الحاكم لو حكى
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد رقم 205 الصادر في 20 تموز 1987

 

في صيف العام قبل الماضي طار الشيخ سرور بن محمد رئيس ديوان حاكم أبو ظبي إلى (دبي) في مهمة وساطة، التقى خلالها بالشيخ محمد بن راشد المكتوم. وزير الدفاع المركزي، الابن الأصغر لحاكم دبي، فسربت إدارة إعلام دبي خبر اللقاءات إلى الصحف وجاء فيه أن الشيخ سرور قد التقى بالرجل القوي في دبي، الشيخ محمد من اجل إقناعه بإلغاء قراره في إنشاء وكالة أنباء لدبي أسوة بوكالة (أنباء الإمارات التابعة أبو ظبي) حتى لا تحدث ازدواجية في السياسة الإعلامية للدولة، ووعد الشيخ سرور بالإيعاز إلى عبد الله النويس- وكيل وزراء الإعلام- بضرورة توفير تغطية إعلامية متوازنة لشيوخ دبي و أنشطتهم التجارية والسياسية والفروسية، خاصة بعد غضب دبي على وكالة أنباء عبد الله النويس " التي نشرت تصريحات لأصحاب شركة طيران الخليج تغمز من طرف شركة طيران الإمارات المملوكة لدبي وتجاملها- في المقابل- لقرار انتماء الشركة المذكورة.
وافق الشيخ محمد على طلب الشيخ زايد- الذي نقله إلى دبي الشيخ سرور وصدرت الأوامر بإلغاء و إعادة الصحافيين و الإعلاميين المفرزين من وروجت أجهزة إعلام دبي خبر اللقاء و أخبار الإلغاء، مؤكدة علي وصف محمد بن راشد بـالرجل القوي ! في دبي، وهي أقصى ما أراده الشيخ من هذه الأزمة المفتعلة من أساسها.
من تتبعنا لأخبار شيوخ دبي قرأنا ما وراء السطور وفهمنا الرسالة التي أراد الشيخ راشد توصيلها إلى اكثر من طرف. " الرجل القوي " في دبي هو الآن- وفى ظل غيبة حاكمها الشيخ راشد المريض- الشيخ محمد بن راشد الابن الأصغر للحاكم، وليس ولي العهد المحسوب على شيوخ أبو ظبي او وزير المالية" حمدان المشتغل بماليته وهمومه وسمنته. المتفرغ في شد الحزام وتوطين الوظائف وطرد العرب" من دبي بدعوى ضغط الإنفاق !!!" شيوخ أبو ظبي فهموا الرسالة قبل إرسالها لذا بعثوا بسرور لمفاوضة محمد بن راشد وليس شخص آخر.. وشيوخ دبي فهموها أيضا؟ لأن طموحات محمد بن راشد الزعامية قديمة ومعروفة لهم و ما تكريسه لها باستكتاب الشعراء و الذل لهم أو بإصدار مجلة ثقافية، و الإنفاق على النوادي والخيول إلا محاولة إضافية لإفهام اللذين لم يفهموا.
الذي لا يعرفه كثيرون أن مهدي التاجر كان مستهدفا من كل هذه الزوبعة وكانت رسائل محمد بن راشد- في محصلتها- موجهة إليه، خاصة أن مهدي التاجر باعتراف شيوخ الإمارات كلهم هو الرجل الذي عرف بلقب " الرجل القوي " في دبي منذ اكثر من ثلاثين عاما، ومحاولة محمد بن راشد سحب اللقب منه لا تغير قي الأمر شيئا لأن مهدي التاجر ما زال حتى هذه اللحظة هو " الرجل القوي " في دبي؟ وهو الذي أوجد الإمارة وعلم شيوخها الجمع والطرح والقسمة وهم ما زالوا أفراخا صغارا.
محمد بن راشد نفسه يعي هذه الحقيقة؟ على الأقل لأنه بدأ يشعر بأهمية التجارة وكنز الجيوب بالدولارات منذ نعومة أظفاره وكان معلمه وشريكه في ذلك مهدي التاجر، الذي أسس في عام 1963 شركة (دبي للمياه الغازية) برأس مال قدره مليوني وثلاثمائة ألف درهم أشرك معه في ملكيتها الشيخ الصغير محمد بن راشد المكتوم، الذي ما إن اشتد ساعده حتى ظن أن بإمكانه طعن معلمه في الظهر بسحب لقب رجل دبي " القوي " منه، ولم يكن مشروع شركة دبي للمياه الغازية المملوكة لمحمد بن راشد ومهدي التاجر والكائنة في شارع زعبيل في بر دبي سوى درسا سريعا يلقنه مهدي التاجر لشيخ صغير، وفيه يبين التاجر كيف أن بإمكان الشيخ الصغير أن يصبح مليونيرا من إعادة تعبئة مياه الآبار وبيعها للناس، بعد أن علم اخوته من قبله كيف- يمكن لدبي- الفقيرة نوعا ما نفطيا بالقياس إلى أبو ظبي- أن تسحب الأضواء ورؤوس!! الأموال من الإمارات ببناء حوض دبي الجاف وتحويله إلى قاعدة للتجارة والتهريب والترانزيت!!!
مهدي التاجر معروف للقاصي والداني قبل شيوخ دبي الجدد قصة حياته جديرة بالتسجيل؟ إنها ترجمة لمجمل التموجات التي حبلت بها ارض الخليج الشرقي قبل واثناء تفجرها نفطأ وثروة، وإذا كان مهدي التاجر لم يوضح- في حديثه لغسان ذكريا قبل عام ونصف عام- الجانب الأكبر من الظروف التي شكلت شخصيته وثروته غير المحدودة. وعلى الرغم من انه يتبع أسوة بقية التجار سياسة بعيدة عن الأضواء، غير الإعلامية لإدارة مشاريعه وتنظيم علاقاته إلا أن محاور ثروة وشخصية مهدي التاجر معروفة للجميع ولا أظن أن مؤرخا واحدا للمنطقة بجروء أن يقفز على الدور الذي لعبه موظف في جمارك دبي اصبح مليارديرا خلال سنوات تقل عن عشرين!
في حديث الشيخ زايد رئيس الإمارات للصحافي الإنكليزي كلود موريس منذ عشرين سنة أو يزيد (وهو الحديث الذي نشر فيما بعد في كتاب بعنوان (صقر الصحراء) يشيد الشيخ زايد بمهدي التاجر ويصفه بأنه مستشار راشد حاكم دبي وساعده الأيمن وانه ديبلوماسي يتمتع بقدرة فائقة على التفاوض فضلا عن مقدرته في إدارة المشاريع التجارية. وفي الحقيقة أن الشيخ زايد كان يحتاج إلى رجل مثل مهدي التاجر بل ويفتقد وجوده في الحاشية المحيطة به، التي ترتزق وتعيش على عطاياه كالطحالب، لذا رأينا الشيخ زايد في صيف عام 1976 يؤنب- علي شاشة التلفزيون- مدير إذاعته وتلفزيونه آنذاك عبد الله النويس! لأنه لم يتمكن من مواجهة مهدي التاجر في مؤتمر صحافي مشترك عقد في أبو طبي وتحدث فيه التاجر بسخرية عن إعلام أبو ظبي الهزيل!! يومها رد عبد الله النويس- ونقل التلفزيون رده على الهواء التاجر لأنه رسميا و وجاهيا ليس بمستواه، فمهدي التاجر " حاكم " دبي الفعلي وعبد الله النويس ليس أكثر من مدير إذاعة وتلفزيون، وكان هذا المسوغ الذكي الذي ساقه النويس آنذاك عاملا أساسيا في صعوده إلى منصب وكيل الوزارة بعد أيام من تلك الواقعة.
ليس حكام أبو ظبي وحدهم يسلمون لأن مهدي التاجر هو! الرجل القوي " في دبي، وانه يعادل شيوخها كلهم، وأنه في الواقع صاحب القرار الأخير في كل ما يتعلق بأمارة دبي، فحكام دبي أيضا وشيوخها يسقمون بهذا الواقع، ويدفعون بمهدي التاجر دائما إلى الأضواء لأنه الوحيد العارف بخبايا (القرارات) التي تتخذها إمارة دبي ومدلولاتها وأهدافها، لذا عندما جاء احمد الجار الله رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية في تشرين الثاني " نوفمبر " 1975 لإجراء حوار مع حكام دبي حول موقفها من ا لاتحاد ونشاطاتها الاقتصادية وعلاقاتها مع إيران لم يجتمع الصحافي الكويتي مع الشيخ محمد أو مكتوم أو حمدان بل اجتمع مع مهدي التاجر. وحضر اللقاء الصحافي شيخ دبي وحاكمها راشد الذي كان طوال الحديث يسلم قيادة الحوار لمهدي التاجر ويكتفي بهز الرأس للإعراب عن موافقته على كل كلمة يقولها الأخير لبعثة جريدة السياسة الكويتية.
الحديث الصحافي منشور في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 في جريدة " السياسة، باللقاء نظرة كل اللقاء تكفي للخروج بانطباع واحد وهو آن مهدي التاجر هو "الحاكم" الفعلي لدبي وهو " الرجل القوي " فيها. كذلك عندما سألت " السياسة " حاكم دبي عن موقفه من الاتحاد مع زايد بن سلطان ورفضه، لهذا الاتحاد تولى مهدي التاجر الإجابة بالنيابة وبذكاء التجار وكان ينسب إجابته لحاكم دبي الموجود في الجلسة نفسها (إ) فعندما سألوا راشدا أيقال انك ضد الاتحاد وانك لا تريد توحيد مرافقه العامة رد مهدي التاجر بالنيابة على النحو التالي:- " ثمة أشياء يمكن فهمها وهو أن الشيخ راشد لديه قضايا مبدئية من ذلك مثلا انهم يريدون ضم كهرباء دبي للاتحاد ومع أن هذه المؤسسة مملوكة لأفراد من أبو ظبي ومن دول الخليج والشيخ راشد يدعم هذه المؤسسة ويضمن لها ربحا مقداره 15% سنويا لحملة الأسهم.. الضم بالنسبة للشيخ راشد يعني أن الدول والمؤسسات الاقتصادية العالمية التي تعمل في دبي قد ترتاب من هذا العمل وتتوقف عن التوسع لأن معنى ذلك انعطاف في الأسس الاقتصادية التي قامت عليها دبي.. أما فيما يتعلق بالإدارات الأخرى كالصحة مثلا فليس هناك ما يمنع من أن تكون وزارة اتحادية حيث الإدارات المحلية تابعة لها لكن الإشراف يظل من اختصاص الحكومة المحلية، أنا لا أتصور مستشفى راشد أن يظل كما هو عليه الآن. من تقديم للخدمات لو انه ضاع في متاهات الروتين.. إدارة المستشفى هنا تعرف أن أي تقصير معناه أن الشيخ راشد في اليوم التالي سيعرف وانه سيحاسب المقصرين وذلك عكس المستشفيات الأخرى التي تحول الأطباء فيها إلى تجار أراض وأدوية وأقمشة لأنها تفتقر إلى الإشراف ".
هذه إجابة مهدي التاجر عن سؤال وجهته جريدة السياسة لحاكم دبي الموجود في الجلسة نفسها. فمن الحاكم إذن؟! ومن الرجل القوي في دبي؟!
فلسفة مهدي التاجر السياسية التي صاغها أبان وحدها- لخصها في أجوبته الصحافية المتعددة.. ولا زلت اذكر أنى وجهت إليه بعضها في صيف عام 1976، عندما استقبلنا في قصره مع شلة من الصحافيين. مهدي يرى مثلا أن دمج جيوش الإمارات في جيش واحد خطوة لا فائدة منها. يقول (انهم يقولون- يقصد حكام أبو ظبي- أن إيران صديقة وجارة والسعودية شقيقة كبرى والدول الأخرى ليس منها خطر إذا لماذا سباقي التسلح؟). ويضيف (في اعتقادي لو أن السعودية اعتدت فأنها بذلك تقلب الموازين في المنطقة كلها بما في ذلك نظرة الناس إليها كشقيقة كبرى، إيران لو اعتدت فإنها ستفتح المجال لأطراف أخرى للدخول في النزاع حول الخليج وتتحول المنطقة إلى منطقة أطماع وإيران في وضعها المالي والجغرافي الحالي لن تعتدي وهذا هو المنطق الذي يفترض أن تبنى عليه سياسة التسلح) !!
كان هذا رأي مهدي التاجر في إيران (الشاه) ومع أن إيران (الخميني) اعتدت ألا أن إيران الشاه، ابتلعت هي الأخرى ثلاث جرر تابعة للإمارات قبل أسبوع من تصريحات مهدي التاجر، ولكن التاجر، الذي كان ولا يزال يتعاطى السياسة بمنطق العرض والطلب لا يرى في ابتلاع ثلاث جزر خطرا على الخليج الشرقي طالما أن ميناء دبي ونقطها وشيوخها بخير!!!
من هو مهدي التاجر؟ الرجل الأقوى في دبي الذي علم شيوخها الجمع والطرح والقسمة وحول شيوخ أبو ظبي إلى رعايا. الرجل الذي لهيبته في دبي وقع السوط!
مهدي التاجر ليس من دبي، حط رحاله فيها في الخمسينات حين عمل موظفا بسيطا في إدارة الجمارك، واستطاع أن يلفت أنظار الشيخ راشد بقدرته على تحويل، (إدارة " الجمارك إلى بئر من الدولارات تغذي الشيخ راشد ومشاريعه برؤوس الأموال حتى صار يجبي في مطالع الستينات ضرائب جمركية بلغت قرابة مليوني جنيه إسترليني في السنة، وكانت " بئر " مهدي التاجر تشكل المصدر الرئيسي لواردات دبي قبل أن يتفجر النفط فيها، إما عندما تفخر النفط فلم يجد حاكم دبي غير مهدي التاجر ليسقمه إدارة " دائرة النفط في عام 1962 ومن يومها اصبح شيوخ دبي- ولا نقول شعبها- يتحدثون بالمليارات وكان من المسلم به أن يكون مهدي التاجر، هو صانع هذه المليارات، مليونير هو الآخر إ! فهمدي التاجر هو الذي جفف خليج دبي عام 1961 فيما سمني فيما بعد بحوض دبي الجاف. ومهدي التاجر هو الذي علم شيوخ دبي أولاد راشد كيف يكنزون الذهب والفضة، ويشترون الخيول ويبيعون مياه الآبار الغازية ويكسبون الملايين.
مهدي التاجر هو 11 الرجل القوي " ليس في دبي وحدها، بل في الإمارات الأخرى أيضا محمد بن راشد و أعلامه يقول الكثير يحكي عن نفوذ وزعامة وتروه ونفط دبي صحافيو باريس المطققون الذين استدعاهم إعلام دبي ليديموا صحافته يحكون أيضا عن الشيوخ وحدد مهدي التاجر يقبع في استرخاء، يواكب الحال، يتحسر ربما، يضرب كفا بكف ربما، وحدك لا يحكي شينا عن الشيوخ وحده يعلم انه " لو حكى لطارت عباءات وتلاشت عروش، وتكشفت مليارات كان ومازال شعب الإمارات يسأل عن مصيرها.
وحده مهدي لو ا أحكي لكشف المستور!