كلما طل بطلعته البهية من شاشة التلفاز .. تذكرت قول الفنانة الراحلة زينات صدقي و هي تستنجد هرباً ممن يطاردها : " إنسان الغاب .. طويل الناب .. يا مهدى إلى الحديقة .. يا وارد أفريقا " !
أتحدث عن قائد ثورة الفاتح .. العقيد .. الزعيم .. أمين القومية العربية .. رئيس الاتحاد الافريقي .. عميد الحكام العرب .. ملك ملوك افريقيا .. قائد الطوارق .. رئيس تجمع دول الساحل والصحراء .. القذافي حاكم ليبيا من أربعين سنة .. أى نعم منذ أربعين سنة!
يمثل القذافي " نمرة " لا تتكرر في تاريخ حكام العالم .. و أزعم أن دنيانا ستنقص كثيراً إذا ما اختفى " وارد أفريقا " من إعلامها .. و لأن الضحك في أيامنا صار عزيزاً فإنه اكتسب مكانة لا ينافسه فيها أى فكاهي آخر .. فمن من أهل الفن يستطيع أن يرسم البسمة على شفاهنا مثله ؟ من من الكتاب الساخرين بقادر أن يخلق جو البهجة و الإسترخاء الذي يشيع فينا عند ذكره أو الإستماع إليه ؟!
في وسط السبعينات من القرن الماضي " إستلم " صلاح جاهين القذافي في رسومه الكاريكاتيرية على صفحات الأهرام .. و ذلك إبان الأزمة بينه و بين السادات .. و لم يكن جاهين بحاجة لتوصية !! فكان لا يصور القذافي إلا قاعداً على " قصرية " و في مرات أخرى واضعاً القصرية كخوذة على رأسه.. و لطالما توقفت كثيراً أمام تلك الصور .. كنت أقول لنفسي .. أنه لا يصح بأى حال أن يصور أى حاكم لأى دولة بهذا الإستهزاء و لو كنا أعداءاً..
مرت الأيام .. و تيقنت أن الرجل هو مسخرة بذاته .. و أنه كاريكاتير " منه فيه ".. و أن الأصل دائماً يتفوق على الصورة.
على أن ما أدهشني أيما إدهاش .. ما قرأته ذات يوم أن " أبو قصرية " دشن جائزة لـ" حقوق الإنسان " باسمه .. فصدرت عنى كلمة نابية دون قصد !
الرجل إذن لا يتوقف عن إدهاشك .. و يبدو أنه لا يزال في جعبته الكثير.
أما أم المساخر .. فهي أن يفوز الأنبا شنودة بجائزة القذافي لحقوق الإنسان في سنة 2003.. و لا أعرف لماذا انزلق الأنبا شنودة هذا المنزلق .. إذ عهدي بالرجل أنه أذكي من ذلك .. و أنه غير مجبر على ذلك إطلاقاً .. كما أنه يمثل " ديناً " فيجب أن يتحرى جيداً أين يضع قدمه .. فالكنيسة الأرتودكسية المصرية " مش ناقصة رِدة" .. غير أنني اكتشفت بعد تفكر أن بين الأنبا و " أبو قصرية " عدة أوجه للشبه .. كلاهما قعد علي كرسي السلطة و الرياسة ما يناهز الأربعين سنة .. القذافي اعتلى سدة الحكم في 1969 و الأنبا شنودة في 1971..
و كلاهما غُضب عليه سادتياً .. و هكذا يبطل العجب.
و يبقى سؤال :
ماذا يفيد الأنبا شنودة لو ربح جائزة " أبو قصرية " لحقوق الإنسان .. و خسر نفسه ؟