حامل المفاتيح سلطان بن سليم

مقال أسامة فوزي نشرته مجلة سوراقيا كموضوع غلاف في عددها رقم 260 الصادر بتاريخ 8 آب أوغست عام 1988

 

لان رجال الأعمال والمال والدولار الاميركان يتمتعون بحاسة اذن لا تخطئ ، فانهم ادركوا على الفور ان (سلطان ابن سليم) القادم من دبى، هو اثمن صيد وأسمن (قط) فى مؤتمر المال والاعمال الاميريكان والخليجيين، الذي انعقد فى هيوستون بولاية تكساس ولعله من اجل هذا ترك الاميركان الامراء والاثرياء العرب الذين زاد عددهم من 65 ، لينصرفوا الى الاهتمام بسلطان بن سليم، الشاب الاسمر القادم من دبى، والذى لم يزد عمره عن الثلاثين.
سلطان بن سليم ، الذى وقف فى اليوم الثانى من المؤتمر خطيباً، ناطقا باسم شيوخ امارة دبى، راسماً حدودها مخبراً عن ثرواتها بين يدى الرئيس الاميركانى السابق جيرالد فورد ، الذى اسعده ان يهدى سيفا من الذهب الخاص، حمله سلطان بن سليم هدية متواضعة من شيوخ آل المكتوم، هذا الشاب الذى يتولى رئاسة المنطقة الحرة فى جبل على ، بعد ان عاد عام 1981 بشهادة جامعية عادية من جامعة تمبل فى فيلادلفيا، هو الحاكم الفعلى لامارة دبى ، والوريث المالى والادارى لاجهزتها المتعملقة ، التى بناها مهدى التاجر ، وتركها الى غيره بعد ان قرر الاعتكاف فى لندن!!
و"جبل على" فى دبى ، ميناء اسطورى لا مثيل له فى الشرق ولا فى الغرب هو محطة ترانزيت لكل انواع البضائع ونقطة تحميل وتفريغ لكل اشكال السفن، الحاملة للسلاح، والنفايات النووية، والنفط والمهربات والمخدرات والنساء والاطفال ، والميناء هذا ، الذى خطط له وبناه مهدى التاجر عام 1976 هو مصدر الدخل الرئيسى لشيوخ آل المكتوم الحاكمين فى امارة دبى، وهو الذى جعلهم – وثروتهم النفطية تقل عن ثروة غريمهم شيخ آل نيهان – يسودون الامارات السبع ، ويستقطبون رؤوس الاموال ، ويتولون اتخاذ القرارات ، فى مؤسسات الدولة الاتحادية وفى وزارتها الرئيسية ، الدفاع – المقطوعة لمحمد بن راشد – والمالية – المقطوعة لحمدان بن راشد – ومجلس الوزراء – المقطوع لمكتوم بن راشد.
شيخ دبى "راشد بن سعيد المكتوم" اختار التاجر منذ عشرات السنين ليسلمه مفاتيح دبى، ثم اختار بعده سلطان بن سليم وكلاهما ليسا من تجار دبى المشهورين ، وليسا من شيوخها او مخاتيرها او الوجوه المعروفة فيها وكان يبحث منذ كان وليا للعهد عن وسائل للنهوض بدبى – ومن ثم بثرواته الخاصة – من حالة الركود الاقتصادى وكساد تجارة اللؤلؤ وضعف الطبقة المسيطرة على هذه الصناعة التى كانت فى طريقها الى الافلاس، وذلك بايجاد طبقة حوله قادرة على الاستفادة من الموقع الجغرافى والتجارى لدبى من دون ان يوصلها طموحها الى التفكير بالاستيلاء على الحكم.
كان الشيخ راشد يحتكر (مع والده سعيد) معظم الانشطة التجارية والاقتصادية فى الامارة، فعوائد النفط منذ اوائل العشرينات تصب فى "خرجه". كذلك اموال امتياز تسهيلات الطيران مع الحكومة البريطانية فى اواخر الثلاثينات وذلك – وفقاً لما اورده الدكتور محمد الرميحى (مجلة دراسات الخليج) فى العدد الرابع 1975 ، صـ : 55 – "فى مقابل حرمان بقية آل بوفلاسة والمجموعات التجارية النامية من كل هذه الامتيازات او المشاركة فيها !!
وبجانب هذا لم يكن هناك أية مؤسسة سياسية فى دبى فى ذلك الوقت ولا يوجد اى تنظيم ادارى او امنى ولو بسيط فى مدينة تنمو تجارياً ، فكان الميناء يدار عشوائياً وتمر فيه تناقضات كانت تهدد دوماً عرش سعيد وطموحات ولى عهده – غير المسمى آنذاك – ولده راشد بن حصة، فهناك التجار الذين هم فى الغالب هنود وبعض الفرس والعرب ، وهناك الشيوخ من أولاد عمومته الطامحين فى نصيب اكبر من مداخيل الامارة، والقادرين – دوماً – على خلق المشاكل له ، تاره بدعوى انهم غير راضين عن الامتيازات ، التى اعطاها الشيخ او اواخر العشرينات لشركة البترول العراقية، وتارة اخرى بطرح قضية الامن فى المشيخة، كان على رأس هؤلاء الطامعين وجهاء عائلة (آل بوفلاسة) وبعض التجا الدبويين على رأسهم محمد بن احمد بن دلموج – وهو تاجر متنفذ ووالد زوجة مانع بن راشد المكتوم – الذى تولى الحكم 48 ساعة فقط فى 15 نيسان (ابريل) 1929 ، واضطر إلى التنازل تحت ضغط المندوب السامى البريطانى الذى ابلغ مانع المكتوم ان الحكومة البريانية ليست على استعداد للاعتراف بحكام لدبى وصل الى الحكم تحت ظروف غير مرضية!!
تلك الحادثة علمت راشد بن سعيد المكتوم الحذر من اقربائه واولاد عمومته وكبار المتنفذين من تجار مشخيته وجعلته يبحث عن اشخاص "مجهولين" ليسهموا معه فى حمل مفاتيح دبى فيثرون معه ولكن دون ان يطمعون فى "الكرسى"، ويبدو انه لم يجد صعوبة فى العثور على "موهبة" بهذه المواصفات مثل مسؤول الجمرك "مهدى التاجر" ، الذى لا يعرف اهل الامارة من اين جاء واين تضرب جذورة ، لكنهم كلهم عرفوه رجال مال واعمال وادراة نجح فى جعل الميناء صنبوراً ينضب من الداخل ودائرة الجمرك بئر نفط لا تكل ولا تمل، وعقود النفط مع الشركات الانكليزية والاميركانية قواعد انهاض لاسرة راشد بن سعيد المكتوم الذى اصبح محسوداً على "مهدى التاجر" حتى من خصومه. وقد اشار الى ذلك صراحة الصحافى الانكليزى كلود موريس حين ذكر فى كتابه عن زايد بن سلطان آل نهيان المسمى "صقر مثل" مهدى التاجر" الدبلوماسى الذى يتمتع بمقدرة فائقة على التفاوض ومقدرة فى المشاريع التجارية!!
الظروف الموضوعية التى انتجت "مهدى التاجر"، وجعلته الحاكم بامره فى مشيخة دبى ، بالرغم من انه ليس شيخاً ولا اميراً ولا تاجر لؤلؤ ، ولم يكن مسحوبا على جماعة شهبندر التجار "محمد بن دلموح" ، هى ذاتها التى انتجت فى اواخر السبعينات "سلطان بن سليم" فهذا الشاب لا يذكر اسمه من بين اهل المال والاعمال ، وعلاقاته ومصالحه مع اصحاب الاقطاعات والامبراطوريات المالية فى دبى محددة، وليس له ولاء الا للشيخ راشد واولاده مكتوم ومحمد وحمدان وهو لا يطمع – فى مثل سنة – الى اكثر من المنصب الذى وضعوه فيه ، كرئيس لمجل ادارة ميناء جبل على، بوابة المال والاعمال ليس لدبى فحسب وانما للمنطقة كلها ومن ثم فان ولاء "سلطان بن سليم" لا جدال فيه ولا شبهة حوله وطموحات هذا الشباب لن تبلغ – مهما امتدت – كرسى الحكم !!!
رجال المال والاعمال الاميركان الذين تحلقوا حول سلطان بن سليم يطلبون رضاه، ويتوددون إليه ويتسابقون إلى مائدته كى يحظوا بشرف الجلوس إليه ، تاركين امراء من آل سعود واثرياء من آل الزامل وخاتير من آل داوود (وقطط سمان) من آل الشيراوى، كان يعملون ان سلطان بن سليم ليس ثرياً بنفسه، ولم يكن يوماً معدوداً من بين اصحاب الامبراطوريات المالية فى دبى، التى يتقاسمها شيوخ المكتوم مع آل الغرير وجمعة الماجد وآل لوتاه وغيرهم من (الآلات) الذين ينحدرون من اصول فارسية .. وبنغلاديشية وزنجبارية .. رجال المال، توددوا الى سلطان بن سليم لانهم ادركوا انه الرجل الذى يسمك بين يديه خبوط المال والاعمال فى بورصة المنطقة الحرة فى جبل على حيث الصفقات بالمليارات، وحيث لا رقيب ولا حسيب على بواخر السلاح .. وبواخر الافيون .. وبواخر النساء.. وبواخر النفايات النووية .. وبواخر السيارات .. وبواخر المهربات من كل نوع والتى تجد الحماية فى الميناء الضخم، المغطى بقوانين الاسواق الحرة، التى تعنى – فيما تعنى – ان تكون السفن حرة فى كل شئ طالما انها تدفع الرسوم المقررة لامارة دبى !!
عندما تفجر النفط فى (ابو ظبى) ، وبدأ آل نهيان يبسطون النفوذ على مشيخات الساحل المتصالح ساحبين البساط من تحت اقدام مشيخة التجار (دبى)، تولدت فكرة الميناء الحر فى (جبل على) لدى مهدى التاجر، مؤسس المشيخة وبانبها وراعيها، وسرعان ما بدأ العمل فى الميناء، فى مطلع شهر آب (اغسطس) 1976 ، ليصبح الميناء بعد خمس سنوات فقط اكبر منطقة حرة فى الشرق الادنى، تمتد على طول الساحل المواجه لمنطقة النويبى فى جبل على .. وقد بلغ مجموع الاستثمارات المخصصة للمشروع 4700 مليون درهم، وتضمن الميناء والحاملة للمهمات الصناعية وأغراض الصناعة و 5 ارصقة متحركة لأوعية النقل الكبرى و 15 رصيفاً لبواخر الترانزيت التى تحمل بضائع عابرة يعاد تصديرها مرة ثانية و14 رصيفاً للبضائع المختلفة والعامة واخيراً 25 رصيفاً لخدمة المنقطة الحرة وقد تراوح عمق الميناء من 11 الى 14 متراً وبه مراس لمزلقتين سعة كل منهما عشرة آلا ظن .. وقد استغرق العمل فى الميناء اكثر من خمس سنوات وقد عمل فيه 300 مهندس و 2500 عامل كانوا يعملون طوال الاربع والعشرين ساعة يومياً .
اخبار سلطان بن سليم كانت تصل الى اسماع رجال المال والاعمال الاميركان، قبل ان يحط فى فندق "الانتركونتننتال" بهيوستون ، فتصنع له هيبة وتؤكد لصيادى الفرص من الاثرياء بان الرجل صاحب قرار قبل هيوستون كان سلطان بن سليم يتراس وفداً طويلاً عريضا من "المنطقة الحرة فى جبل على" زار باكستان والتقى مجموعة شركات "كرسنت" من كبريات الشركات المتخصصة فى صناعة النسيج والسكر والمجالات الصناعية الاخرى .. ولم ينس سلطان بن سليم ان يلقى – فى رجال المال والاعمال – كلمة حول التسهيلات والميزات فى المنطقة الحرة جعلت اصحاب مصانع "مون لايت" – المتخصصة بصناعة السجاد – تسعى لعقد اتفاقات ايضا ، بل وتنظم لقاء لسلطان بن سليم فى كراتشى مع 120 رجلاً من ممثلى الشركات الباكستانية!!
قبل ذلك بعث سلطان بن سليم بوفد تراسه حسن بن الشيخ نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة دبى الى اليابان لشرح مزايا المنطقة الحرة فى جبل دبى وتتمثل فى خفض تكلفة الانتاج مما يساعد على المنافسة المتزايدة موضحاً ان ثمن الطاقة وكذلك اجور الشحن من دبى الى اوروبة مثلاً هى اقل بنسبة 40% من الاجور العادية لان البواخر تعود فارغة تقريباً ولهذا السبب يقول رئيس الوفد – فقد قام فى المنطقة الحرة فى جبل على 124 مصنعاً ومركزاً لاعادة التصدير!!
كل هذه المعلومات احيط بها علما رجال المال والاعمال الاميركان، فوضعوها فى حسابهم قبل انعقاد مؤتمر "خليج اميركة" فى هيوستون ، وكان من الواضح انهم وقعوا فى غرام جبل على وميناء جبل على لذا رأيناهم يتراكضون هنا وهناك للحصول على كتيبات باللغة الانكليزية احضرها مع الى المؤتمر الوفد المرافق لسلطان بن سليم.
ولأن قرار الحل والربط فى هذا الميناء العملاق، الحر ، الخالى من الروابط البعيد عن اعين الفضوليين والمراقبين والمفتشين ، هو بيد هذا الشاب الاسمر الذى لم يزد عمره عن الثلاثين، ولان رجال المال والاعمال الاميركان يحققون ثروات هائلة من التجارة التى تمر عبر قنوات السرية، والعمولات ، وقوانين المناطق الحرة البعيدة عن الضوابط فانه كان من المسلم به ان يحتفى بهذا الرجل، ان يطاردوه بنظرات الاعجاب، ان يجلسوه الى جانب جيرالد فورد، ان يتسابقوا الى مائدته وغرفته فى فندق الكونتننتال الفخم بهيوستون .. فسلطان بن سليم هو حامل المفاتيح كلها نحو الشرق الادنى ( والخليج..) .. هو حارس بواية (جبل على) والعارف بالداخلين والخارجين منها واليها .. فى مكتبه تطبخ الصفقات وتختم الاوراق وتصدر الاذونات وعبر اسلاك هاتفة تمر التعليمات الى البواخر العملاقة التى تصطف بالعشرات محملة بصناديق لا يعرف احد – فى اكثر الاحيان – محتوياتها !!!
عندما وقف سلطان بن سليم بين يدى جيرالد فورد ، وكبار تجار الولايات المتحدة ، طمانهم الى ان دبى تواجه تحديات القرن الـ 21 من الان باتباع استراتيجيتين فى مجال خدمة صناعة الطاقة وتنويع مصادر الدخل وتسهيل التجارة الدولية .. ولم ينس سلطان بن سليم فى محاضرته ان يؤكد ان دبى متمسكة بحرية التجارة بدليل انشاء المنطقة الحرة فى جبل على التى توفر تسهيلات تجارية وصناعية لا تقارن بان مكان آخر فى العالم يمكن من خلالها الوصول الى اسواق تضم مليار نسمة فى آسية وشبه القارة الهندية وافريقية – كما ورد فى حاضرته!
سلطان بن سليم، الذى درس فن العمولات واصول "البزنس" ، فى الجامعات الاميركانية ، مثلة مثل آلاف المسؤولين العرب. لا يرى فى مستقبل العلاقات التجاري بين الولايات المتحدة الاميركية ودول الخليج الشرقى اكثر من اربعة تحديات هى : القدرة على فهم المتغيرات فى المنطقة والتسهيلات وتنويع السبل التجارية بالاضافة إلى توسيع التعاون القائم بين الجانبين ، اما التحدى الرئيسى المتمثل بتحالف واشنطن مع تل ابيب فما ورد فى محاضرات سلطان بن سيلم ولا حتى فى مجالسة الخاصة حول الموائد العامرة التى اقيمت على شرفه فى هيوستون وغيرها، والتى طعمت بالمدعوات الشقراوات والحمراوات من كل لون، فهذا الشاب ، حامل مفاتيح المنطقة الحرة، تعلم من تجربة مهدى التاجر، ان الانسلاخ عن همون الوطن .. يصنع الثروة .. فانسلخ عنها طوال زيارته للصحراء الاميركانية ! لذا كان محور الاهتمام .. ومحط الانظار إلى حين .