الجالس فوق البركان
شارك في كتابة هذا التحقيق اسامة فوزي وغسان زكريا وسامي الحاج

سوراقيا العدد رقم 246 الصادر في 2 مايو 1988

 

كان ممكناً أن يظل أمير أو ملك " الترانزيت " على عرش إمارة " الترانزيت " إلى أن تعود إلى سورية خاصرتها الجنوبية… ولكن الأقدار ندبته لمهمة " ترانزيت " سياسي ، لنقل " كامب ديفيد " إلى العرب أو نقلهم إليها .. في عصر " فابيوس " القرن العشرين العبراني ، الذي ظل يضرب جناح الميمنة وجناح الميسرة قبل أن يتوجه إلى القلب ، إلى القدس غير بعيد عن دمشق … أو حتى بغداد .
حينذاك صار الأمير مليكاً على عاصمة التلال كـ "روما" ولكن بعد أن هزم قيصر بعد أن غز أن يتوافر فرسان كيوسف العظمة ،وحومة وغي كميسلون.
وهكذا تمكن رجل " المبادرات" بعد أن لونوا إمارة جدة الصحراوية " التزانزيتية " بلون ضفة النهر المقدس الغربية الأخضر يجود الزيتون والبرتقال ، تمكن أن يجمع رجل عاصمة الأمويين مع رجل عاصمة العباسيين مع شيوخ الجزيرة والخليج اللاهثين للعودة إلى ضفاف النيل وليالي الأنس والنخيل " بمباركة " " أمير المؤمنين " المغربي وحضور رئيس بلد لمليون شهيد .
جميعاً انتشروا على تلال عمان غير بعيد عن ساحات العز في اليرموك وعين جالوت وحطين . وازدهى الحسين بن طلال بمهمة " المكوك " الذي جمع المتناقضات في فندق "البلازا " ناسسياً وغافلاً أنه الجالس على البركان .
ليس لأنه أكبر سناً ، ولكن لأنه الأطول جلوساً على العرش (35عاماً) صار " عميد " الحكام العرب وربما لأنه الأكثر تعرضاً لمحاولات الاغتيال والأكثر نجاة منها (عشرون محاولة ) ولأنه على الأغلب الأكثر إمساكاً بأوراق اللعب .
هو طيار مع الطيارين حافظ الأسد وحسني مبارك ، وهو مدني متعسكر مع صدام حسين ، هو مليك ( هاشمي ) ممتد النسب مع الحسن الثاني ، وهو سليل مليك (جد) حاول توحيد دويلاته قبل أن تولد مثلما هو العاهل فهد بن موحد الجزيرة الملك عبد العزيز .
على الرغم من مقولة النسب صعوداً إلى ( آل هاشم ) كانت اثنتان من زوجاته "الملكات" الأربع غير عربيات، واحدة بريطانية وواحدة أميركانية فخيب مقولة جده عبد الله الذي قال يوم ضم الضفة الغربية إلى إمارته " أنه هو الحسين بقية البقية وآخر الصفوة من بني هاشم ".
وعلى الرغم من أن الأقدار أزاحت جده عبد الله بن الحسين شريف مكة عن الكرسي (اغتيالاً) وأزاحت أياه طلال بن عبد الله ( انهياراً نفسياً ) ، جعل من كرسيه القابع على بركان " برداً وسلاماً " ، بالتزلج على الجليد ، وعلى الماء ، وبركوب موجات الأثير لا عبر إذاعة عمان وحسب ، بل وعبر أجهزته الإذاعية الخاصة التي جعلته أشهر هواة " الراديو " .. وعبرها سمع العالم بالملك الجامع للمتناقضات . الجاعل من دولة " الترانزيت " دولة مواجهة ومبادرات .
حين أنحدر أبناء " الذوات " الإنكليز من على تلال هارو غرب لندن في عصر يوم من نيسان ( أبريل ) عام 1952 وهم خارجون من مدرستهم الشهيرة ـ التي درس فيها تشرشل ـ كانوا منبهرين بـ " البرنس " الـ " نوتي بوي " الذي سيصير ملكاً وهو دون السن القانونية.
الاسترسال بالتسلسل يجعل من هذه العجالة مجلداً ، ولا بد من اعتماد طريقة " العد العكسي " كأقصر الطرق لرسم دور الحسين بن طلال وموقعه اليوم على عرش البراكين .
في الثامن من تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي ، حين اجتاز العاهل الأردني ـ الثالثة والخمسين من عمره ـ قضى أربعاً وثلاثين منها في الحكم ـ كانت قمة غير عادية تنعقد في عمان ، وفيها ومن أجلها كان كل ما قام به الحسين غير عادي … قيمة عربية " منتظرة " في فندق " بلازا " ، وليس في قصر " زهران " أو قصر "بسمان".
أقام الحسن الثاني " أمير المؤمنين " المغربي في بيت سفيره ، وأقام الرئيس حافظ الأسد في قصر رجل الأعمال ميشيل مارتو ، وأن قام صدام حسين في منزل رئيس مجلس الأعيان أحمد اللوزي ، وأقام الأمير عبد الله بن عبد العزيز في منزل السفير السعودي محمد الفهد العيسى .
ولم يكن في ذلك خرق لـ " بروتوكولات " المؤتمرات ، بافتراض أن الإقامة اختيار من حق الضيوف مثلما كان من حقهم جميعاً اصطحاب " طباخيهم " معهم وقد فعلوها جميعاً.
خرق " البروتوكول " كان بمسارعة الحسين بن طلال لمعانقة ضيفه ولي العهد السعودي قبل دخوله المقصورة الملكية مع نظيره ولي العهد الأردني الحسن بن طلال . وقد علق الصحافيون يومئذ بأنها " لفتة " ملكية لأهمية الدور السعودي ، ولمكانة ولي العهد السعودي .
وخرق البروتوكول مرة ثانية حين كلف وزير الشئون الاجتماعية الأردني باستقبال عرفات ، وحين حرد " الأخير " وتابع طيرانه إلى الكويت ، أعلم بأن زيد الرفاعي رئيس الوزراء سيكون في الاستقبال ، وعاد عرفات في اليوم الثاني ، ولكن لم يكن في استقباله زيد بن شاكر القائد العام للقوات الأردنية على الرغم من أن عرفات هو القائد الأعلى للقوات الفلسطينية.
ولم يكن خرقاً لـ " بروتوكول " سد عجز النقص في السيارات حين أرسل الحسن الثاني المغربي مع ابنه وولي عهده 80 سيارة مرسيدس سوداء ، وفعل شيوخ الخليج شيئاًً من هذا ، ولا داعي للسؤال عمن سدد فاتورة تكاليف المؤتمر التي بلغت 27 مليون دولار ليست كلها بالطبع أجرة فندق " بلازا " ، وما شابه ذلك ، فثمة عشرة آلاف جندي اردني انتشروا على تلال عمان لحراسة " القمة " فاصبحت عمان منطقة "حمراء" محزمة .
قيل ان " القمة " عقدت دون جدول أعمال ولذلك كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية وأخيراً فلسطين والحلول الاستسلامية الآتية على صهوة جورج شولتز وزير الخارجية الأميركاني .
قبل ذلك كان الحسين قد أعاد علاقته مع مبارك في أيلول (سبتمبر)1985وبذلك أمكنه دعوة سفير مصر في الأردن لحضور حفل افتتاح القمة.
وفي السابع والعشرين من أبريل نيسان 1987 كان قد جمع الرئيس حافظ الأسد مع الرئيس صدام حسين في الصحراء الأردنية وحصل على موافقتهما على حضور القمة، وفي الثالث والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي استأنف علاقاته مع القذافي .
الحسين بن طلال لا ينسى ولا يبعد " اللمسات" العائلية والشخصية في العلاقات السياسية ، والناس لا ينسون " قمة الأبناء المصغرة " في عمان في العاشر من آب (أغسطس) الماضي وزفاف فيصل "النجل " الثاني للحسين على عالية ابنة رجل الأعمال الأردني (السوري الأصل) توفيق الطباع .
وحضور الحسين بن طلال " العائلي " والشخصي منتشر على الساحة الدولية أيضاً . فحين ظلت أقنية التلفزيون البريطاني تردد قصة السرقة المذهلة لقصر ومجوهرات زوجة تاج الدين الحجار رجل الأعمال والتأمين السوري وصديق العاهل الأردني وحامل جنسيته ، رددت أيضاً قول الحسين بأنه يتمنى التقاعد في ذلك القصر إذا حل يومه .
الجنراب غلوب "باشا" مؤسس الجيش الأردني " واشبين " الحسين السياسي شهد له بالجاذبية ـ في مذكراته ـ بقوله : في نيسان (أبريل) 1953 عاد الحسين ابن الثمانية عشر عاماً إلى عمان … حداثه سنه وشبابه الموفور قرباه إلى الشعب… وخلال ثلاثين عاماً كان الأردن يتمتع بأجمل أوقاته لأن الجيش كان مسانداً للعرش الهاشمي " .. ويتابع غلوب باشا وكنت أشجعه على زيادة الضباط
"أجمل الأوقات" بدعم الجيش كانت مغلفة برداء " ديمقراطية " لا تنقصها اللمسات الإنكيزية " التي تلقاها الحسين في مدرسة " هارو " الارستقراطية في لندن ، ولم يكملها هناك . لأن حاله والده طلال النفسية تفاقمت وهو " السهل التعامل " في أوائل الأربعينات .. وهي السن المناسبة كي يحكم كملك كما يقول " غلوب باشا " كان ذلك في نيسان (أبريل)1952 ، وفي الحادي عشر من آب (أغسطس) من ذلك العام دعى "البرلمان" إلى جلسة سرية لخلع طلال وتعيين مجلس وصاية على " الحسين بن طلال" الذي عاد من مدرسة هاروو إلى عمان في الخامس والعشرين من آب (أغسطس) وبما أن عمره كان سبعة عشر عاماً فقد أوفد لإكمال "رتوش" الحكم بدورة مكثفة لمدة ستة أشهر في "ساند هيرست " العسكرية البريطانية الشهيرة"
وفي نيسان (أبريل) 1953 تسلم العرش رسمياً بعد أن بلغ الثامنة عشرة ولكنه لم يكف عن ولعه بالطيران الذي حذر " غلوب باشا " من مخاطره أمام " الملكة الوالدة " .. إلا أن الشاب لم يتعظ وظل يطير حتى نال " إجازة طيار" وانتقم من مجلس الوزراء (الوصي) فحمله في طائرته و"قلبه" في أعمال بهلوانية ألقت الرعب في قلوب الوزراء ، ومنذ تلك "الحفلة " لم يعد مجلس الوزراء يتجرأ على تقييد حرية الملك في الطيران أو في السياسة .
في أول سني حكمه غزاه " الجراد " وكاد يحدث مجاعة ، فوظف الجيش الأردني لمكافحة الجراد ، ثم صارت سنة الجيش يكافح كل أنواع الجراد ، حتى الإنساني .
ولا خيار له فشرق نهر الأردن قطعة من البادية الشامية محدودة الخصب بدوية السكان ، كان من المفروض أن تكون جزءاً من الدولة السورية التي نصت اتفاقية سايكس ـ بيكو على إنشائها ، وقد حررها فيصل بن الحسين 1916 ، فصارت قطعة من مملكته التي قامت في دمشق في الثامن من آذار (مارس)1920 لكن في مؤتمر تقسيم مناطق الانتداب في (سان ريمو) جعلتها بريطانيا في حصتها لتقوم سداً في وجه المملكة العربية السعودية وتكون صلة الوصل مع العراق والخليج الشرقي.
ولما تقوض عرش دمشق لم تسارع بريطانية لاحتلالها لأنها أرض موات بل بشرتها بالاستقلال في تموز (يوليو)1920 وجعلتها تخضع لحكومات أربع منفصلة عجلون ـ اربد ـ عمان ـ السلط ـ وكلها تخضع لإدارة المندوب السامي في القدس ، غير أن هذه الأرض الموات هيأت لبريطانية فرصة التعويض عن عهودها المنكوثة مع الهاشميين فأنشأت فيها أيلول (سبتمبر)1922 ، عينت بريطانية حدود الإمارة ، وبعث بمعتمد على رأس كتلة من المستشارين أهمهم "غلوب باشا" ولم يستفد الأمير عبد الله من زيارته للندن 1922 أكثر من التسويف إلى أن حصل على اعتراف بريطانية الرسمي بالإمارة تحت رئاسته في تصريح 24 آيار(مايو)1922.
أثر ذلك قامت الثورة الشعبية فتلقى الأمير عبد الله إنذاراً بريطانياً بتسليم البريطانيين كل شئ وحتى إدارة الشؤون المالية والوزارة يتولى أهم ثلاث منها موظفون بريطانيون .
وفي 20 شباط (فبراير)1928 عقد معاهدة مع بريطانية أفقدته السلطة تماماً ثم وقع بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن ورثته وخلفائه (من بعده) على اتفاقية وتعهد بصيانة طريق حيفا ـ بغداد المار بشرق الأردن ، الذي سير الإنكليز عبره الجيش لخنق ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق سنة 1941. وقبض ثمن ذلك في اتفاقية لندن 22 آثار (مارس) 1946 ، واعتمد يوم استقلال الأردن يوم 25 آيار (مايو) وفق النظام الملكي وأعلنت البيعة للملك "عاهل" المملكة الأردنية الهاشمية ، التي شجعت على إقامة مشروع "سورية الكبرى " مما أثار غضبة الشعب واغتيل الملك عبد الله عام 1951 وكان حفيده الحسين بن طلال إلى جانبه.
ظل هاجس ذلك المشروع يراود الحسين على الرغم من ضم الضفة الغربية الفلسطينية إلى مملكته ، وإلىذلك الهاجس ، يعزي مشروع " المملكة العربية المتحدة " التي أراد بها أن تصبح دولة " الترانزيت " دولة زراعة وتجارة ، بعد أن نجح في منع الفلسطينيين من جعلها دولة مواجهة وتحرير في أيلول (سبتمبر) الأسود 1970 وبخروج منظمة التحرير وفصائل المقاومة من عمان ، خلا الجو للحسين بن طلال كي يكون رجل الدبلوماسية والأعمال معاً .
ساعدته هواية الراديو على فهم آلية وتأثير الإعلام فمد خيوطه بنعومة وذكاء فحين زارته في منزله اللندني السيدة أمية اللوزي وارثة مجلة " الحوادث " بعد مصرع زوجها سليم اللوزي بفترة قصيرة أشار عليها أن توظف أحد عسكرييه المتقاعدين المعروفين بالولاء لـ "العرش" وصداقتهم لمؤسس "الحوادث " ليبقى بجانبها ويرد عنها عاديات الأيام ، وأشار على اللواء المتقاعد شفيق جميعان الذي كان ملحقاً عسكرياً أردنياً في بيروت ، ثم في واشنطن بعد أن عارض منظمة التحرير فطردته من بيروت … أشار عليه أن يطير من سفارة واشنطن إلى الإدارة العامة لـ "الحوادث " ويستمر في خدمة " المليك " إعلامياً.
هذه الممارسات صقلت خبرته الإعلامية ومكنته بعد ذلك من تأميم الصحف الأردنية في الثامن عشر من آذار (مارس) 1986 ( الرأي ـ الدستور ـ صوت الشعب ـ الجوردان تايمز ) ظاهرياً طرح أسهمها للجمهور …عملياً أمر مؤسسة الضمان الاجتماعي وصندوق التقاعد والشركات العامة بامتلاك غالبية الأسهم .
بعد ذلك حل رابطة الكتاب في التاسع عشر من حزيران (يونيو) من العام نفسه … لماذا ؟
لأن معظم الأعضاء الثلاثمائة ليسوا كتاباً كما ذكر مدير إدارة الثقافة والفنون الأردني الذي أعلن النبأ ، وأفاض بأن بعضهم كان يستخدم الرابطة لممارسة أنشطة سياسية وهذا أمر محظور ! !
في الواقع جاءت تلك الخطوات لكم أفواه رجال القلم مبعد شهر واحد من أحداث جامعة اليرموك الدموية حيث كطالب طلبة الجامعة لمحاكمة المسؤولين عن المجزرة .
ولكن بعد أن اختار منبراً دولياً لتحذير الولايات المتحدة من نتائج تصلبها فألقى خطابه الشهير في " الكورتيس " مجلس النواب الأسباني في السادس والعشرين من آذار (مارس)1985 وقال فيه : " أن عدم تجاوب تل أبيب وواشنطن مع جهود السلام المبذولة في السنوات العشر الأخيرة زعزعت ثقة شعوب المنطقة بجدوى حل النزاع بالطرق السلمية وتزعزت بذلك قوى الاعتدال !! .. ثم تساءل :
" هل ستسدد الضربة القاضية لهذه القوى ؟ !!
بهذه الصرخة حدد الحسين بن طلال مهمته كعراب لقوى الاعتدال ، يجذب اليسار إلى اليمين ، ويجذب اليمين إلى اليسار ، وهكذا صار " العاهل " مقبولاً في العواصم كلها .
في حفل تخريج أبنه فيصل من جامعة " براون " الأميركانية وقف الحسين محاضراً ليتحدث عن فرص السلام ويقول : " الظرف الحالي يشكل الفرصة الذهبية الأخيرة "و " يجذب وضع قطار الأزمة على سكة ا لحل من خلال وقوف واشنطن ولو مرة واحدة في تاريخها موقفاً غير متساق خلف (إسرائيل) " !
رد جورج شولتز وزير الخارجية الأميركاني في الواحد والثلاثين من آيار (مايو)1985 " البيانات التي أدلى بها الملك حسين في واشنطن مشجعة تماماً وتنطوي على تقدم نحو السلام ويجب أن تحمل على محمل الجد ".
منذ ذاك اليوم ، وحتى مطلع عام 1988 حتى يومنا هذا … ما يزال شولتز يحمل كلام الملك حسين محمل الجد ، أم العكس هو الأصح ؟ !
لغة الانفجارات التي علت في العاصمة الأردنية هذا الشهر ، تفرض حملها على محمل الجد أكثر. فهي تجري وسط المؤسسات الرسمية التي يفترض أن الولاء لـ " العرش " يشمل كل ما فيها مائة بالمائة .
الرئيس حافظ الأسد كان من أكثر الذين حملوا الأمر على محمل الجد مائة بالمائة ، لذلك كان أول من عرض على الملك حسين إرسال وحدات مدرعة إلى الأردن معززة ببطاريات صواريخ أرض ـ جو وفق تصريح لمصدر وثيق الإطلاع في دمشق . وعللها بمخاوف العاهل الأردني من متاعب يسببها الأميركان بوساطة الإسرائيليين !! للضغط باتجاه قبول خطة وزير الخارجية الأميركاني شولتز لاسيما فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة .
من هذا المنظور يصبح تسخين الأجواء الداخلية مقدمة لتسخين الحدود ، وذلك بدوره يكون مقدمة لحل يفرض عبر التلويح بالسيف !!
من جانبه رحب الحسين بالعرض السوري ولكنه أثر التريث ، كي يفرغ من معالجة ما يسمى بـ " تماسك الجبهة الداخلية الأردنية " .
ولكن إذا تذكرنا مقولة " غلوب باشا " عن ولاء الجيش ، وذكرنا " الانصهار الفلسطيني في بوتقة الانتفاضة " أدركنا أن الحمم المتعالية من عمان ، هي معالم بركان ولكن ليس قيد الانفجار لتوه ، فعرب ما بعد قمة عمان والارتماء في أحضان " كامب ديفيد " هم غير عرب ما قبلها ، وإلى أن تتوضح أبعاد " التسخين " داخلياً أم خارجياً ، يظل الأمر في عداد نقلة " ترانزيت " مبرمج لفاطرة " التخدير " السلمي وسيظل في إطار وصفة "التخدير" هذه ما دامت الاستراتيجية الصهيونية ثابتة على إغلاق جبهة مصر عبر " كامب ديفيد " وإبقاء جرح الشرق القديم مفتوحاً كحل وحيد يتلافى ترهل المجتمع " السبارطي " العسكري الإسرائيلي ، إلى أن يحل موعد قضمة أخرى من الأرض أو من المكاسب الاقتصادية والسياسية ، وبغير ذلك لا تستقيم مقولة " من الفرات إلى النيل المنقوشة على واجهة الكنيست الإسرائيلي ". إلا أن الملك حسين لا يستطيع التخلي عن " التحرك " فهو و سرقوتة كما لا يستطيع التخلي عن " الأمل " فهو سر إقدامه وجرأته . ولهذا يناور بحرية ويعلن أفكاراً جريئة مثلما وقف أمام كبرى شبكات التلفزيون الأميركاني في الأسبوع الماضي صارخاً : " أنني لآ أثق بالولايات المتحدة كوسيط بين العرب والإسرائيليين " بل زاد في التشكيك برغبة واشنطن السعي لسلام عادل وشامل في المنطقة ، ولكن هذا لا يعني أن العاهل الأردني ، جرد ولن يتعامل مع شولتز أو يزور الرئيس ريغان أو خليفته ، على العكس ما يزال يصر على أن على الولايات المتحدة أن تضغط على " إسرائيل " لتغير سياستها .
وكل ما هو مطلوب من العرب هو الانتظار والصبر ، فالحسين يتحرك وهو الجالس على البركان " .