من بعد عمر طويل ؟
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد رقم 211 الصادر في 31 اب 1987

 

غريب أن يطير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى دمشق ليحل مشاكله الأمنية هناك فيوسط الرئيس السوري حافظ الأسد لدى طهران العاتية التي ما زالت تنفخ في رياح الخليج الشرقي لكي تأتي بأساطيل الدول العظمى إليه، فلا يبقى- فوق مياهه- ممر للسفن والمدمرات و البوارج والناقلات، فتكاد " فرقاطات " واشنطن ولندق وموسكو وباريس- تصدم فرقاطات العجم في منطقة من العالم العربي كانت أممه وشعوبه تغسل أدمغها في السنوات الماضيات- انه خليج عربي، لا فارسي ولا عجمي أو أعجمي، إلى آن قرر كسري بهلوي أن ينزل في جزر " الإمارات " الثلاث. أن يحتلها. فلم نسمح بغير أصوات خافته " !- في لم أبو ظبي وفي دبي وفي بقية، ديوانيات " طويلي العمر من شيوخ البداة الرعاة الذين صاروا في الزمان الأخير : حكاما و أمراء لخجلنا و عارنا.
غريب والله أن يترك رئيس الإمارات المتصالحة عاصمة حكمه إلى دمشق سعيا وراء وساطة أو حماية الأغرب أن يرهق ويتعب الشيخ الجليل من خمسة أيام مباحثات امضاها فى العاصمة السورية فيطير إلى أوروبا ليرتاح ويستجم مع أن صراعه صراعان وحربه حربان وهمه همان وأخصامه لا الفرس ولا العجم ولا الديلم بل من "الربع" ومن أهل الدار.
فبين أبو ظبى (عاصمة أل نهيان وبين دبى عاصمة أل المكتوم سجال طويل طويل لم يبدأ قبل شهر ولا شهرين أو عام أو عامين فالزئير بين العاصمتين قديم منذ عام 1507 (القرن السادس عشر) والتقاء المشيختين فى اتحاد سباعى لم يغير فى طبيعة الصراع وإن غير فى شكله وأساليب وتحالفاته حيث يراهن الشيخ زايد على ولاء مكتوم له ومكتوم هذا هو ولى عهد دبى الابن الأكبر لحاكمها راشد وكما بلعت أبو ظبى إمارات أم القيوين وعجمان والفجيرة بالأغداق على أولياء العهود الذين أصبحوا حكاما لاماراتهم خلال السنوات الخمس الأخيرة فإن الشيخ زايد ينتظر موت خصمه اللدود راشد حتي يكمل هضم إمارة دبى التي ستدين له بالولاء طالما أن حاكمها سيكون مكتوما.
شيوخ أل نهيان يرون أن مطالبهم بالسيطرة على دبى لها سند تاريخى لأن حكام دبى كانوا "مطارزيه" لهم والمارزى فى "اللهجة "الخليجية هو التابع وأقل رجال الحاشية مركزا فلقد أصدرت لجنة التراث والتاريخ التي مولها الشيخ الرئيس زايد بن سلطان واتخذت من أبو ظبى مركزا لها كتابا عن تاريخ الإمارات استعرض فيه "حقوقها" التاريخية فى دبى من خلال رواية مسرحية طريفة عن اتباع أل نهيان الذين انسلخوا عنهم وأسسوا لأنفسهم إمارة فى دبى.
شخبوط بن ذياب ال نهيان الذى حكم أبو ظبى عام 1793 هو الذى عين الشيخ هزاع بن زعل حاكما لدبى التي كانت تتبع له بينما لم يكن مكتوم بن بطى بن سهيل مؤسس حكم أل مكتوم أكثر من ضابط فى قوات شخبوط بن ذياب مؤرخو زايد بن سلطان أل نهيان يدعون أن هذا الضابط قد غدر بحاكم أبو ظبى طحنون فقتله وفر إلى دبى ليؤسس حكم أل مكتوم فيها وكن عام 1833 ومنذ ذلك الوقت تقول كتب التاريخ فى أبو ظبى تحالف أل مكتوم مع قواسم رأس الخيمة لإسقاط حكم أل نهيان وظل هذا التحالف بين الإمارتين إلى يومنا هذا كذلك امتنعت الإمارات عام 1979 عن حضور اجتماعات المجلس الأعلى وأصدرنا بيانا مشتركا شجبنا فيه تسلط أبو ظبى وشيوخها على مقدرات "الدولة" واتهمتا "طويل العمر" برشوة الناس وتحريضهم على التظاهر ضد شيوخ دبى وراس الخيمة وعرفت تلك المعرفة باسم معركة "المذكرت.
قلنا فى أذار (مارس) 1979 امتنعت امارتا رأس الخيمة ودبى عن حضور اجتماعات المجلس الأعلى للحكام اكتفت دبى بإرسال مذكرة إلى الاجتماعات سران ما أذاعت نصوصها من خلال تليفزيونها الملمون الأمر الذى لم يعجب الشيخ زايد بن سلطان والحكام الملحقين بهو القابعين فأصدر بدوره مذكرة اتهم فيها مذكرة دبى بمخالف الدستور وتعطيل عمال المجلس مذكرة دبى وصفت اجتماع المجلس الأعلى بأنه اجتماع غير شرعى وغير دستورى ووصفت قرارات الرئيس الشيخ التي عين بموجبها ولده خليفة قائدا عاما للجيش بأنها قرارات غير دستورية كما تضمنت المذكرة احتجاجا على تكريس أبو ظبى عاصمة للدولة.
زايد بن سلطان رد على مذكرة راشد بن سعيد المكتوم بمذكرة تضمنت البنود التالية :
أولاً: أن قراره يتعين ولده خليفة قائدا عاما للجيش بصفته رئيس الدولة. لكنه لم يوضح الميزات التي وجدها في ولده والتي جعلته آهلا لوظيفة قائد عام الجيش على الرغم من انه لم يكن عسكريا في يوم من الأيام، ومؤهلاته الأخرى لا ترفع الرأس، وان كانت ترفع أشياء أخرى.
ثانيا: بالنسبة إلى مشروع قانون تنظيم شؤون الصناعة الذي أصدره زايد واحتجت دبي عليه- لأنه يمس آل مكتوم الذين يحتكرون الصناعات الثقيلة لم 7 ذكرت مذكرة أبو ظبي أن حكام دبي كانوا قد وافي ا 19 آذار (مارس) 1979، لذلك ب ا غريبا- على حد ظبي- أن تتراجع دبي عن موافقتها بعد خمسة. لتعلن أن القانون مخالف لأحكام الدستور. ثالثا: بالنسبة إلى ما أثارته دبي من موافقتها بعد خمسة أيام فقط لتعلن أن القانون مخالف لأحكام الدستور.
ثالثا: بالنسبة إلى ما أثارته دبي من عدم التزام بعض الإمارات بأحكام القوانين الاتحادية. فإن حكومة دبي- يقول زايد بن سلطان أل نهيان- قد خالفت أحكاما دستورية وقانونية عديدة، وردت في الدستور المؤقت للدولة، و للقوانين الاتحادية وقرارات المجلس الأعلى للاتحاد، والقائد الأعلى للقوات المسلحة وهذه المخالفات- تقول المذكرة- ليست شكلية ولكنها موضوعية تتعارض مع أهداف الاتحاد، والمصالح المشتركة للإمارات الأعضاء وقد عددت المذكرة مخالفات دبي على النحو التالي:
· مخالفة أحكام الدستور والقوانين الاتحادية بعدم المساعدة في ميزانيات الاتحاد، وعدم تخصيص نسبة معينة للموارد السنوية لتغطية نفقات الميزانية السنوية للاتحاد.
· ! مخالفة أحكام الدستور، وقرارات المجلس الأعلى للاتحاد، والقائد الأعلى للقوات المسلحة بشان توحيد القوات المسلحة واستكمال تنظيمها.
· مخالفة أحكام الدستور والقانون فيما يتعلق باختصاص المحكمة الاتحادية العليا سواء بالنسبة إلى منازعات الحدود غيرها من الأمور التي تدخل في اختصاص المحكمة العليا.
· مخالفة أحكام الدستور التي تقضي بانفراد الاتحاد تشرب وتنفيذا في مسائل الصحة العامة؟ والخدمات الطبية ومن ثم مخالفة القوانين الاتحادية الصادرة بهذا الشأن.
· مخالفة أحكام الدستور التي تقضي بانفراد الاتحاد تشريعا وتنفيذا بحماية أمن الدولة، ومن ثم مخالفة القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 1976 بشأن جهاز أمن الدولة، إذ من المعروف أن لدبي جهاز مخابرات مستقلا. مخالفة أحكام الدستور بمسائل الجنسية وجوازات السفر والهجرة و الإقامة.
· مخالفة أحكام القانون الاتحادي رقم 11 لسنة 1976 بشأن الأسلحة النارية والذخائر والمتفجرات.
· مخالفة قانون اختصاصات! لوزارات، وصلاحية الوزراء وقرار المجلس الأعلى للاتحادي شان تنسيق السياسة النفطية بين الإمارات، وتحقيق التعاون بين الدوائر المحلية ووزارة البترول.
· مخالفة أحكام القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 1973، بإنشاء مجلس النقد وعدم تعاون دبي بإنشاء المجلس وذلك بعدم المساهمة في تعزيز قيمة عملة الدولة بإيداع جانب من أرصدتها النقدية بالعملات الأجنبية لدى المجلس بالقدر الذي يتناسب وحجم التعامل التجاري بالأمارة ومواردها المالية.
الخلاف والتصارع على الحكم ما زال قائما على الرغم من تولي حاكم دبي منصب رئاسة مجلس الوزراء شيوخ أبو ظبي يراهنون على المستقبل لحسم الصراع إلى مصلحتهم. فراشد بن سعيد حاكم دبي مريض، مريض جدا، والصراع على خلافته سينفجر فورا بين أولاده الثلاثة مكتوم وحمدان ومحمد فغني عن الذكر أن شيوخ أبو ظبي يدعمون مكتوم الموالي لهم في مواجهة طموحات وزير الدفاع محمد بن راشد الذي يؤكد في مجالسه الخاصة و ديوانياته على انه الرجل القوي في دبي والحاكم الجديد لها.
شيوخ أبو ظبي يشعرون في ورطة وهم وإن كانوا قد حسموا الصراع على المشيخة في الشارقة عسكريا الحاكم الحالي عندما أرسلوا قواتهم لإسقاط الشيخ صقر عام 1973، ونفل إلى القاهرة. فإن تدخلهم !سمكريا لمصلحة مكتوم بعد موت راشد، قد يؤدي إلى صدام عسي مع قوات دبي الموالية لمحمد بن راشد والتي تتعاظم قوتها يوما بعد يوم.
الأيام وحدها ستكشف عن نهاية هذه الحرب الطويلة بين دويلتي أبو ظبي ودبي. هذه الحرب التي ستشتعل بعد ساعات من إعلان وفاة حاكم دبي الشيخ راشد. ولا أحد يعرف حتى الآن المضاعفات التي يمكن أن تترتب عن اشتعال الحرب بينهما لكن المؤكد أن جذور الخلافات التي تمتد في عمق التاريخ وتمس المصالح الشخصية لشيوخ الكيانين الصغيرين ستحرق الأخضر واليابس في " دولة ا هشة الكيان كان اسمها " الإمارات المتصالحة " أيام سيطرة البريطانيين عليها نسبة إلى الجهد الكبير الذي بذله المستعمرون لمصالحة هذا الشيخ مع ذلك الشيخ، فإذا بها تصبح- بعدما جلا عنها المحتلون- إمارات عربية متحدة، لا تعرف من الوحدة والاتحاد والتوحد غير " النظرية " إما " التطبيق " فموعده مجهول، لا يعرفونه- هناك- بعد لعلهم يطلون عليه عبر السنين .