قاطع الشجرة
زايد وأولاد محمد

مقال أسامة فوزي الذي نشرته مجلة سوراقيا كموضوع غلاف في عددها رقم 264 الصادر بتاريخ 5 ايلول سبتمبر عام 1988 وكان سببا في المواجهة التي وقعت بين الشيخ زايد واولاده من ناحية وابناء عمومة الشيخ زايد الذين حجمهم الشيخ وعزلهم واحدا تلو الآخر من مناصبهم مع انهم وفقا للتسلسل التاريخي أحق منه بحكم الإمارة .

 

بإقصاء الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، عن رئاسة "شركة نفط أبو ظبى" تمت الحلقة الأهم فى سلسلة تركيز القرار والسلطة فى أبو ظبى، بين ايدى الشيخ وأبنائه وحدهم وقد سبق هذه الحلقة حلقات نفذها زايد بن سلطان آل نهيان بدهاء "صياد الصقور" اصطاد خلالها "أولاد محمد" واحدا بعد الآخر من دون أن يثير الحفيظة القبلية التي تتحكم فى تصرفات "شيوخ" أبو ظبى من أبناء عمومته الذين كانوا عزوته وسنده عندما كان زايد "ضعيفا وأولاده صغاراً خلال الستينات ويوم أطاح له الانكليز بشقيقه شخبوط عن عرش "المشيخة" التي صار الآن هو حاكمها الأوحد والأمر الناهى فيها بلا منازع فكيف كان ذلك إن لذلك حكاية تروى.
فى العام 1976 أطاح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بابن عمه الشيخ حمد أن بن محمد وذلك بسحب وزارة الأشغال منه وكانت أنذاك تسطير على أكثر من 90% من موازنة الإمارة وقيل يومها أن الشيخ زايد قد نجح فى توجيه ضربة قاصمة لأولاد محمد سرعان ما أتبعها بعزل الأخ الأصغر للشيخ حمدان من وزارة الصحة (وهو الشيخ سيق بن محمد ) وقبل أسابيع وجه الشيخ زايد ضربة أخرى لأولاد محمد حين أدخل أربعة من أبنائه هو فى لجنة موسعة سلمها القرار النفطى فى الإمارة إلى جانب الشيخ طحنون بن محمد الذى كان إلى ما قبل عدة أيام رئيس مجلس إدارة "شركة نفط أبو ظبى الوطنية". 
وكما هو متوقع انشغلت الصحف بالحديث عن الموجبات السياسية والاقتصادية التي انطلق منها الشيخ زايد عندما أصدر قرارها وكلها تقريبا أغفلت الحديث عن الجوانب القبلية التي لعبت دوراً أساسياً فى اتخاذ القرار وهي جوانب لها علاقة بالصراع على الزعامة فى الإمارة بين الشيخ زايد وأولاد محمد.
فمن هو محمد هذا ومن هم أولاده وما أسباب وأسرار وخلفيات الصراع. عندما مات زايد الأول مؤسس أبو ظبى فى عام 1909 ترك ثمانية أولاد أكبرهم خليفة الذى تولى الحكم بعد وفاة والده لعدة أيام إلى أن استولى على المشيخة أخوه الثاني طحنون فحكم الإمارة ثلاث سنوات فقط (حتى عام 1912) وتولى الحكم الأخ الرابع حمدان وظل يحكم حتى عام 1922 إلى أن آلت المشيخة للأخ الأوسط سلطان والد الرئيس الحالى لإمارة أبو ظبى بالرغم من أن الأخ الأكبر خليفة كان ما زال أحق بالمشيخة ويبدو أن الإحساس بالظلم قد انتقل إلى ولده البكر محمد الذى بدوره ورث أولاده هذا الإحساس وزاد إحساس أولاد محمد بأحقيتهم فى الحكم بعد موت سلطان وتولى ولده البكر شخبوط حكم الإمارة بما أشيع عنه أنذاك من بخل وتقتير واستئثار بخيرات البلاد وقد لعب أولاد محمد دوراً بارزاً وأساسياً فى إسقاط الشيخ شخبوط لصالح أخيه الأصغر زايد – حاكم مدينة العين آنذاك ولعلهم فعلوا ذلك كخطوة أولى نحو الاستيلاء على السلطة ويبدو ان الشيخ زايد كان مدركا بفطرته الخطر الذى يتهدده فعزز علاقاته مع الانكليز واتخذ من الضابط بطس مستشاراً له بينما سلم أولاد عمه أولاد محمد مناصب قيادية إرضاء لهم ريثما يتم تصفية نفوذهم أولا بأول وكان أولاد عمومته غزوته وسنده فى صراعه المحتمل مع دبى خصوصا أن ولديه خليفة وسلطان كانا آنذاك صغيرين وكانت زوجته الشيخة حصة والدة الشيخ خليفة ولي العهد الحالى ذات نفوذ باعتبارها ابنه الشيخ محمد وأخت الشيوخ السبعة المسيطرين على الإمارة.
ومن يدرس خريطة الحكم فى إمارة أبو ظبى منذ أن تولى الشيخ زايد من سلطان السلطة فى شهر أب (أغسطس ) من سنة 1966 يلحظ بسهولة أن مقدرات الإمارة ماليا وعسكريا كانت بأمره أولاد محمد.
فالشيخ حمدان تولى وزارة الأشغال العامة التى أو كلت إليها مهمة تنفيذ الخطة الخمسية الأولى وشملت بناء الطرق والميناء والبنايات الجاهزة ومحطات توليد الكهرباء وخط المياه الواصل ما بين "الساد" و "أبو ظبى" بميزانية ضخمة تم إنفاقها خلال عامين فقط ما بين 1963إلى 1965 بمعرفة الشيخ حمدان أن وإشرافه كذلك اشرف حمدان بعدها على تنفيذ خطة أعمار جديدة وفقا لمرسوم صدر فى 20/3/1968 ووضع بتصرفه 296 مليون دينار وتضاعفت المبالغ حتي عام 1976 إلى أن تمت الإطاحة بالشيخ حمدان أثر ارتباط اسمه برشاو ضخمة جعلت مدير مكتبة صالح القاضى يضطر إلى الهرب قيل يومها بإيعاز من الشيخ نفسه من مطار دبى ومع أن قرارا بتعيين الشيخ حمدان نائبا لرئيس مجلس الوزراء وهو منصب وجاهى أسكت أولاد محمد وأرضاهم إلا أنهم بالمقابل أدركوا أن الخطوة جاءت على طريق تصفية نفوذهم فى مواقع صنع القرار وظلت وزارة الأشغال تدار من القصر إلى ما قبل أسابيع عندما سلمها الشيخ زايد لولده سلطان مستعيداً بذلك سلطته العائلية على أموال الإمارة ومشاريعها الإنمائية وما يتبع ذلك من عمولات.
الضربة الثانية وجهت للشيخ سيف بن محمد وزير الصحة حيث تمت إقالته من منصبه ومن ثم إبعاده عن مواقعصنع القرار فى وزارة خدمات كبرى كان وزيرها مسؤولا عن انفاق ملايين الدولارات على بناء مستشفيات وعقد صفقات وإنشاء مستوصفات بدون حساب وتزامن أبعاد الشيخ سيف مع أبعاد أخيه البكر الشيخ حمدان ليترك ظلاله على مستقبل العلاقة بين أولاد محمد وبين حاكم الإمارة الشيخ زايد الذى أعلن عن تعيين ولده البكر خليفة ولياً للعهد ليضع بذلك حدا لطموحات أولاد محمد وليوسع من دائرة النافذين من صلبه فى إدارة شؤون الإمارة ومع أن ولده خليفة لم يكن قد جاوز العشرين من عمره فقد أثقله بالمناصب منذ عام 1969، حيث سلمه بالإضافة إلى ولاية العهد رئاسة المحاكم ورئاسة الجيش ورئاسة مجلس وزراء الإمارة ورئاسة المجلس التنفيذي للإمارة.
في عام 1977 تدخل القدر ليربح الشيخ زايد من الصقر الثالث فى أسرة أولاد محمد وذلك باعتزال الشيخ مبارك بن محمد وزارة الداخلية بعد حادث سيارة فى لندن أصاب الشيخ بمرض قيل أنه عقلى.
أولاد محمد … الآن
خلف محمد آل نهيان سبعة أبناء، ظلوا سنوات السبعة الأقوياء فى أبو ظبى قبل أن تقلم أظفارهم واحدا واحدا هؤلاء السبعة هم :
(1)الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان – نائب رئيس مجلس الوزراء.
(2) الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان – وزير الداخلية.
(3) الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان – حاكم مدينة العين.
(4)الشيخ سيف بن محمد آل نهيان – وزير الصحة السابق.
(5) الشيخ خليفة بن محمد آل نهيان – ضابط.
(6) الشيخ سرور بن محمد آل نهيان – رئيس ديوان الشيخ زايد ورئيس المخابرات.
(7) الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان – ضابط.
حافظ الشيخ زايد على شعرة معاوية بينه وبين أولاد محمد فهو من ناحية لم يعين وزيراً بديلاً للداخلية وظل يصر على إبقاء الشيخ مبارك وزيرا مما يعتبر فى ظل المجتمع القبلي السائد تكريما للشيخ المريض وهو من ناحية ثانية ضمن السيطرة المباشرة على الوزارة التي ظلت منذ عشر سنوات أو يزيد تدار من مكتب ضابط يرتبط بالقصر ولم يسمح الش يخ زايد بتناول موضوع مرض الشيخ مبارك فى أيه وسيلة إعلامية حتي لا يطرح أخوته مبدأ وراثة الوزارة أو تولى شؤونها بالنيابة عن أخيهم وعندما ألمح الصحافى بدر عبد الحق إلى مرض الشيخ مبارك ى رسالة نشرها آنذاك فى مجلة "المستقبل" صدر قرار رئاسى بطرده من الدولة خلال ثلاثة أيام ولم تنجح وساطات وزارة الخارجية آنذاك أحمد خليفة السويدى إلا فى تمديد المهلة إلى خمسة أيام حتى يتسنى للصحافى أن يصفى أموره قبل الرحيل ولم يكن بدر عبد الحق آنذاك صحافياً عادياً أو مبتدئا فقد كان مديراً لتحرير جريدة "الوثبة" ومن قبلها كان من أوائل الذين أرسلوا العمل الصحافى فى الإمارات.وعندما تم طرده كان مستشارا صحافيا فى السفارة القطرية وما زال اسمه بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من طرده – ممنوعا من النشر فى صحف الإمارات بالرغم من أنه يتولى الآن إدارة تحرير جريدة "الرأى" الأردنية التي تعتمدها صحف الإمارات كثيرا فى أخبارها وتعليقاتها.
أما الشيخ سرور بن محمد – الصقر الرابع – فقط تمت محاصرته بوظيفة رئيس ديوان للشيخ وهي وظيفة صلاحياتها تبدو واسعة فضفاضة لا يعرف أحد أولها من أخرها فيها الكثير من الوجاهة والبهرجة ولكنها فى حقيقة الأمر ليست أكثر من وظيفة كتابية إدارية هي أقرب إلى الحجابة التي سادت فى عصر بني العباس ويلعب الشيخ سرور دور النديم للشيخ زايد حيث يرافقه فى حله وترحاله، وقد زاد تعلقه بابن عمه الحاكم بعدما تزوج ابنته شماء (من السيدة فاطمة).
وجاءت الضربة القاضية قبل أيام لأخطر صقور الأسرة الشيخ طحنون وحاكم مدينة العين ورئيس مجلس إدارة "شركة نفط أبو ظبى" حيث تم تجريده من صلاحياته ليس بطرده أو إقالته من منصب مجلس الإدارة وإنما بجعل القرار النفطى منحصرا بلجنة فيها أربعة من أولاد الشيخ طحنون أكر من رقم واحد فى معادلة معقدة من الأرقام بعدما كان الرقم الوحيد فيها.
خلال السنوات العشرين الماضية نجح الشيخ زايد بن سلطان حاكم أبو ظبى فى تغيير صورة الحكم فى الإمارة وقلب مراكز القوى فيها وتجريد أولاد محمد من صلاحياتهم بعدما كانوا فى عام 1966 اليد الضاربة للشيخ ولا جدال فى أن الشيخ زايد قد لعب المباراة بذكاء واستطاع وحده إخراج اللاعبين من المباراة أولاً بأول معتمداً سياسة النفس الطويل ومتصيداً مثل الصقر هفوات وزلات طيور الحبارى من حوله وأعد خلاله معركته مع أولاد محمد أدواراً لأبنائه الذين زاد عددهم عن ثلاثين خلال عددهم عن ثلاثين خلال السنوات العشرين الأخيرة فسلم خليفة ولاية العهد وسلم سلطان قيادة الجيش ثم وزارة الأشغال وسلم محمد قيادة سلاح الجو وسلم حمدان وزارة الخارجية وأعد مناصب أخرى لأولاده هزاع وسعيد ونهيان وسيف وغيرهم.
الشيخ زايد بذكائه الفطرى أدرك منذ البدء أن النزال على طريقة البدو فى الصحراء قد يخلف تارات وأحقاداً لذا أختار اسلوبا فى معالجة طموحات أولاد محمد يعتمد على تقنيات لعبة شد الحبل المعروفة ومع أنه سلم "فراخ" أبناء عمومته مناصب وجاهية حيث أعطى الجامعة للشيخ نهيان بن مبارك وبلديه العين للشيخ سعيد بن طحنون إلا أنه حرص على أن يظل هو وحده اللاعب الرئيسي فى الحلبة وصانع القرار الأوحد فى الإمارة التي تعج بالخبراء والمستشارين الذين يلعبون الآن الأدوار ذاتها التي لعبها أولاد محمد يوم كان الشيخ زايد وحيداً فى مواجهة أخيه الأكبر الحاكم السابق شخبوط