الزايد
قصة جواد هاشم
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد رقم 198 الصادر في 1-6-1987

 

مرة أخرى تدخل "سوراقيا" التجربة المرة. مرة أخرى تقف بين حجرى الرحى مرة أخرى تحاول الانتصار للحق والحقيقة فيكبو بها "جواد " المعلومات لا جواد هاشم المصرفى العراقى الذى لم يسبق لأحد فى موقعه ومنصبه أن تكاثرت سنون الحكم والسجن كما تكاثرت عليه فإذا بمحكمة "ميدانية" والعياذ بالله تقرر سجنه 79 عاما وتغرمه 80 مليون دولارا.
مرة أخرى إذن دخلت "سوراقيا" التجربة المرة اعتبرت أن قضاء الشيخ الرئيس زايد بن نهيان كان "عادلا" وكان "مصيبا" عندما أطلق احكامه الطويلة "تجاوزت القرون بالله العظيم" ضد مجموعة من المصرفيين العراقيين الذين شاءت لهم ظروفهم والزمان أن يجلسوا على عرش "صندوق النقد العربى" الذى ساوى لفترة "عرش" أل نهيان وأل المكتوم وغيرهما من البيتوتات والعشائر المتحكمة الحاكمة فى دولة الإمارات العربية المتحدة.
إلا أن الأمر لم ينته والتجربة كانت مرة فعلا والدرهم المتداول على ضفاف الخليج الشرقى له وجهان ما للأحكام القضائية وجهان أيضا ففي حين نشرنا فى (العدد 189) بيوغرافية الدكتور جواد السياسية والاقتصادية والمصرفية والذى كان والذى صار "غينيا غير متعمدين حكايا أولئك الكبار الكبار" الذين قبعوا فى الزوايا والتكايا يقبضون ويقبضون ويقبضون فما من حسيب أو رقيب ما من مجلس أمه أو مجلس شعب أو مجلس تأسيسى أو جمعية وطنية تسألهم ما يفعلون ما من أحزاب أو حركات سياسية تدب الصوت صارخة زاعقة ما من صحافة حرة لا تسبح بحمد "الحاكم" بكرة وأصيلاً فإن وجدت قمعت أخرست عطلت أو "اشتريت" فى أحسن الحالات.
إلا أن معركة "أبو ظبى" الرسمية ضد الدكتور جواد هاشم كما فى الوجه الآخر كانت معركة إعلامية للوصول إلى غرض سياسي فوكيل وزارة إعلام دولة الإمارات العربية المتحدة عبد الله النويس قاد حملة تحريض وكرهية ضد المتهمين باختلاس أموال صندوق النقد العربى لا لسبب اقتصادي مالى بقدر ما لأسباب سياسية متفرعة عن شئون م ذهبية وما زالت حكاية "اختلاسات العصر" التي قيل أن الدكتور هاشم كان بطلها هي الشغل الشاغل لصحافة الإمارات ومن يتبعها أو يسير في فلكها وما زالت الأحكام القضائية الطريفة التي تليت فى 16 أذار (مارس) الماضى باسم الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان حديث المجالس والديوانيات والشيوخ كيف لا والمبالغ المختلسة تعدت الثمانين مليون دولار بينما أحكام السجن على المختلسين بلغت 249 سنة لكل متهم.
الحقيقة أن الشيخ زايد قد استطاع أن يثير زوبعة إعلامية موفقة أصابت أكثر من عصفور بحجر واحد ولا جدال أن عبد الله النويس قد أدي دوره باقتدار ساعدته فى ذلك صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية اللندنية التي جعلت جواد هاشم موضوعا لما نشيت مثير تصدر الصفحة الأولى من عدد يوم الثلاثاء الذى صدر فى 17 أذار (مارس) الماضى وكأنه لم يعد فى دول الخليج لصوص و "حرامية" بعد أن أعلنت محكمة الشيخ زايد وباسمه، القضاء على أخر عملية اختلاس.
الشيخ زايد ليس قلقا على ثمانين مليونا من الدولارات قيل أن جواد هاشم قد اختلسها فأقل قصر للشيخ زايد يزيد ثمنه عن ضعف هذا المبلغ ولكن للشيخ الرئيس أكثر من هدف فى إثارة وقيادة هذه الزوبعة المحكمة الصورية التي عقدها غيابيا لأربعة من كبار رجال الاقتصاد العربى كانوا لكل من عرفهم فى الإمارات نموذج للأمانة والأصالة والاقتدار قبل أن يتعرضوا للـ "تجربة" ويصبحوا ما قيل عنهم وما وصفوا وما حكموا.
نجح الشيخ زايد فى توجيه أنظار المواطنين إلى الوافدين العرب الذين يختلسون ملايين الدولارات من المؤسسات التي يعملون فيها ومن ثم خلق رأي عام محلى من مواطنى الإمارات يبارك توجهات زايد وحكومته الأخيرة التي ترمى فى محصلتها إلى توطين الوظائف بمعني طرد العرب (الأجانب) من الإمارات بدعوي إحلال كفاءات محلية من خريجى جامعة الإمارات من دون أن تترك عملية الطرد وإنهاء العقود ردود فعل معين على الشارع المحلى لأن حكومة الشيخ العبقرى استثمرت بطالة الخريجين المواطنين فى أحداث تناقض أساسى بين "العربى" الوافد و "المواطن" الخريج، الذى يرى أنه أحق وأولى بالوظيفة، ولا جدال أن زايدا ومن خطط له قد نجحوا فى مسعاهم ولم تترك قرارات الطرد وإنهاء العقود والتسفير التي اتخذت بحق العرب أدنى أثر على مواطني الإمارات، بل وجدت من يؤيدها علنا.
وقد تركزت عمليات الطرد وإنهاء العقود التسفير فى الوزارات الخدمية التي تعتمد أساسا على العمالة العربية مثل وزارة التعليم ووزارة الصحة ووزارة الدفاع أما شركات النفط التي تدار من قبل الانكليز (الانجليز بالمصرية) والأمريكيين والكوريين والفرنسيين فلم تتأثر بهذه القرارات.
من ناحية ثانية "نجح زايد" أمير "الإمارات فى إثارته لقضية جواد هاشم وعزفه على وتر محاربة الاختلاس فى صرف الأنظار عن اختلاسات الشيوخ التي تقدر بالمليارات والحد من ارتفاع الأصوات المطالبة بمعرفة الرقم الحقيقي للدخل الخاص بالشيخ زايد بن سلطان من المليارات السبعين التي تتوفر لإمارته من عائدات النفط ولما أثارت مجلة "الأزمنة العربية" التي كانت تصدر فى الإمارات مثل هذا التساؤل تم إغلاقها وسحب ترخيصها وقبلها بشهرين أوقفت جريدة الفجر التي تصدر فى (أبو ظبى) لمدة اسبوعين كاملين لمجرد أنها أ شارت من بعيد إلى شئ من هذا القبيل بينما أعلن الشيخ العبقرى عن رضاه على الإعلام الرسمى المتمثل بصحافة وإذاعة عبد الله النويس والإعلام الرسمى (المستتر) المتمثل بصحافة بعض القطاع الخاص لأنه (زوبع) (وروج) و (طبل) لما أسماه بقضية اختلاسات العصر، التي قام بها.
الشئ المهم الذى لم تلتفت إليه أنظار المراقبين ولم تفهم حقيقة مغزاه من هذه الزوبعة المنظمة المثارة حول جواد هاشم أن المتهمين الاربعة من مواطني العراق ومن خيرة رجالاته وقد لاحظ الذين تابعوا أثار الزوبعة منذ تسعة عشر شهرا وحتي إعلان الأحكام (باسم الشيخ زايد) أن إعلام عبد الله النويس كان يحرص فى كل خبر ينتشره عن المحكمة وتطوراتها إلى التذكير بأن المتهمين الأربعة الأوائل من العراق الذى لا يعرفه كثيرون أن تلطيخ اسم العراق عن هذا النحو لم يكن محض مصادفة فمنذ وصول أيه الله الخمينى الإيراني إلى السلطة والسلطان وارتهان موانئ الإمارات إلى بواخره العابر للقارات المحملة بالسلاح من "إسرائيل" ومن الولايات المتحدة وغيرهما لحرب العراق وحكومة أبو ظبى تسعى جاهدة لفك ارتباطها بالعراق والتعامل غير صعيد مع الدولة الإيراني التي تمثل أقصى المنى لشعب أكثره من الفرس والعجم والديلم.
لقد بدأ نظام زايد وراشد وصقر يعمل منذ اندلاع الحرب العراقية إلى تفريغ الإمارات من العراقيين: وليس سرا أن نسبة العراقيين العاملين فى الإمارات تعتبر أقل نسبة بين (الجاليات) رغم الروابط التاريخية والثقافية المشترك بين القطرين منذ عصور الأكاديين ومجزرة جامعة الإمارات وحدها تكفى لإثبات ذلك
ففي عام 1977 أوكلت مهمة تأسيس جامعة للإمارات فى مدينة العين لفريق من أساتذة الجامعات العراقية برئاسة الدكتور عبد العزيز البسام وقد عمل البسام مع سبعين دكتورا عراقيا على وضع الأسس وبناء الجامعة وتأسيسها حتي عام 1980 ولما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية واتخذ زايد بن سلطان قراره بالحياد (المتعاطف مع إيران) بدأت عملية تصفية النفوذ العراقى فى الجامعة بإقالة رئيس الجامعة من دون علمه والإتيان بتابع للحاكم اسمه عز الدين ابراهيم قيل أنه دكتور / أستاذ جامعة / مستشار ثقافى لزايد / مرب سابق لشيوخ قطر، و "أخونجى" سابق، هارب من مصر إلى سورية حيث تزوج هناك وأقام فترة.
هذا المستشار المصرى المتجنس بجنسية الإمارات المحترف فى لبس العباءة والدشداشة والفطرة والعقال قام باستكمال الباقى والاتيان بأساتذة جدد للجامعة من كندا وأمريكا أكثرهم لهم نسمع بهم ولا بجامعاتهم من قبل لتحقق جامعة الإمارات فى عهد عز الدين (المستشيخ ) رقما قياسيا فى عدد الامتيازات الممنوحة للطلبة وأكثرهم لا يحسن القراءة والكتابة ولم يعد فى جامعة الإمارات التي بدأت عراقية القواعد والأسس والأطر: إلا عدد قليل من الأساتذة العراقيين المنتدبين لا يزيدون عن أصابع اليد.
صندوق النقد العربى كان "القلعة" العراقية الثانية فى الإمارات والمناصب القيادية الكبيرة فيه كانت مقطوعة للعراقيين وهم :
- الدكتور جواد هاشم رئيس الصندوق.
- جلال اوهان رئيس الدائرة المالية فى الصندوق.
- محمد مهدى صالح بحر العلوم رئيس دائرة الاستثمار فى الصندوق.
- سمير فاضل عون رئيس الدائرة المالية فى الصندوق.
لقد نجح الشيخ الرئيس فى تصفية العراقيين من جامعة الإمارات بحكم أن الجامعة تتبع له مباشرة إلا أنه لم يكن قادراً عن فعل الشئ نفسه فى الصندوق العربى لانه مؤسسة تتبع لجامعة الدولة العربية وليس لأبى ظبى دالة عليها ألا كونها المقر الرسمى للصندوق.
حكومته وأجهزته لم تجرؤ على إثارة الزوبعة والخبراء الأربعة على راس عملهم لذا انتظرت طويلا حتي استقال الأربعة وتولى رئاسة الصندوق وزير سابق من مواطنى الإمارات هو سعيد غباش وفى عهد هذا (الغباش) تفجرت القنبلة وتم التلطيش والتلطيخ والطعن والمز واللمز بالعراق وخبراته طوال عامين كاملين بلغت فيهما الهجمة الفارسية على العراق أوجها وكان واضحا للجميع أن المحاكمة الغيابية لم تكن لجواد هاشم وصحبه بقدر ما كانت للعراق وصموده.
هنا لا أدعي أنني خبير اقتصادي وأن براءة الأربعة فى جيبى ولكن ظروف وملابسات "الزوبعة" تدعو لأكثر من تساؤل ومؤسسة اقتصادية بهذا الحجم لا جدال أنها مراقبة من قبل أجهزة أخرى تتبع مؤسسات وبيوتات خبرة ولا أظن أن أيه اختلاسات بهذا الحجم والمقدار يمكن أن تمر من دون تساؤل ومن ثم لا يكتشفها الاا رئيس جديد للصندوق تم تعيينه رئيسا وهو على كرسى الوزارة فى الإمارات.
ثم أنني كصحافى كنت على معرفة برئيس الصندوق الدكتور جواد هاشم الذى استقال وغادر الإمارات فى وضح النهار ولا أظن أن مختلسا يمكن أن يجاهر بالمغادرة على هذا النحو وفى ج يبه ثمانون مليون دولارا قال سعيد غباش الوزير الإماراتى السابق والرئيس الجديد المعين للصندوق أن جواد هاشم قد اختسلها.
إذا كانت الإمارات شيوخا وشركات نفط وسماسرة – حريصة فعلا على أموال العرب فإن الذين حاكموا جواد هاشم قد أخطأوا الهدف لأن فى الإمارات شيوخاًلصوا عرق الشعب وش فطوا خبراته وحولوها إلى أرصدة وقصور وصقور ونساء ومزارع فى كل بقعة وأرض هؤلاء أجدر وأولى من جواد هاشم فى دخول القفص ثم أن جواد هاشم كان قد أعلن أنه على استعداد لمواجهة أيه محكمة شريطة أن تكون فى دولة حيادية لا يخضع قضاتها ولا ترتهن قوانينها للشيوخ.
إلا أنه فرد والنظام نظام والعالم للأسف عالم مصالح ونفوذ لذلك تشرد "الدكتور" وبقى "الشيخ" شيخا " زائدا" حتي اليوم فى عالم تتجاذبه الزيادة من جهة والنقصان من جهة أخرى.