محفوظ … العبرانى !!

مقال أسامة فوزي المنشور في العدد 272 من مجلة سوراقيا الصادرة في 31 اكتوبر عام 1988

 

إذا صح ما ذكرته مجلة "روز اليوسف" القاهرية فى عددها الأخير (رقم 3149 ص 62) من أن جائزة نوبل للآداب قد أعطيت لنجيب محفوظ عن روايته (أولاد حارتنا) التي نشرت مسلسلة فى الأهرام عام 1959 ولكن الأزهر حال دون صدورها فى كتاب لأنها تدعو إلى ما يسمى بحوار الأديان. والطبعة الموجودة الآن بيروتية ولم تدخل القاهرة إلا فى عهد السادات.
إذا صح (زعم) روز اليوسف وهو زعيم نسبته إلى (أحد الباحثين السويديين). تكون "إسرائيل" هي التي فازت بالجائزة إذن وهي التي نجحت فى اختراق الوجدان الإبداعى لهذا الكاتب منذ عام 1959 هي صاحبة الفضل فى نقل (إبداع) نجيب محفوظ إلى العالم الخارجى ومن ثم إلى اللجنة السويدية المكلفة بمنح الجوائز تماماً كما حدث لبوريس باسترناك السوفياتي عام 1958.
هناك أوجه شبه بين منح باسترناك الجائزة عام 1958 ومنحها لنجيب محفوظ قبل أيام فالجائزة أعطيت لبوريس باسترناك عن إحدي أضعف رواياته (الدكتور زيفاكو) التي دك فيها بسترناك الأعمدة الثابتة للثورة فى بلاده ، مترحما على أيام القياصرة وقد منعت الرواية من النشر فى روسية فهربها إلى إيطالية حيث نشرتها دار "فلترفيللى" فى ميلانو باللغة الإيطالية وسرعان ما ترجمت إلى الانكليزية فالفرنسية وغيرهما من اللغات قبل أن تتلقفها الأكاديمية السويدية لأسباب سياسية بحتة وتمنحا جائزة نوبل للآداب.
والجائزة – اليوم – تمنح لنجيب محفوظ عن إحدى أضعف رواياته (أولاد حارتنا) التي اعتبرت عام 1959 محاولة فلسفية للدفاع عن الطائفة اليهودية أمام بطش عبد الناصر، بعد أن تسللت المخابرات الاسرائيلية إلى عناصر هذه الطائفة فى القاهرة فوظفتها للقيام بحملة تفجيرات وهي حكاية ترويها بالتفصيل لحسن الحظ الحلقات الأولى من مسلسل (رأفت الهجان) وأمام هجوم الأزهر على الرواية ثم تهريبها إلى بيروت حيث صدرت هناك وظلت ممنوع من الدخول حتي عهد أنور السادات.
فى صيف عام 1985 وفى ندوة عامة أقيمت تحت رعاية الشيخ سلطان القاسمى حاكم الشارقة سألت يوسف إدريس – على مسمع من الشيخ – عن دوره فى تأييد "كامب ديفيد" والسر فى تهالك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ على تأييد خطوات السادات الاستسلامية فقال يوسف إدريس بالنص وتصريحاته منشورة فى الصحف ومحفوظة لدي الدائرة الثقافية فى الشارقة – قال "لعل هؤلاء بادروا إلى تأييد" كامب ديفيد" بدافع ذاتى طمعا بالحصول على جائزة نوبل للآداب".
وفى يوم الأربعاء 6/6/1979 نشرت لى جريدة الفجر الظبيانية مقالة ضمن سلسلة مقالات عن الفكر السياسى للكتاب المصريين تطرقت فيها إلى موقف نجيب محفوظ وطمعه بجائزة نوبل للآداب من خلال استعراض فضيحة مراسلاته مع الناقد الاسرائيلي ساسون سوميخ – وهو جنرال احتياط – والرسائل تلك كشفت عنها صحيفة "جيراوزاليم بوست" الاسرائيلية ونشرت صوراً زنكوغرافية عنها بخط نجيب محفوظ يعترف بها قبل أن تنشرها الصحف الإسرائيلية.
فى رسالته تلك قال محفوظ لسوميخ أنت أفضل ناقد درس أدب نجيب محفوظ وفى لقاء نشرته فى الفترة نفسها مجلة "الدوحة" القطرية تغزل يوسف إدريس بالناقد الاسرائيلي سوميخ واعتبره فى مقالاته عن الكتاب المصرين – يفضل نقاد العربية قاطبة.
توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس فى تهالكهم على الجائزة كانوا يظنون أن الوصول إليها لن يتم إلا عبر "إسرائيل" لما للصهيونية العالمية من نفوذ على الأكاديمية السويدية التي تمنح الجائزة لذا تبارى الثلاثة فى تأييد خطوات السادات الاستسلامية وتباروا فى التهليل للتطبيع الثقافى مع "إسرائيل" وتباروا فى الغزل العلنى والسرى مع كتاب ونقاد من "إسرائيل" واضطروا تحقيقا لذلك إلى التنكر لكل المفاهيم والقيم الأدبية والفكرية والقومية.
توفيق الحكيم كان "مختار" و "عمدة" الساقطين دون منازع وكتابه "عودة الوعى" الذى لم يزد عن 75 صفحة من القطع الصغير تقاضى عنه عشرة آلاف دولار كما يقول الصحافى المصرى عبد الله إمام ونشرت الصحف العالمية آنذاك أن سفارتين توزعان هذا الكتاب فى العالم هما سفارة مصر وسفارة "إسرائيل" ويبدو أن عين توفيق الحكيم كانت على الجائزة عندما بعث ببرقية الشهيرة إلى السادات عقب زيارته القدس والتي جاء فيها بالنص "تحية لموقفكم الراسخ أمام الأقزام … لقد أفزعهم الصلح بين الفئتين المتحضرتين إلى الأمام نحو الكرامة والحضارة وخطوة من المتحضرين نقابلها بخطوتين.
وما نراه بعد هذا أن منح جائزة نوبل لنجيب محفوظ عن رواية "أولاد حارتنا" فيه امتهان لنجيب محفوظ نفسه وسيدخل محفوظ التاريخ من أوسع أبوابه لو يرفض الجائزة كما فعل برنارد شو فرواية "أولاد حارتنا" هي الحلقة الأضعف فى الهرم الروائى الذى بناه نجيب محفوظ منذ وضع "كفاح طيبة" عام 1936 وحتي روايته "قشتمر" التي ينشرها مسلسلة فى الأهرام هذه الأيام.
ففي عام 1939 ومع ظهور روايته "القاهرة الجديدة" بدأ نجيب محفوظ يرسم خطأ بيانيا يكشف عن تطور الوجدان القومى والفكرى لمصر منذ بداية القرن العشرين حتي سنوات الحرب العالمية الثانية وتندرج روايات هذه المرحلة كلها فى هذا الإطار ففى عام 1945 وضع "خان الخليلى" واتبعها بعد عام برواية "زقاق المدق" ثم "بداية ونهاية" ثم "السراب" قبل أن ينسج رائعته "الثلاثية" التي تضم بين القصرين وقصر الشوق والسكرية التي فرغ من كتابتها فى نيسان (أبريل) سنة 1952 قبل أيام من ثورة 23 تموز (يوليو) ورأي فيها النقاد أرهاصا بالثورة ونبؤة بالتحرر والانعتاق من الملكية والاقطاع.
هذه الروايات – على عظمتها – لم تلفت أنظار النقاد الصهاينة ولجان التحكيم السويدية ولم يرد ذكرها فى لائحة المسوغات التي جعلت الأكاديمية تختار نجيب محفوظ دون سواه لهذا الشرف العظيم ذلك أن النقاد الصهاينة يرون أن ولادة نجيب محفوظ الحقيقية بدأت بعد ذلك بسبع سنوات يوم وضع "أولاد حارتنا" فى وقت كان فيه يهود مصر يفجرون مرافقها العامة ومع أن بعض النقاد سوغوا السلسلة الفنية والمضمونية لمحفوظ بالقول أن "أولاد حارتنا" جاءت بمثابة مرحلة جديدة وصفوها بالمرحلة الفلسفية فى مسيرة محفوظ الروائية إلا أنهم عجزوا عن تفسير تدنى وهبوط هذه المرحلة التي ضمت أيضاً اللص مماثل لحركة الأديان الكبرى سواء فى التوالى التاريخى أو توزيع الأشخاص أو المواقف أو الحوار .
جائزة نوبل فى كل الأحوال ليست قمة الأدب بالنسبة إلى الكاتب الحقيقيين والمتتبع لتاريخ هذه الجائزة منذ بدأت تمنح عام 1901 وحتي اليوم سيلحظ الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول ظروف وملابسات منحها.
ففى عام 1907 منحت الجائزة للشاعر الانكليزي الملقب بشاعر الاستعمار البريطانى الأكبر رديارد كبلنغ مع أنه من المفروض ألا ينالها إلا من يقدمون خدمة عظيمة للسلام وخير البشرية كما تنص على ذلك وصية مؤسس الجائزة وأين كبلنغ من ذلك.
وفى عام 1953 مُنحت الجائزة لونستون تشرشل الذى ارتبط اسمه بالدمار والخراب فى الحرب العالمية الثانية، والذى اشتهر كسياسي وليس كأديب 1967 منحت لليهوديين أغنون وساخس وبعد ذلك منحت بدون وجه حق لليهودى الأميركانى سول بيلو ويوسف عجلون الاسرائيلي مما يعني أن منحها لنجيب محفوظ لا يعتبر تكريما لأدبه وإنما جاء تكريسا لنهج "كامب ديفيد" وإرضاء للصهيونية العالمية ونقادها وتشجيعا للكتاب العرب على مزيد من التساقط الذى يقوم إلى ستوكهولم.
ما نخشاه الآن أن يدخل الكتاب العرب فى سباق مراثون لنيل رضى النقاد الإسرائيليين الذين يمتلكون مفاتيح الجائزة والذين يرهنوا على ذلك عملياً بمنحها لروائى عربى كان سيظل عظيما لو لم يبدأ رحلة السقوط إلى الهاوية عام 1959 ليصل إلى القاع فى صيف عام 19787 وهو الصف الذى شهد انفتاح محفوظ على الصهيونى الإسرائيلي (ساسون سوميخ) فى رسالته المشار إليها وهو الانفتاح الذى توجه بمنح نجيب محفوظ الجائزة.

نص رسالة محفوظ
إلى ساسون سوميخ
الأستاذ سامسون سوميخ
إليك صادق تحياتى وشكرى وبعد
فقد أطلعت على ر سالتك بسرور صادق، إعرابا عما أكنه لك من شكر لعنايتك الكريمة بدراسة أدبى وقد صرحت فى أكثر من مجال بأن كتابك عنى يعتبر عملا نقديا عميقا وعاملا وشاملا وأنه يعتبر من أفضل ما كتب عنى إن لم يكن أفضلها جميعا وطبيعى أننى لمست فيه حبك للأدب العربى ولاجتهاداتى فيه لا تحرياتك عن عقلية عدو بل أن دراستك كانت غنية فى المقام الأول وإنسانية بالمعنى الشامل والدقيق وأنى أوافقك على الأسباب التي منعتك من الاتصال بى وأنت بصدد التأليف والحق أن الاتصال بالمؤلف – فيما عدا التحرى عن بعض المعلومات الموضوعية إذا تعذر الحصول عليها غير مجد فى نظرى بل لعله مضلل فنحن لا نكتب للتعبير عن أهداف جاهزة يمكن إبلاغها للغير بقدر ما نكتب لاكتشاف هذه الأهداف وبالتالى لاكتشاف أنفسنا والآخرين وذلك هو الغالب فى ثلاثة أرباع العمر، شكراً لك تقديرك لدورى فى أدبنا وأرجو ألا تكون مغاليا فيه كثيراً أرجو أن أشكرك بنفسى فى يوم قريب إن شاء الله ولندع اللهم معا أن تكلل المساعى المبذولة اليوم بالنجاح وأن يعود شعبانا إلى المعاشرة المثمرة كما كان الحال فى ماضيهما الطويل فما لا شك فيه أن تعاونا مثمرا قام بين شعبينا على مدي الأعوام الطويلة فى العصور القديمة والوسطى والحديثة وأن أيام الخصام كانت قصير ة وقليلة غير أننا ويا للأسف عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مائة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون وأنى أحلم بيوم يحيل بفضل التعاون المشترك هذه المنطقة إلى مقام مضئ بمشاعل العلم مبارك بمبادئ السماء السماوية وإلى اللقاء يا سيدى الأستاذ العزيز وأنت وأوطاننا على خير حال.
المخلص نجيب محفوظ
القاهرة 12 / 10 / 1978 م