الــهـــامـــور

مقال أسامة فوزي الذي نشرته سوراقيا كموضوع غلاف في عددها رقم 225 الصادر بتاريخ 7 ديسمبر 1987

 

مهدى التاجر يدير "إمبراطورية" مال وأعمال بأقل دعاية. أقل ظهور أقل صحافة اقل تلفزيون. لذلك نعود فى "سوراقيا" للـ "التاريخ" لهذا الرجل الذى كان- ولا يزال رغم اعتزاله – عقلا اليكترونيا للشرق الأدنى إلا أن أهمية "امبراطورية " مهدى التاجر لم تكن مالية يوما أنها إمبراطورية "السياسة" و "الدبلوماسية" وفن "العلاقات العامة" بين الدول (والأفراد) التي حققها فاهتزت يوم تقاعد يوم أقيل أو يوم استقال..
"الهامور" من أسماك البحر المعروفة. قد تكون للفظه من الكلمة الفضيحة "الهمر" أي الغليظ السمين" ويقابلها فى اللهجة المصرية – القطط السمان، وهو اللقب الذى يعرف به أثرياء الطفرة فى مصر و "الهوامير" فى الإمارات هم الفئة الثانية – بعد الشيوخ والحكام – من حيث الثراء والاكتناز و "لطش" أموال الش عب. وفى المثل الش عبى أن مثل "الهامور جالس فى البابه" أي مثل سمك الهامور الذى يسد باب (الكركور) وهو القفص الحديدى الذى يستخدم فى صيد الأسماك – فإذا دخل فيه الهامور أغلقه لكثرة لحمه وشحمه ومنع بالتالى صغار السمك من الدخول إليه ومع ذلك فقد تفلت فى النهاية وتهرب فهي إذن لا تصاد ولا تسمح بصيد أخر أنها – بلنسبة للصيادين – نذير شؤم وهى ف ى المصطلح التجارى كناية عن الأثرياء الذين يكتنزون لحما وشحما دون أن يستفيد منهم أحد.
مهدى التاجر الرجل القوى فى دبى الذى فتحنا ملفه أكثر من مرة هو أشهر "هوامير" الإمارات وأخطرها لأنه جمع بين النفوذ المالى والثراء والنفوذ السياسي فهو – كما قلنا من قبل – الحاكم الفعلى لدبى وراسم السياسة الداخلية والخارجية لها وهو رجل (المصادمة) فى أزمة عام 1979 التى انتهت بإصدار دبى لمذكرة شجب شديدة اللهجة أدانت فيها شيوخ أبو ظبى. وقد انتهت تلك "المعمعة" كما نعلم – بانتصار دبى السياسى على "مذكرة" أبو ظبى وبتولى حاكم دبى كرسى رئاسة الوزراء وبتصفية مراكز النفوذ ف ى الحكم مثل وزير التعليم عبد الله عمران تريم ورئيس المجلس الوطنى (البرلمان المعين) تريم عمران تريم وهما – حاليا – أصحاب جريدة الخليج ومن هوامير الشارقة المعروفين .
الحرب بين الهوامير سجال فكل "هامور" يريد أن يستأثر بالسمك الصغير لنفسه فكل "هامور" يريد أن يستأثر بالسمك الصغير لنفسه وهو يسعى من أجل ذلك إلى رفع كل الشعارات وطنية ورجعية اتحادية وانفصالية فلسطينية وإسرائيلية عراقية وإيرانية طالما أن هذه الشعارات توصله إلى حسم صراعه مع خصومه من الهوامير المعادية أو المنافسة.
مهدى التاجر هامور دبى القوى المتوج أطاح بأولاد تريم هوامير الشارقة المدللين. المقربين لشيخها حاصرهم فى مراكزهم فصفص عظامهم حملهم مسئولية الفوضى التي عمت الإمارات فى عام 1979 مراكزهم شرطاً أساسياً لتصالح دبى مع أبو ظبى والشارقة.
هوامير الشارقة لم يرضوا بالهزيمة، أصدروا جريدتهم (الخليج) ورفعوا فيها نبرة نقدهم للحكومة ورموزها ما فى الوقت نفسه الذى حافظوا فيه على جسورهم مع الشيوخ. ظلوا وحدهم يصدرون ملاحق ملونة عن زايد بن سلطان حتى صحف الحكومة لم تفعل ذلك هم فعلوا طالما أن صراع "الهوامير" يتطلب تحييد "الحيتان" ولما تمكنوا من خصمهم كالوا له الصاع صاعين أبرزوا فى جريدتهم فضيحة اكتشاف السلطات الانكليزية لشحنة كبيرة من المخدرات كانت معنونة باسم سفارة الإمارات فى لندن عادوا وزادوا فى نشر هذه القصة والتعليق عليها ذكروا مهدى التاجر بالمبادئ والقيم وسنن الأنبياء والصديقين حتى ليظنهم المرء أورع من الشيخ شعراوى واتقى فى الشيخ الخزرجى وزير أوقاف الإمارات وصاحب فندق ستراند أهم موزع للخمور فى "أبو ظبى".
استفردوا بمهدى التاجر مرة ثنية فى عدد (الخليج) الصادر ف ى 19 نيسان (أبريل) 1986 تشقوا به فى زاوية بعنوان (مؤتمر السفير) ذكروه أنه (مقال) من منصب السفارة أنه من أكبر المستثمرين والملاك فى بريطانية طالبوه بمقاطعة الانكليز لن الطائرات الأمريكية المغيرة على ليبية، انطلقت من بريطانية بطبيعة الحال لم يشيروا إلى استثماراتهم هم أنفسهم فى بريطانية وإلى شققهم وقصورهم فى لندن التى لا يصيفون إلا فيها هجومهم على مهدى التاجر لم يكن غير حلقة جديدة فى صراع "الهوامير".
الإمارات تغص بهوامير من هذا الطراز وكلهم يمتلكون صحفا ووسائل إعلام واتصالات وبنوك وشركات مقاولات ومصانع ووكالات من كل حدث وصوب أولاد الغرير – على سبيل المثال – من أكبر هوامير دبى فإلى جانب امتلاكهم لمركز الغرير – أكبر تجمع سكنى وتجارى فى الشرق الأوسط – يحتكرون صناعة الأسمنت فى الإمارات من خلال امتلاكهم لشركة الأسمنت الوطنية المحدودة التي تأسست عام 1968 برأسمال قدره 23 مليون درهم وتنتج سنويا 750 ألف طن مترى ويمتلكون شركة للألمنيوم عمرها الآن أكثر من عشرين سنة ولهم أيضا شركة انتاج صناديق الكرتون المموج ويمتلكون شركة مطاحن الدقيق الوطنية ورأسمالها يزيد عن مائة مليون درهم عدا عن شركة مساقى للمياه المعدنية التي تنتج ثلاثة ملايين صندوق سنويا هذا عدا عن الوكالات التجارية والعقارات والاستثمارات فى أوروبة والتي تكاد لا تحصى.
أولاد الشيراوى – عبد الله وإبراهيم – هم أيضا من هوامير الإمارات المعدودين شركة الألمنيوم التى يمتلكونها تنتج وحدها أربعمائة طن سنويا ومصنع (الغزال) للعمال الحديدية الذى يزيد رأسماله عن مليوني درهم ينتج ثلاثة عشر ألف طن سنويا ومصانع (الواحة) التى يمتلكوها والتى يزيد رأسمالها عن أربعة ملايين درهم تنتج هياكل حديدية تزيد عن ستة آلاف طن سنويا ووكالاتهم واستثماراتهم الأخرى لا ينافسها فى سوق دبى إلا الهامور (جمعه الماجد) الذى يرتبط اسمه بالسجاد والسيارات اليابانية ومكيفات الهواء خاصة مكيف (أبو حصان).
هوايمر دبى هم مثل هوامير أبو ظبى، جزء من (ناموس) النظام يمدونه بالتشريعات ويحاصرونه بالأيادى البيضاء كما كان يفعل سعيد العتيبة والد وزير النفط والرجل الذى كان (يصرف) على زايد بن سلطان وأهله عندما كان هذا دخله الوحيد يأتي من (الفرضة) أي من أعطيات الناس وصدقاتهم.
إمارات "الإمارات" ومشيخاتها مقطعة فقط للشيوخ وللهوامير أما شعب الإمارات ليعانى الأمرين يكفى أن نشير إلى قبيلة (الشحوك) التى تعيش فى كهوف جبال راس الخيمة كما لم يعش الإنسان الحجرى الأول مع ذلك فى راس الخيمة (هوامير) كثر (أهم) من هوامير دبى وأشحم وأكنز .
هوامير أبو ظبى هم – بلا جدال – سادة المال والأعمال فى الإمارات يوسف الصايغ وحده كان يحتكر تجارة الذهب واللؤلؤ قبل النفط وبعده ولده (حبيب) كان شارا تبنته جريدة (الفجر) أقنعته بالكتابة عن قضايا الناس بدلا عن قصائد المديح التى كان ينشرها فى جريدة الاتحاد للشيوخ وأولادهم أوصلته إلى وظيفة (مدير تحرير) … لمعته وقدمته لكل الأوساط الأدبية العربية ولكن لما مات أبوه وورث عنه كذا مليون درهم. تذكر فجأة أنه من طبقة غير طبقة الصحافيين تذكر أنه نصف مليونير أسس مجلة فى لندن ونقلها إلى (أبو ظبى) جعلها الناطق الرسمى باسم الشيخ زايد و "ولى عهده الأمين خليفة" حولها إلى منشور حكومى أصبح حبيب الصايغ ربع "هامور".
"المسعود" من هوامير أبو ظبى المعروفين اسمه فى كل شارع وزقاق "المسعود للسفر والخدمات" "المسعود للتوريدات والخدمات البترولية" "المسعود للملاحة والخدمات البحرية" ومثله بن حم وبن دسمال وبن ضاهر وبن غنوم وبن حمودة وبن حاضر وبن خطاب وبن داغر وبن سويد.
"الفطيم" وحده امبراطورية هوامير فى أبو ظبى اسمه مقرون بتوشيبا وسانيو وتيوتا والهوندا هذا عدا عن هوايمر المجموعات المتعددة الجنسيات والوكالات مثل مجموعة شركات رائد بن عويضة صاحب جريدة الوحدة فهذا وحده يحتكر وكالة أثر من شرطة طيران (وكيل الخطوط الهندية والأندونيسية والعراقية والهولندية والكويتية والإيرانية والسعودية والصومالية واليمنية) وهناك أيضا مجموعة شركات بروك وخلفان ومجموعة شركات الربيع وظفير والكيني وكانوا وغيرها.
الدارسون لتركيبة مجتمع الإمارات فى مستقبل الأيام سيصطدمون بمجموعة ظواهر وأمراض لا مثيل لها فى أمم الأرض أهمها ظاهرة (الهوامير) الذين يحلبون أرض الإمارات وشعبها وخيراتها لصالح بنوك ومشاريع إنمائية فى أوروبة حيث يعيشون ويملكون فيها القصور والسرايات والأرصدة وعندما تنضب آبار النفط سيحل بالخليج ما حل من قبل بمدن الذهب فى أمريكه التي تحولت بعد نفاذ الذهب منها – إلى مدن أشباح هجرها الهوامير وما بقى فيها إلا الفقراء، أصحاب الأرض الأصليين.
ما يميز مهدي التاجر عن "هوامير" الإمارات المشار إليهم أنه جمع بين السياسة والتجارة جعلهما حزمة واسلوبا وطريقا صبغ بهما حكم آل المكتوم فى دبى .
ما يميز مهدى التاجر عن هوامير الإمارات المشار إليهم أنه جمع بين السياسة والتجارة جعلهما حزمة واسلوبا وطريقا صبغ بهما حكم آل المكتوم فى دبى الذين يفخرون الآن بأن إمارتهم هي الأقوى والأغنى من بين إمارات هي الأقوى والأغنى من بين إمارات الاتحاد.
مهدى التاجر هامور دبى القوى أرسى أسس الاقتصاد والسياسة فى الإمارة وساهم فى مد جسورها واستشراف آفاق القرن العشرين بعد أن كانت البداوة فى التفكير والسلوك تضرب أطنابها وتآكل شيوخها ولعل هذا ما جعل ويجعل مهدى التاجر متميزا عن سائر هوامير دبى الذين عاشوا على هامش إلا امتصاص دماء الاقتصاد وضخه أولا بأول فى بنوك أوروبة وأمريكة بتشجيع ومباركة من شيوخ آل المكتوم الذين سرهم أن ينصرف الناس عن التفكير بالحكم والحكام إلى التفكير بالدرهم والدولار.
إمبراطورية المال التي أسسها مهدى التاجر ما زالت قائمة، ولها فى لندن وغير لندن قواعد وجذور لكن امبراطورية السياسة والدبلوماسية وفن العلاقات العامة بين الدول اهتزت كثيراً باعتزال التاجر أو استقالته أو إقالته – لا فرق – والذين حطوا الرحال فى سفارات أوروبه بعد مهدى التاجر ما سدوا عجزا ولا غطوه ثغرة كان مهدى التاجر سفيرا للإمارات فى أوروبه كلها – وليس فى لندن وحدها – وفى عهده تمددت إمارة دبى ودولة الإمارات اقتصادا وعلاقات ونفوذا ولما أقالوه أو قبلوا "استقالته" أو صادروا بعض مدن أوروبة وسحبوها من بين جناحيه ليوكلوا أمرها لأكثر من سفير وسفير تراجع المد الدبلوماسى الإماراتى إلى الوراء توقف عند حدود الاستقبالات وحفلات ومراسم الأعياد التي تقام وتعقد وتنظم بإشراف مباشر من راشد عبد الله وزير الدولة للشؤون الخارجية وأحد أتباع حاكم إمارة عجمان.
صراع "الهوامير" فى الإمارات أدى إلى تفريخ مراكز قوى من رجال المال والأعمال ترى فى مهدى التاجر خطرا على (الاقتصاد) يجب الحد منه وبما ل هؤلاء من نفوذ لدى الشيوخ والحكام ثم تقليص النفوذ الدبلوماسى للـ "تاجر" بسحب سفارة باريس منه وتسليمها لسعيد سلمان. أحد رعايا رأس الخيمة والرجل المتأسلم الذى خردق أنظمة التعليم والزراعة عندما كان فى الوزارة. واقتطع شيوخ دبى سفارة بون إلى (دكتور) من رعاياهم وسلموا سفارة واشنطن لنسيب وقريب للشيخ عبد العزيز القاسمى. ولى عهد الشارقة وبطل الإنقلاب الأخير فيها أصبحت السفارات إذن تركه يجب أن يتقاسمها الشيوخ كما تقاسموا بآبار النفط من قبل ومن بعد ولم تعد دبلوماسية مهدى التاجر مطلوبة أو مرغوبة لم يعد مرهوب الجانب كما كان من قبل حاكم دبى الشيخ راشد سنده القوي لم يعد قويا أصبح مشغولا بمرضه وبحل الخلافات بين أولاده الذين بدورهم قرروا إعادة بناء إمبراطورية المال والسياسة فى دبى على أسس جديدة وتسليمها لعناصر محسوبة عليهم وليس على والدهم الشيخ الحاكم اسما فى إمارة التجار.
أطاحوا بمهدى التاجر ثم أطاحوا بالسودانى كمال حمزة – مساعد الشيخ زايد الأيمن ورئيس البلدية السابق – وقصقصوا أجنحة الفلسطيني رياض الشعيبي – مستشار الشيخ زايد الإعلامى – لصالح مذيع من الصف العاشر اسمه عبد الغفور السيد نصبوه مديرا عاما للإذاعة والتليفزيون لعبوا على الخلافات المالية بين الهوامير وأطلقوا أصحاب جريدة "الخليج" على مهدى التاجر فوصفوه بما وصفوا واتهموه بما اتهموا.
هامور الإمارات مهدى التاجر يقبع أحيانا فى لندن بعيدا عن الأضواء منسيا رغم محاولاته العودة إلى ساح الصراع عبر البوابة الدمشقي ولقاءاته بالرئيس السورى حافظ الأسد تنهش صحفها بلحمه ليل نهار تتهمه بكذا و كذا وتدعوه إلى كيت وكيت تتنكر لفضه تلغى اسمه من خريطة الدولة التى ساهم فى إرساء قواعدها حجراً حجراً وبئراً وبئراً أنها احدي فضائل البدو المتوارثة انه الجحود والتنكر للجميل.