آل فيصل

مقال أسامة فوزي الذي نشر في سوراقيا كموضوع غلاف في العدد رقم 267 الصادر بتاريخ 26 سبتمبر ايلول عام 1988

 

فى المملكة السعودية حوالى أربعة آلاف أمير سعودى ينتشرون فى مواقع مختلفة ومؤثرة فى جسد النظام الملكى الحاكم فى الرياض بعض هؤلاء لهم اليد الطولى فى صنع القرار أو المساهمة فيه إلا أن أولاد الملك الراحل فيصل ورثوا عن والدهم سمات التمايز والنجومية ونجحوا دائما فى أن يكونوا – مثل والدهم – فى دائرة الضوء بغض النظر عن المناصب أو المواقع التي يشغلونها.
لا جدال أن الملك فيصل نال من الشهرة نصيباً لم ينله غيره من آل سعود حتي فى مقتله على يدي ابن أخيه الأمير فيصل بن مساعد كان الملك فيصل متميزاً.
برز فيصل فى أوائل الثلاثينات كرجل مهمات لوالده الملك عبد العزيز فطار إلى لندن وهو فى السادسة عشرة من عمره للتباحث مع الحكومية البريطانية حول خططها فى المنطقة ورافق جون فيلبى المستشار الانكليزي للملك عبد العزيز فى رحلته الشهيرة إلى القدس لتهدئة النفوس وطمأنه الفلسطينيين إلى أن بريطانية لن تعطي بلادهم لليهود وبالتالى لا ضرورة للإضراب الطويل الذى أعلنوه وزاد عن ستة أشهر كاملة وجاء فى خطبته التي ألقاها آنذاك ما يلى.
حينما أرسلنى والدى عبد العزيز فى مهمتى هذه اليكم فرحت فرحتين الفرحة الأولى كانت من أجل زيارة المسجد الأقصى والصلاة فى بيت المقدس أما الفرحة الثانية فكانت فرحتى بلقاء هؤلاء الثوار لأبشرهم أن جهودهم لم تذهب سدى وأن ثورتهم قد أثمرت بإثارة اهتمام صديقتنا بريطانية العظمى التي تخيب أمال الفلسطينيين وبناء ما عرفته من صدق نوايا بريطانية أستطيع أن أقسم لكم بالله أن بريطانية صادقة فيما وعدتنا به وأن بريطانية تعهدت لوالدى أنها عازمة على حل القضية الفلسطينية.
دخلت هذه الخطبة العصماء التاريخ وأدخلت معها الأمير فيصل أيضا ليس لأن بريطانية لم تكن حسنة النية وليس لأنها لم تلتزم بوعودها للأمير وإنما أيضا لأن الشاعر الفلسطيني الشهير عبد الرحيم محمود – الذى استشهد فى معركة الشجرة عام1948 لم يأنس لخطبة الأمير حين وقف بين يديه وألقى قصيدته الشهيرة التي يقول فيها.

يا ذا الأمير أمام عينك شاعر

ضمت على الشكوى المريرة أضلعه

المسجد الأقصى أجئت تزوره ؟

أم جئت من قبل الضياع تودعه ؟
حرم تباع لكل أوكع أبق
ولكل أفاق شريد أربعة
وغدا وما أدناه لا يبقى سوى

مرة أخرى احتل الأمير فيصل دائرة الضوء عندما تولى الحكم من أخيه الملك سعود عام 1964 وكان فيصل قد نجح فى الحصول على موافقة العائلة المالكة على عزل سعود وتولى زمام القيادة لإنقاذ السعدية مما هي فيه ووضع حد لحروب اليمن وأعاده النظر فى السياسات البترولية واتخذ إجراء فيصل بتولى نظام الحكم طابعا درامياً عندما رفض سعود التخلى عن العرش وطلب من قائد الحرس الملكى العقيد عثمان الحميد مهاجمة قصر فيصل واعتقال جميع الأمراء المجتمعين فيه وانتهت الأحداث بالصورة المعروفة من كشف عثمان الحميد للمخطط أمام فيصل وقيام الأخير بإصدار بيان المبايعة فى 12/11/1964. الموقع من 64 أميراً من أل سعود والذى ينصب فيصل إماما للمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها و "ملكا للبلاد" بدلا من سعود الذى لجأ إلى القاهرة ومات فيها.
كانت معركة فيصل مع أخيه سعود ذات أبعاد وتشعبات محلية وعربية ودولية متعددة شبيهة نوعاً ما بالمعركة التي وقعت بعد ذلك بين الشيخ زايد بن سلطان وأخيه شخبوط حاكم أبو ظبى وكان من الواضح أن قرار فيصل بعزل سعود قد سبقه تخطيط ذكى استغل حالة التردى التي أصابت الوضع الاقتصادي فى المملكة بسبب سياسات سعود وطموحات فيصل الذى كشف عنه مبكرا فى أن يكون المؤسس الحقيقي للملكة وفاتح أبوابها على الشرق والغرب وارتبط هذا الانجاز باسم فيصل وأصبح يوصف بالمؤسس الجديد للدولة الحديثة فى السعودية.
ذكاء فيصل جعله يستحوذ بكل المراكز القيادية فى الدولة خصوصا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التي لم يقطعها حتي لأولاده فابنه سعود لم يصبح وزيراً للخارجية إلا بعد وفاة والده وفى تقرير نشرته منظمة الثورة الإسلامية فى الجزيرة العربية سرد للسواعد التي بنيت وزارة الخارجية وكلها من خارج العائلة المالكة وكلها تدين بالولاء الشخصى للملك فيصل دون سواه.
من هؤلاء – مثل – محمد مسعود الذى التقطه فيصل من وزارة المال حيث كان يشغل منصبا بسيطا متواضعاً وأطلقه فى وزارة الخارجية حتي أصبح فى عام 1958 مفتشاً للسلك الدبلوماسى والقنصلى ثم وزيراً مفوضاً ثم سفيراً فى العراق حتى عام 1968 ثم وكيلاً لوزارة الخارجية ثم وزيرا ثم عضوا فى مجلس الوزراء.
ذكاء فيصل جعله يبعد أولاده عن وزارة الخارجية حماية لهم من طموحات الحكم وألاعيب السياسة وتداخلات الدول العظمي التي قد تختار واحدا منهم بديلا لأبيه كما حدث فى سلطنة عمان وكان لفيصل اتجاه أخر وهو تعزيز قبضته على الوضع الداخلى وكبح جماح أمراء آل سعود الذين يتزايدون بنسب كبيرة ويطمحون إلى أكثر من المخصصات المالية الشهرية التي تمنح لهم فوزارة النفط أقطعت آنذاك لسعود الفيصل لأنها كانت منبع الدخل ومصدر القوة وموطن الصفات والعمولات.
لقد لاحظ المراقبون والمؤرخون وقوي المعارضة أن إدارة السياسة الخارجية طوال عهد فيصل كانت م حرمة على أمراء آل سعود ولم يسمح فيصل لأحد من أخوته الوزراء – سلطان فهد وعبد الله وعمه وزير المال (مساعد بن عبد الرحمن) بأن يطل برأسه على الخارج إلا فى حدود اختصاصاته الوزارية التي قطع فيصل أجنحتها الخارجية فلم يبرز أي منهم على الصعيد العربى والأجنبى من الناحية الرسمية.
حتى فى مقتله كان فيصل متميزا فقد قتل برصاصات أمير من آل سعود (فيصل بن مساعد ولم يكن الأمير القاتل شخصا عاديا فقد كان أستاذا فى الجامعة محبوبا من طلبته رافضا لمخصصاته كامير (حوالى 50 ألف ريال شهريا) داعيا إلى إعادة توزيع الثروة متبنيا نظريات ماركسية فى رؤيته لحكم آل سعود وأهم من هذا صاحب ثار فجده محمد بن طلال الرشيد قتل على يدى أل سعود … وأ×وه خالد بن مس اعد قتل هو الآخر عام 1966.
أولاد فيصل نجحوا دائما مثل أبيهم فى أن يكونوا متميزين حافظوا دوما على موقع الصدارة فى دائرة الضوء بغض النظر عن الاهتمامات والطموحات التي تفرق بين واحد وآخر فالأمير عبد الله الفيصل لم يكن يوما رجل سياسة ومع ذلك يعتبر من الوجوه البارزة فى السعودية ليس كرجل مال وأعمال فحسب وإنما كشاعر رومانسى رقيق غنى له عبد الحليم حافظ أغنية (سمراء) التي قيل فيما بعد أنها مأخوذة من شاعر مصرى مغمور .
سعود الفيصل أكثر أخوته وسامة وشهرة وطموحا فمنصب وكيل وزارة النفط الذى أقطعه إياه الوالد لم يكن يرضى طموحه لكن اغتيال الوالد بالشكل الدرامى والتنازل بين الأمراء على السلطة بعد حادث بمرسوم ملكي صدر بتاريخ 29/3/1975 وهو المرسوم نفسه الذى أعلن فيه عن تعيين الملك فهد نائبا أولا لرئيس مجلس الوزراء وتعيين الأمير عبد الله نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء وتعيين نايف بن عبد العزيز وزيراً للداخلية.
منظمة الثورة الإسلامية المعارضة تقول أن سعود الفيصل يعتبر نفسه مفوضا بشكل نهائي فى وزارة الخارجية بصفته وزيرا وبصفته من أمراء العائلة المالكة وأن له مطلق الصلاحية فى اتخاذ القرار الذى يراه وتضيف المنظمة فى إحدي نشراتها أن سعود يعتبر نفسه مدينا بمنصبه إلى سمعة أبيه ونفوذه وليس لأن الملك فهد اختاره ثم هو يرى أنه من الفئة المتعلمة فى الأسرة المالكة – فهو خريج أميركة – وأنه بالتالى أكثر إطلاعا من غيره.
ويوصف سعود الفيصل فى أوساط المثقفين بأنه أكثر الأمراء والسياسيين السعوديين انفتاحا على الشرق والغرب وأنه عراب العلاقات السعودية السوفيتية (إذا عادت) والجسر الذى مر عليه اتفاق الصواريخ الصيني السعودي وتشير وثائق جهات سعودية معارضة إلى أن سعود الفيصل أكثر قربا إلى فكر وفلسفة واسلوب الأمير عبد الله ولى العهد وأنه كان دائما يقف إلى جانب عمه عبد الله خصوصا فى صراعه الأخير مع أخوته حول الموقف من "كامب ديفيد" والولايات المتحدة.
في بغداد عام 1978 رفض الملك فهد المشاركة بمؤتمر الحد الأدنى الذى أصدر قراراً بمقاطعة مصر سياسيا واقتصاديا وثقافيا لكن سعود الفيصل حضر المؤتمر ووافق على بياناته تلبية لرغبة عمه الأمير عبد الله ولى العهد.
الأمير تركى بن فيصل قد يكون الأكثر خطورة من حيث موقعه كمدير للمخابرات العامة لكن جهات كثيرة تعترف بفضله فى تنقية جهاز المخابرات وإعادة ترتيبه وتنظيمه وهو يحرص على عدم الظهور العلنى فى الصحافة وشاشات التليفزيون إلا أن المنصب أكسبه هالة ومنحة قوة ونفوذاً ويقال أنه أكثر أخوته تعلقا بالوالد وأكثرهم إحساسا بضرورة إحياء ذكراه ويوصف بالتواضع فى مجلسه وبطيبة القلب وبالكرم مع حزم ورثة عن أبيه يحسب له أمراء آل سعد ألف حساب.
هيفاء الفيصل – زوجة الأمير بندر بن سلطان السفير السعودى فى واشنطن شذت عن القاعدة التي تحول دون خروج الأميرات إلى الرأى العام أو ممارستهن أين دور يذكر فى الحياة السياسية فمن خلال منصب زوجها نجحت الأميرة فى أن تكون محور الاهتمام فى الأوساط الدبلوماسية بواشنطن ودورها لا يقتصر على كونها زوجة السفير فهي أولاً ابنة فيصل مؤسس الدولة الحديثة وهي أخت سعود وتركى حجرى الرحى فى الحكم السع ودى وهي إلى جانب ذلك سيدة متعلمة أكسبتها الحياة فى أميركة ملحما عصريا غير الصورة النمطية السائدة عن المرأة السعودية خصوصا فى الغرب ويقول العارفون أنها ذات شخصية قوية وأن لها حضورا مؤثرا فى المجالس الخاصة والعامة وأنها تلعب دور الوسيط فى الكثير من القضايا المعلقة خصوصا فى أوساط العمل الدبلوماسى العربى فى العاصمة الأميركانية.
أما الأضواء التي تلقى على محمد الفيصل صاحب دار المال الإسلامى فتبدو مختلفة نوعا ما فهو صاحب فكرة جديدة على صعيد الاستثمار توازن ما بين الأعمال المصرفية أو البنكية المعروفة وبين هذا الموضوع فى كل مناسبة يبرز اسم محمد الفيصل ليظل دائما فى موقعه من الصورة مقترنا بملامح الصورة العصرية التي رسمها والده للمملكة باعتباره فى دار المال الإسلامي يحاول أن يقدم صورة إسلامية عصرية للعمل المصرفى وبسبب ما يحظى به محمد الفيصل من مكانة كان من الأسماء البارزة التي أشير إليها فى أكثر من مناسبة خلال المؤتمر الأميركانى الخليجى الذى عقد فى هيوستون قبل حوالى ثلاثة أشهر وحضره رجال مال وأعمال من دول الخليج كافة وكان محمد الفيصل بينهم.
ويأتى عبد الرحمن الفيصل الذى يقال أنه أصغر أخوته ليكمل صورة الملامح المتميزة لفيصل وأولاده فالأمير عبد الرحمن الذى ترك السع ودية منذ سنوات طويلة إلى أميركة ليستقر فى هيوستون بولاية تكساس يؤثر الابتعاد عن الأضواء حتى أنني لم أجد فى المدينة من العرب أو السعوديين من يذكر أنه رأى الأمير أو التقى به على الرغم من أن للأمير منزلا فى المدينة وناطحه سحاب هي الأجمل فى منطقتها ويبدو أن صمت الأمير هي إحدى مزاياه ورغبته فى الابتعاد عن الأضواء هي إحدي صفاته ورغبته فى الابتعاد عن الأضواء هي إحدى صفاته التي جعلته أكثر قربا منها وأكثر إثارة لفضول الصحافة والصحافيين.
لكن الأمير عبد الرحمن قرر مؤخراً اختراق الحصار الإعلامى الذى فرضه على نفسه بالإنزواء فى تكساس ليس بالانقلاب على الحكم أو بالتبرع للانتفاضة وإنما بتكليف سيدة تعمل فى دالات من عائلة (هوفمان) قد يكون الاسم يهوديا بالإعلان عن قراره ببيع منزله عن هيوستون بمبلغ 35 مليون دولار ووضع عمارته الشهيرة فى المدينة أيضا لامعروفة باسم MCO للبيع بالمزاد وقد أدى هذا الإعلان إلى هزة فى الأوساط المالية الأميركانية وإرباك فى أوساط الشركات العاملة بتجارة العقارات وأدى اختلاط اسم الأمير على جريدة "هيوستون كرونيكل" التي نشرت الخبر وذكرها أن المنزل المنوى بيعه يعود للأمير (عبد الفيصل) إلى تنشيط دوائر الأرشيف والبحث فى الصحف ووكالات الأنباء لمعرفة الأمير المقصود الذى اتضح أنه (عبد الرحمن).
جاء إعلان الأمير فى وقت فرغ فيه المواطن الأميركانى من متابعة أخر أخبار المؤتمر القومى للحزب الجمهورى ولم يكن على شاشات التليفزيون فى ذلك اليوم خبر أكثر إثارة للقارئ والمشاهد من خبر بيع منزل الأمير وادى الإعلان عن مواصفات المنزل إلى تحو المنطقة التي يقع فيها إلى محطة لسياح والزائرين والفضولين وكانت المواصفات المعلنة للمنزل من ذلك النوع الذى يثير المواطن الأميركانى ويحرك نوازع الشهرة والكسب لدى الصحافة الأميركانية فالمنزل مسجل باسم شركة من جزيرة فدرلاند وبالتالى لا يخضع للكثير من إجراءات الضريبة الأميركانية وسكان المنطقة ظنوا أثناء عمليات البناء الضخمة – أن مشروعاً تجاريا ضخما سيقام فى منطقتهم قبل أن يكتشفوا أن عمليات البناء ليست أكثر من رغبة غير مفهومة لأمير أراد أن يكون منزلة مميزا وذلك بشراء منزلين كبيرين وهدمهما وبناء منزل وذلك بشراء منزلين كبيرين وهدمهما وبناء منزل واحد فى موقعهما يقع فى ثلاثة طوابق ويضم 25 غرفة منها 15 حماما مذهبا وبركتان وبوابة زجاجية بلغت تكلفتها مائة ألف دولار.
قرار الأمير عبد الرحمن ببيع منزلة أعاد الذكر لوالده الراحل حيث بدأت الصحف فى أميركة تتحدث عن فيصل فى معرض تعريفها بولده عبد الرحمن الذى يمتلك منزلاً وصفته الصحف بأنه "أغلى منزل فى العالم".