاح نصر فى غرف خاصة بمعمل تحميض الأفلام الذى تمتلكه وقد شرحت – فى كتابها – كيف يتم توظيف البنات لاجتذاب الشبان – وخصوصا العب – وتسخيرهم لخدمة المخابرات بعد أن يتم تصويرهم فى أوضاع مشينة ويتم تهديدهم بها.
ثالثاً: أن اعتماد خورشيد وسعت من دائرة عشاقها حيث قبلت أن تعمل مع الراقصة"ريرى" حين كانت تلتقى بالزبائن فى إحدى الشقق المفروشة بمصر الجديدة مقابل (100) جنية مصرى.
نريد من هذا السرد والتلخيص أن نصل إلى أن سيدة مجتمع أو صاحبة فكر أو حاملة قلم يبرر للأربعة المذكورين صداقتهم (الحميمة) معها كما أنها لم تكن صاحبة صالون أدبى يحُج إليه – مثل صالون مى زيادة – ولا نظن أن سعى الطلبة الأربعة إليها – أو سعيها إليهم – يمكن أن يُفهم بغير ما فهمناه.
وبغض النظر عما ادعته (اعتماد خورشيد) فى كتابها مما لم يرد ذكره فى محاضر التحقيق مها من أنها التقت بعبد الناصر فى منزله فطارحها الهموم وطارحته أو ما ذكرته من اطلاعها الواسع على نشاطات صلاح نصر فى أوساط الطالبات الجامعيات اللواتى يتم اغتصابهن ثم يوظفن لأداء خدمات جليلة للوطن منها – طبعا – تلقيط الطلبة الخليجيين والعمل بينهم.
بغض النظر عن هذا وعن ذاك فإن ورود أسماء الإماراتيين الأربعة فى مذكراتها الفضائحيه واعترافها أنها كانت قبل عام 1967 على صداقة (حميمة) معهم وكانوا يومها – طبعاً – طلبة على مقاعد الدراسة يتفجرون شباباً ومالاً وسماراً وفحولة كل ذلك يدعونا إلى محاولة فهم كنه هذه الصداقة (الحميمة) حسبما وصفتها اعتماد فى كتابها الذى ذاع صيته.
لا نريد أن نقول أن الفحول الأربعة – لا سمح الله – كانوا زبائن اعتماد وإنما أردنا فقط أن نتوصل إلى حل للغز هذه العلاقة الحميمة بين طلبة خليجيين فى عز الشباب وبين "سيدة" مثل اعتماد وذلك باستنتاج أن الطلبة المذكورين كانوا – آنذاك – ضمن أهداف صلاح نصر الذى رأى أن هؤلاء القادمين من الصحراء التي تتفجر نفطا وثروة سيتولون فى قادمات الأيام مراكز قيادية فى بلادهم وهذا ما حدث بالفعل بعد أقل من عشر سنوات من هزيمة حزيران (يونيو) بالرغم من علمهم بالفضيحة التي ارتبطت بها وبالمهنة التي احترفتها ومن المؤكد أن استقبالهم لها لم يكن استقبال من يريد أن يستر (عرضا) بدليل أنهم أعطوها – كما تقول فى كتابها – مركزا وجعلوا منها مستشارة اقتصادية فى الدولة وسلموا ابنها المدلل (الهامى) مركزاً كبيراً فى التليفزيون.
ولعل الصداقة (الحميمة) التي ربطت الفحول المشار إليهم باعتماد خورشيد تفسر جانبا من أسرار صعود نجم كل واحد منهم فى عالم المال والأعمال والساسة والسياسيين فالذين عرفوا عبد الله النويس أيام الدراسة قالوا أنه على فحولته وسماره عادي الموهبة محدود القدرات فيه شئ من بلاده الصحراء وضيق أفق البداوة لكن كل ذلك لم يمنع زميلته المصرية عبلة من أن تهيم به حبا فتلقى حوله شباكها فتتزوجه وتعود معه إلى أبو ظبى فتصبح صانعة قرار فى مجلس الشيخة فاطمة زوجة رئيس الدولة فحاكمة بأمرها فى وزارة الإعلام.
ولأننا لا نريد أن نذهب بعيداً فى الظن الذى بعضه اثم فإننا سنطرد فكرة أن عبلة ربما كانت من جامعة صلاح نصر اللواتى أشارت إليهن اعتماد فى كتابها لنأخذ بالاحتمال الثاني الأكثر رومانسية والقائل أن عبله قد عجمت أعواد طلبة الجامعة آنذاك فما وجدت فتى أحلامها غلا فى عبد الله القادم من صحراء أبو ظبى الفحل الأسر الذى وإن اتهم بالبلادة من قبل الخصوم رما إلا أنه وبشهادة الجميع فحل أسمر وسيم مغناج مطعاج.
ما فعلته السمراء عبلة وزوجها وكيل وزارة إعلام الإمارات خلال عشر سنوات فقط فى تلك البلاد الصحراوية كثير، ومنه الآتي :
أولاً: أوعزا إلى تليفزيون أبو ظبى أن ينقل على الهواء مباشرة وقائع زيارة السادات للقدس وكان بذلك المحطة التليفزيونية الثالثة بعد تليفزيون "إسرائيل" وتليفزيون القاهرة التي تنقل تفاصيل الخيانة على الهواء.
ثانياً – عزلا رئيس تحرير جريدة "الاتحاد" الظبوية الحكومية – خالد محمد أحمد – مصادرين بذلك توجهاته الوطنية والعروبية وغنى عن الذكر أن وكيل الوزارة نفسه أصبح رئيساً للتحرير وظلت زوجته السمراء رئيسة لتحرير مجلة "زهرة الخليج" أيضاً.
ثالثاً: لم يتركا صحافيا خاملا فى مصر أو مرتبطاً بـ "كامب ديفيد" إلا وعيناه فى أجهزة إعلام الإمارات برواتب مغرية وبصلاحيات واسعة لا حدود لها.
رابعاً : أفسحا المجال أمام رموز "كامب ديفيد" الصحافية والثقافية كي يحتلوا مساحات واسعة واسبوعية فى صفحات الجريدة الرسمية للدولة وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم البحراوى محرر صفحة الاسرائيليات فى جريدة "الأخبار" المصرية ورئيس الأدب العبرى بجامعة القاهرة والدكتور زكى نجيب محمود أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة سابقاً وكان هذا قد لبى دعوى اسحق نافون رئيس الكيان الصهيونى فى خلال زيارته للقاهرة واجتمع به وحاوره فى قصر عابدين حول واقع ومستقبل العلاقات المصرية الاسرائيلية طبقاً لمعاهدة الصلح المبرمة وقد رفض "النويسان" التوف عن النشر للمذكورين حتى بعد أن زودهما كاتب هذا المقال بصورة ملف كانت قد أعدته مجلة "الوطن العربى" ونشرته فى عددها رقم 207 وهو خاص بأسماء السياسيين والكتاب والصحافيين الذين أيدوا "كامب ديفيد" أو اتصلوا بـ "إسرائيل".
السيرة الشخصية لأحمد خليفة السويدى – الفحل الثاني فى قائمة الأصدقاء الحميمين لاعتماد خورشيد – ليس فيها ما يدعو للشك فالرجل عُرف بالاعتدال وحسن المعاشرة منذ أن قربه رئيس الدولة الشيخ زايد ومنحه وزارة الخارجية ليبنى شبكة من السفارات وليصبح بعد أن أطاح به شيوخ دبى الممثل الشخصى لزايد ومستشاره الخاص ورفيقه فى الحل والترحال لكن سر صداقته الحميمة باعتماد ما زال يحيرنا وقد نجد جوابه عند اعتماد نفسها أو لعله يبادر إلى توضيح هذا السر منعا للقال والقيل.
أما الفحل الثالث راشد عبد الله وزير الدولة الحالى للشئون الخارجية والرجل الذى نسبت إليه اعتماد فكرة دعوتها إلى أبو ظبى بعد أن التقاها فى بيروت فقصته جديرة بأن تروى فهذا الشاب الأسمر القادم من عجمان كان – أيام دراسته فى القاهرة وصداقته الحميمة مع اعتماد – يهوى كتابه قصص الجنس وقد تلقفته مؤسسة "أخبار اليوم" ربما من خلال اعتماد – فنشرت له رواية بعنوان (شاهندة) وفيها من أحاديث الجنس والاغتصاب والهوى ما يكفل ليسيل لعاب اعتماد وغير اعتماد من العاملين فى هذا المجال ونكتفى بهذه الإشارة لنفسر سر الصداقة الحميمة التي ربطت آنذاك بين هذا الطالب الخليجى الأسمر عشيقه مدير مخابرات عبد الناصر.
لا نريد بعد هذا أن نبحث فى أسس الصداقة الحميمة الرابعة التي ربطت بين المليونير الإماراتى سلطان بن غنوم الهاملى وبين اعتماد فقد ضمنت المذكورة كتابها صورة لسلطان مع ابنتها نيفين ذاكرة أنه تزوج بها على سنة الله ورسوله يوم كان أميناً عاماً للمجلس التنفيذي فى أبو ظبى ولم يرد فى كتاب اعتماد ما يفيد أن الزواج ما زال قائما ولا ندرى أن كان الهاملى قد وافق على نشر صورته فى كتاب من هذا النوع تكشف فيه حماته جانباً من تاريخها "المشرف" الذى أنهته مستشارة اقتصادية فى أبو ظبى وهو تاريخ نعتقد أنه لا يشرف نسيباً أو قريباً أو حبيباً حتي ولو كان هاملا مثل سلطان غنوم أمين عام أهم وأخطر مجلس فى إمارة أبو ظبى.