بانكوك مربط خيلهم

مقال نشره أسامة فوزي في العدد 247 من مجلة سوراقيا الصادرة في 9 مايو أيار 1988 وقد منع العدد من دخول الكويت ومعظم دول الخليج العربي وقد كتبه بعد خطف طائرة كويتية من تايلند تبين أن على متنها ثلاثة أمراء من الكويت كانوا يتونسون في نوادي الليل في بانكوك وتبين أن أحد الركاب السعوديين كان قد اخبر أسرته انه سافر إلى مكة لاداء العمرة وتبين انه كان في بانكوك

 

"باى باي لندن" عنوان قد يبدو مجرد لفظه اثاره لمسرحية كويتية تجدذب الجهور ، وقد "جذبت" المشاهد الخليجى فعلا لدرجة ان حكومة شيخ الامارات زايد بن سلطان قررت "تبنيها" وعرضها على نفقتها فى العاصمة "ابو ظبى"!
اذا كان الخليجى قد قال وداعاً لندن ، فهذا يعنى انه اكتشف عاصمة أخرى لـ "الاتبساط و "الانشراح" والليالى الملاح ..
تلك حقيقة ربما كانت طابع "الثمانينات" خليجياً . فالشرق اقرب ، وطعامه اطيب .. وارخص ايضا.
فبعد ان كا ن الخليجيون "يغربون" صاروا "يشرقون" على الرغم من رائحة الكارى والسمك المشوى. وما عاد رب العائلة "يسحبها" مع اقتراب موسم "التصييف" حيث كانت مكفاة النجاح فى المدرسة بطاقة طائرة الى لندن مع المصروف المتعب لـ "الجيب" وفضائح الصحافة البريطانية الحشرية "الحرة" المتعبة للرأس ..
صارت "بانكوك" هى المترجى والامل فى حط رحال الشباب وحتى "الشابات" ايضا فحمامات "باتايا" الساخنة المفتوحة للجنسين ذات جاذبية ، فتقت ذهن مدير الخطوط الجوية الكويتية ومدير طيران الخليج فصارت الطائرات "تشرق" فى "جسر" جوى عز نظيرة فى حروب الشرق الادنى مما جعل "هواة" خطف الطائرات "يشرقون" ايضاً..
فاعطوا الكويت فرصة الانضمام الى "جبهة الصمود" والتحدث عن "نجاح الكويت حكومة وشعباً فى الصمود بوجه عملية خطف الجابرية" كما صرح جابر الاحمد الصباح حاكم الكويت لمجلة "الحوادث" (29/4/1988).!!
مع ان ازمة الطائرة الكويتية (الجابرية) انتهت على الصعيد الرسمى بالنسبة الى الحكومة الكويتية، الا ان مضاعفات هذه الازمة بدأت بالنسبة الى الشارع الكويتى بتساؤل تطرحه "الجماعات الاسلامية" فى الكويت وهو : ماذا كان يفعل الامراء الكويتيون الثلاثة فى مدينة بانكوك، عاصمة تايلند، واحدى اهم مراكز الانشراح غير البرئ فى العالم؟.
فمن اصل عشرات الركاب لاكويتيين الذين كانوا على "الجبارية" عرفت اسماء ثلاثة امراء هم: فاضل خالد الصباح وابتسام فاضل الصباح وانوار خالد الصباح – وهذه الاخيرة وجهت لأمير الكويت رسالة تطلب فيها منه الافراج عن السجناء فى مقابل الافراج عن الرهائن – وقيل يومها ان امير الكويت وجد نفسه فى (ازمه) عائلية قد تهدد كرسية وامارته اذا لم يعالجها بروية، عندما مارس آل الصباح – من نسل خالد- ضغوطاً شديدة على الامير. وافهموه فى احدى مراحل الحوار العائلى حول الازمة ان سلامة اولادهم الثلاثة تاتى فى المرتبة الأولى وقبل اى هموم وكرامات "حرص" عليها الامير ومورست الضغوط من باب ان مثل هذا الكلام قد يسوق فى اطار الجماهير .. ولنه لا يجد قبولا فى اوساط العائلة التى تتبادل المراكز .. وفقاً لناموس اوصل جابر الى سدة الحكم، وهو الناموس نفسه الذى يسعزله ان فرط بارواح ثلاثة من ارماء العائلة!!.
وقد ظهر ان الامراء الثلاثة لم يكونوا فى تايلند بمهمة رسمية، وليس بين تايلند والكويت علاقات تاريخية، كتلك التى تقوم بين الكويت والهند أو الكويت وبريطانية ، وتبرر توجه الكويتيين الى هاتين الدولتين زرافات ووحدانا بحكم العلاقة الاستعمارية القديمة التى ربطت بينهما والتى جعلت اللجهات (الاوردية) تغلب على اللهجات العربية فى لغة التخاطب اليومى فى الشارع الكويتى، ومن ثم فان للرحلات المكوكية التى تقوم بها الطائرات الكويتية العملاقة الى بانكوك اسباباً اخرى، ترتبط فى مجملها، بانفتاح العاصمة التايلندية واحتوائها على وسائل اللهو المحرم التى تنافسها عليها المدينة السياحية الاخرى المعروفة باسم "باتايا".
بالتأكيد لم يكونوا سواحاً .. فليس فى بانكوك ما يغربى للسياحة و (طقسها) لا يختلف عن (طقس) الكويت من حيث الحرارة المرتفعة والرطوبة القالتلة ولس فيها من معالم تاريخية، الا معبد بوذا ولا اظن ان امراء الكويت الثلاثة قطعوا آلاف الاميال لمجرد رؤية صنم من حجر يعبده (الاخوة) فى تايلند !!
و بالتأكيد لم يكونوا طلاب علم ، فجامعات تايلند ليست من بين الجامعات المرغوبة الطلبة الدراسات الجامعية العربية فما بالك بالامراء والشيوخ الذين يسهل عليهم هذه الايام ان يحصوا على شهادة الدكتوراه وهم فى قصورهم نيام!!
وتايلند هذه – كما تعرف – مملكة ، يبلغ عدد سكانها اربعين مليون نسمة اكثر من 70% منهم من النساء وكانت تعرف من قبل باسم (سيام) وهى تقع فى جنوب شرقى اسية ما بين بورمة فى الغرب وكمبودية فى الشرق ولاويس فى الشمال. ويفصلها عن فيتنام كل من لاوس وكبمودية والديانة الشائعة فيها هى البوذية . انما لا وجود لعوامل دينية او جغرافية او سياسة أو اقتصادية تبزر هذه العلاقات الحميمة بين الكويت وتايلند، والتى جعلت الدينار الكويتى عمله تداول يومى فى بانكوك ويعرفه الناس هناك اكثر من (البات) وهو اسم العملة التايلندية.
ومع ان تايلند استسلمت للغزو اليابنى فى 8 بريطانية والولايات المتحدة ، إلا بعد هزيمة اليابان انضمت الى الجبهة الغربية واصبحت احدى دول حلف جنوب شرق آسية وحلت على مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة وبالتالى فانها تكاد تكون الدولة الوحيدة الموالية المتحدة وبالتالى فانها تكاد تكون الدولة الوحيدة الموالية للغرب ولاميركة فى تلك المنطقة وهذا يفسر سر اتخاذها محطة استراحة للجنود الاميركان خلال حرب فيتنام، حيث كانت بواخر "العم سالم" وسفنه الحربية العملاقة تتوقف فى خليج سيام قبالة مدينة (باتايا) الساحلية ، لنقل الجنود الاميركان الذى يقضون اجازاتهم فى تايلند وكان هذا سبباً فى انتشار ظاهرة البغاء فى البلاد، وتحولها الى (دخل) قومى ترعاه الحكومة وتشجعه، وادى اهتمام الصحف التايلندية بنشر اخبار واعداد الجنود الزائرين الى تسيب طالبات المدارس والمراهقات واحترافهن الرذيلة لتأمين لقمة العيش من ناحية ولادخال السرور على نفس الجنود المتعبين.
بعد انتهاء الحرب الفيتنامية اصبحت ظاهرة البغاء من المعالم السياحية فى تايلند، وأصبحت مئات الالوف من النساء يحترفن هذه المهنة ويدخلن الى ميزانية الدولة الكثير من العملة الصعبة. خصوصاً ان نظام الحكم الملكى الذى تعرض لأكثر من انقلاب عسكري فى الاعوام 1947 و 1957 و 1958 استنزف خيرات البلاد وثرواتها الطبيعية. بعد ما كانت تايلند السابعة من حيث الانتاج العالمى .. ومن الدول الاولى فى انتاج المطاط والدولة الثالثة فى العالم المتنجة للقصدير والزئبق.
اتجهت تايلند الى العالم العربى. وبالتحديد نحو دول الخليج، فاعطت وكالات السفر السياحية – المملوكة للشيوخ والامراء – صلاحبها واسعة واسعاراً سياحية لا تنافس ، وتشيدت لشركات الطيران الخليجية مكاتب فى بانكوك تفوق فى حجمها مكاتب ونواديها لرؤوس الاستثمار الخليجى، فاذا بمدينة (باتايا) الساحلية، التى كانت فى الستينات (ماخوراً) للجنود الاميركان تصبح مدينة عربية ، فالاسماء فيها عربية والبافطات والاطعمة كلها ذات طابعة خليجى واصبحت (الدشداشة) علامة مميزة فى الحانات والمواخير والفنادق ودور اللهو التى يتملك اكثرها الان اخوة من الخليج الشرقى ونخص بالذكر الكويت والامارات.
هذه العلاقة "السياحية" بين الكويت .. وتايلند، كانت محور حديث وهمسات رجل الشارع الكويتى خلال اختطاف الطائرة الكويتية الآتية من (بانكوك)، وزاد فى هذه الهمسات اكتشاف ان ثلاثة من امراء الاسرة الحاكمة كانوا على متن الطائرة ومن بين الثلاثة اميرتان كان سفرهما الى بانكوك مثار العجب والتساؤل.
كانت السعودية قد اصدرت قانونا بمنع من هم تحت سن 21 سنة من السفر فى اجازات خاصة خارج البلاد – خصوصاً فى شهر رمضان – الا بموافقة ولى (بانكوك) كانت مقصودة بهذا القرار . خصوصاً بعدما كشفت احدى الصحف السعودية عن وجود 174 حالة "ايدز" فى المملكة فضلا عن انتشار وبائى للامراض الجنسية فى دول الخليج الشرقى عامة وهو الانتشار الذى ملا جريدة "الشرق الاوسط" السعودية اللندنية باعلانات عن عيادات (بخش) السعودية، تبشر فى معظمها المواطنين العرب بوصول الدكور الفلانى من خبراء البروستات، او الدكتور العلانى من خبراء "السيلان" وامراض الجهاز البولى والتناسلى، بلى وجعل مجلة "المجلة" التى تصدر فى لندن عن مؤسسة الشرق الاوسط ذاتها تبشر فى احد اعدادها باكتشاف حلول لأمراض العجز الجنسى !!
هذا عدا عن الصفحة الاخيرة فى جريدة الشرق الاوسط، التى لا تكاد تخلو من خبر عن "الايدز" ، ومثلها جرائد الكويت والامارات، حتى ظهرنا للعالم كله وكاننا مصابون بوباء الامراض الجنسية وطاعون الشهوة المحرمة!!
السعودية – كما قلنا – بادرت بامتصاص النقمة، والحد من الظاهرة ، عندما اصدرت القانون المذكور، امام الكويت فلم تبادر واصبح الحديث عن سفر الكويتيين الى الخارج موضوع تنذر فى الشارع الكويت، حتى ان المسرحية الكويتية (باى باى لندن) التىى تعرض هذه الظاهرة بالتفصيل ، حققت رواجا منقطع النظير فى دول الخليج، سواء على خشبة المسرح او فى شاشات التلفزيون الامر الذى جعل وزارة الاعلام فى الامارات تتبنى عرض المسرحية فى (النادى السياحى) فى العاصمة (ابو ظبى) على نفقتها مع العلم ان موضوع المسرحية يتخلص فى ان الخليجين يذهبون الى لندن من اجل اللذة المحرمة.
وكان من نتائج العزوف الكويتى عن التشبه بالسعودية فى قانونها الوقائى. ان ازدهرت حركة السفر باتجاه لندن فى الغرب. وباتجاه بانكوك فى الشرق التى اكتشف بها لاكويتيون ميزة مهمة عن لندن، انها بعيدة عن عيون الفضوليين الذين يحشرون "انوفهم" فيما لا يعنيهم فضلا عن كونها مدينة مفتوحة، الاستثنائى عن الاخيرين فيما عادى جداً، لا يلفت النظر ولا يثير الشبهات.
وهكذا تحولت بانكوك إلى "مربط خيل" للثرى والاقل ثراء من هواة البحث عن "المغامرة الحرة" من اهل الامارة النفطية الصغيرة. فى الخليج الشرقى فالكل فى حب "المغامرة الحرة" كويتيون .. وحتى وإن انتموا الى العائلة الحاكمة .