المحتالون

مقال كتبه أسامة فوزي ونشرته مجلة سوراقيا في عددها رقم
العدد 253 بتاريخ 20 حزيران يونيو 1988 كموضوع غلاف

 

لم يكتسب الايطاليون المهاجرون الى الولايات المتحدة مجدهم فى اميركة من ابداعهم الفكرى او العلمى او الثقافى او الاجتاعى، وانما اصبحت لهم طنة ورنة فى اميركة بعدما برز منهم (آل كابونى) القادم من صقلية، ليؤسس عائلات المافيا، في الولايات المتحدة الاميركية كلها وليس ابناء جاليته من المهاجرين، وليكون ثورة هائلة جعلته صاحب الحل والربط فى معظم القرارات الاقتصادية التى كانت تتخذها الحكومات المتعاقبة فى اميركة.
ويبدو ان شخصية آل كابونى قد استهوت المهاجرين العرب ايضا، الذين استقر اكثر من ربع مايون منهم في شيكاغو التي اكتسبت شهرتها في انها مقر الا كابون .. واذا كانت الجالية الايطالية قد افرزت اثرياء اشتغلوا فى كل شئ . فى الدين السياسة والمال والمخدرات والصحافة، فكونوا ثروات وحققوا وجاهات، فماذا يمنع المهاجرين العرب من ان يحققوا شيئاً من هذا ايضاً، فيؤكدوا وجودهم فى هذه القارة المتشكلة من خليط عجيب ومزيج من البشر والعقول والعادات يدعو الى الدهشة.
لعل مثل هذا الطموح راود فضيلة الشيخ – الاردنى حسن عساف ان كان ضابطاً فى الجيش الاردنى الى ان تقاعد وهاجر الى نيويورك كى يؤسس "ميليشيا" مسلحة تحكم الجالية من خلال غرفة عمليات فى مسجد عمار بن ياسر وتمول من مليونير عربى اسمه (فالح حمدان) !!
قصة هذه الميليشيا روتها جريد (الرسالة) التى تصدر فى نيويورك، ولسبب نجهله اختفت الجريدة من الاسواق وقيل يومها ان لاختفاء اعداد الجريدة علاقة مراكز القوى فى الجالية، وان القرار اتخذ فى مسجد عمار بن ياسر الذى تدار فيه العمليات دائما ولحسن حظ "سوراقيا" نجح احد مراسليها فى نيويورك فى الحصول على نسخة من الجريدة المذكورة فماذا جاء فيها؟
تقول الجريدة ان الدكتور حسام الريماوي وعد رئيس مجلس ادارة مسجد عمار بن ياسر – فى بروكلين – قال اقترح على الشيخ حسن عساف امام المسجد السماح لشباب بالقاء خطبة الجمعة، ورحب الشيخ بالفكرة ولكن شيئا ما حدث، مما جعل الشيخ يتصل بالدكتور ليقول له ان المليونير العربى (فالح حمدان – المقيم فى بروكلين – قد اسر فى اذنه بان هذه لعبة من مجلس الادارة حتى يخلعوه من المسجد .
وانهى الشيخ حديثة بالقول أنه استنفر 150 مقاتلاً مسلحاً من رجاله ليصفوا الشاب، الطامح القاء خطبة الجمعة – ورضخ رئيس مجلس الاردن - بانه اذا اقسم بر بقسمه .. وقالت الجريدة المليونير فالح حمدان وتابعه عزام عبيد ذهبا الى نصير لهما اسمه منصور عثمان فاخبراه بان هناك مؤامرة لخلع الشيخ عساف وطلبا منه ان يسرع لنجدته فأرسل منصور عثمان بعض رجاله بالاضافة الى رجلاً الشيخ المسلحين للقضاء على الشباب اذا حضر الى المسجد .. وانهت الجريدة قصتها المثيرة بالقول أن المليونير فالح حمدان هدد برمى يافطة المسجد فى الزبالة اذا ما ضايق مجلس الادارة الشيخ حسن عساف مرة أخرى!!!
المافيا العربية فى اميركة لم تقصر نشاطها على المساجد ودور العبادة فتحولها الى اوكار لرسم الخطط وترتيب المعارك، ليس مع الجالية اليهودية وانما مع ابناء الجالية نفسها، الخارجين عن طوع كبار التجار والاثرياء واصحاب اللفات الذين خدموا فى الجيش الاردنى، وساهموا فى غسل عقول الجند إبان مجازر ايلوك (سبتمبر) بحيث كانت مهمات الائمة واصحاب اللفات – من طراز عساف – تقتصر على اصدار الفتاوى التى تبيح ذبح الفلسطينين بدعوى انهم كفرة!!
المافيا العربية فى اميركة دخلت فى تجارة المخدرات ايضاً؛ وفى السجون قيادات عربية ضبطت متلبسة، ليس بتعاطى المخدر وانما بتسويقه وترويجه وبيعه، ولعل اشهر قضية مخدرات هى تلك التى تورط فيها (دروبى) – لبنانى من زخلة – وقيل يومها ان دروبى هذا يتزعم شبكة من المهربين والموردين والموزعين، ولم تنس الصحف الاميركية ومحطات التلفزيون ان تشير فى صفحاتها ونشراتها الى ان المذكور "عربى" !!ونجح دروبي في الهرب من امريكا .
وتكررت القصة قبل ايام فى دالاس، عندما القت اجهزة الامن القبض ى تجار مخدرات اتضح انهم – وفقاً لما نشرته صحف دالاس واذاعته المحطة التلفزيونية الثامنة يعملون لدى المليونير العربى (الحمد)، الذى يمتلك سلسلة من المخازن التجارية.. ويتولى مراكز قيادية فى جمعيات عربية ، تنشط فى اوساط الجالية العربية فتصنع لأصحابها جاها وسلطة وثروة!!
ولـ "المافيا" العربية بعدها الاعلامى او الصحافى ايضاً ، والذين يمارسون الارهاب الصحافى من ابناء الجالية اكثر من الهم على القلب وهم يلجاون الى كل ما فى قاموس (آل كابونى) من مفردات، كى يجعلوا صوتهم عالياً باللجوء – اولاً – الى اعتماد الاعلام كوسيلة للتهديد والابتزاز وتصفية الحسابات الشخصية والتجارية.. ثم – وهذا الاهم – بالكذب على ابناء الجالية ، مستغلين جهل الناس باصول العمل الصحافى او الاعلامى بقصد تكريس بعض المفاهيم، او تلميع بعض الاشخاص والباسهم عباءة اوسع بكثير من أحجامهم .. ولدينا على هذه وتلك أمثله.
فقبل ايام وزعت عناصر مشبوهة فى شيكاغو بياناً مكتوباً بخط اليد ومرؤساً باسم (امن الرئاسة) فى (منظمة التحرير) يتم فيه الصحافى الفلسطينى المقيم فى شيكاغو (مؤيد هلال) بأنه (سئ) و (عميل) وادى هذا الى تهديد حياة وامن الصحافى المهاجر الى شيكاغو بحثاً عن لقمة العيش، المطارد من قبل عناصر كان الأولى بها ان تبذل جهودها لحماية (ابو جهاد) بدلاً من ملاحقة صحافى شباب ضاقت به سبل العيش فى الارض المحتلة ، فهاجر للدراسة ، وللعمل فى شيكاغو ، واتضح ان هناك عصابة فى شيكاغو تلجا – باسم الوطن والوطنية – الى ابتزار الاخرين على هذا النحو، من دون ان يردعها احد من ابناء الجالية، واتضح ايضا ان هناك اتاوات وقبضايات يتبعون عناصر تتاجر بكل شئ وتجعل نفسها قيمة على كل شئ وتبتز الاخرين بكل الوسائل .. ولا ندرى الى اين ستنتهى هذه المعركة ، بعد ان تصدى لها اثنان من كبار المحامين الفلسطينين فى شيكاغو، فقررا الوقوف – مجاناً – الى جانب الصحافى وملاحقة افراد المافيا والمطالبة بتعويض لا يقل عن مليونى دولار !!
وابلغ تعبير عن اسلوب النفخ والتميع واستغلال الصحافة والاعلام فى تكرس وجهاء وزعمات وقيادات فى اوساط الجالية باللجوء الى الكذب والدس والتدخيل خدمة لاكثر من غرض باسم (اخبار العرب) لارزقى اسمه عبد العزيز الغريب، طوف – قبل اسابيع – فى امارات الخليج الشرقى مانحا الشيوخ شهادات دكتوراه فخرية من جامعة وهمية فى نيويورك .. فهذه النشرة التى تمول من اثرياء العرب فى نيويورك، موهمة ابناء الجالية انها صحيفة متنفذة ، يخصها الرئيس الاميركانى رونالد ريغان بحديث عائلى وسياسى خاص ويمدها وزير اوقاف الامارات – الشيخ حسن الخزرجى – بقبسات من نوره تلعب دوراً اساسياً فى اكثر من شبكة (مافاوية) عربية فى اميركة بدعم عن بعض السفراء والدبلوماسيين العرب فى واشنطن.
هذه النشرة كانت قبل مدة بطلة فضيحة (صحافية) هزت الشارع الاميركانى وكشفت عن استخفاف لا مثيل له بعقول قراء العربية فى اميركة، فقد تصدر صفحتها الاولى عنوان كبير هذا نصه، "حوار خاص لاخبار العرب مع الرئيس الاميركانى رونالد ريغان "، واتضح من الحوار المنشرو ان كاتبة (سيد عبد العزيز) لم يلفق الحوار فقط، وانما لفق وزور فى الصورة المنشورة مع الحوار والتى تجمعه بالرئيس رونالد ريغان، حيث اتضح ان كاتب الحديث قد التقط صورة له مع تمثال للرئيس الاميركانى موجود فى احد اسواق نيويورك مقابل خمسة دولارات ، ليزم بعد ذلك انه التقى بالرئيس – فى سوق الخضار أنه ادلى له بحديث مطول تحدث فيه حتى عن حياته الزوجية السعيدة مع نانسى ودورة البارز فى افلام الكاوبوى الاميركانية
يختلف وضع "المهاجرين" العرب فى الولايات المتحدة الاميريكية، عن اوضاعهم فى بلدان الهجرة الاخرى، بأنهم "مسيسون" اكثر .. حتى من المهاجرين "العرب" فى كندة ، جارة اميركة ، والدائرة فى فلكها ويساعد النظام المفتوح" فى اميركة ، والدائرة فى فلكها ، ويساعد النظام المفتوح، فى اميركة على ذلك، تماماً مثلما تساعد القوانين الاميركانية "المطاطة"، والتى تختلف من ولاية الى اخرى، على "الانخراط" فى ممارسات غير قانونية وفى ارتكابات غير شرعية. غير أن السمه الملازمة لهؤلاء المهاجرين اينما يحلون ، هى انهم يحملون معهم انتماءاتهم وخلافاتهم وضغائنهم معم .. تماماً مثلما يحملون "غريزة" الحسد من بعضهم بعضاً وتنقسم بلدان الافريقية، بينما هناك بلدان هجرة "جديدة" بينما فرنسة، وبريطانية والمانية وغيرهم من دول أوروبة الغربية، تنامت فيها اعداد المهاجرين العب بشكل كبير.
الا أن "الماجرين" فى هذه الدول لسيوا فى وضع يمكنهم من "تشكيل" مافياوات من النوع الذى يتم فى اميركة، وان كانت كل جالية منهم على حدة ، تشكل "تجمعاً" خاصاً بها يعمل بمعزل عن "تجمع" الجالية الاخرى، كما هو حادث فى بريطانية، وفرنسة ، والمانية (مثلاً) حيث لكل جالية "وجود" اجتماعى، وثقافى وسياسى مستقل غير ان هذه التجمعات تشبه كثيراً "تجمعات" الجاليات فى اميركة، من ناحية أنها "أنشئت" لاستيعاب "القادرين" مالياً، وبمبادرة منهم ، ويسيطر عليها "هؤلاء" ويوجهون كل خطواتها وأعمالها.
أما "الصراع" بين هذه التجمعات فلا يظهر الا فى حقوق النشاطات الاجتماعية وفى بعض النشاطات السياسية، التى تظهر خلالها "الاقليمية" العربية بصورة سافرة..
ويبقى القول ان المهاجرين العرب فى دول اوروبة الغربية باتوا يحسبون بمئات الالوف ، لكنهم لا يشعرون بالاستقرار ، كما فى الاميركيتين، او كندة ، او استرالية ، وذلك بسبب "رواح العداء" والتضيق ضدهم اولاً وبسبب قرب بلدان "الهجرة" هذه من اوطانهم الاصلية مما يزيد شعورهم بأنهم "موقتون" حيث هم.
وهذا عامل مهم فى تحاشيهم الانغاسى فى اعمال غير قانونية داخل هذه البلدان.
واذا كانت المافيا الايطالية التى تزعمها (آل كابونى) قد اوجدت لنفسها دستوراً داخلياً نظم علاقات الاسر والشبكات فيما بينها ووضع خطوطاً حمراء لا تتجاوزها العلائات فيما بينها، فاننا لا نجد فى اوساط الجالية العربية مثل هذه الخطوط، فالنمو السرطانى للآثرياء والزعران والقبضايات طغى على كل القيم والمفاهيم، واصبح هدف الجميع الاثراء بغير حساب لذا انتشرت المخازن الغذائية العربية الكبيرة فى المدن الرئيسية؛ وبدأت تسوق معلبات غذائية فى اوساط الجالية، منتهية الصلاحية، بعد استيرادها من لبنان باسعار متهاودة جداً.. ولم تنفع شكاوى ابناء الجالية وتقارير دوائر الصحة فى لجم هذا الاسلوب العربى الارتزاقى، الذى يتسلح دائما بالقوانين الاميركانية المطاطة، التى تجعل الاثرياء وحدهم دافع الضرائب كبش الفداء دائماً.
صحيح ان لليهود فى اميركة (مافيا) ايضا يسمونها تادبا (اللوبى الصهيونى) ، لكنها لا تعمل فى اوساط اليهود، بل تتحرك ماديا واعلاميا للتأثير على صانعى القرار السياسى فى الولايات المتحدة الاميركية، من خلال التوغل فى النظام الاجتماعى والسياسى والاقتصادى الاميركانى، والاسهام فى تشكيلة بما يخدم مصالحها فى ارض الميعاد.
وفى اوساط الجالية اليهودية، لا وجود للقبضايات والاتاوات وليس بينها حاخام مثل الشيخ عساف والميليشيا المسلحة – ان وجدت – تكرس نفهسا لمطاردة العرب، فتفجر بهم مكاتبهم او تصفيهم بالاغتيال المادى او المعنوى .. وصحافتهم ليس فيها من هم على شاكلة عبد العزيز غريب ومحرره السياسى (سيد عبد العزيز) ولعله من اجل هذا يصول اليهود ويجولون فى اميركة ، فيسترضيهم مرشحو الرئاسة ، ويلبسون – اكراماً لهم – قلنسوة الحاخامات بينما يظل العرب فى ازقة بروكلين وشيكاغو وديربون صرعى لحفنة من الاثرياء والادعياء من (آل كابونى) الجدد