صدق من قال: أن شر البلية ما يضحك! حكومة إسرائيل السابقة أعلنت الحرب على غزة وسكانها في كانون أول 2008 وكانون ثاني 2009 . الحرب دامت ثلاثة أسابيع. قام فيها الجيش " ألأخلاقي" في العالم وصاحب "الضمير" بضرب غزة وسكانها بأحدث أنواع السلاح وبكل الطرق الممكنة برا وبحرا وجوا. هذا الجيش "الأخلاقي" لم يرحم البشر ولا الشجر ولا الحجر!
وفق تقرير القاضي ريتشارد غولدستون قامت الحكومة الإسرائيلية بالحصار التام على قطاع غزة, ومنعت دخول وخروج الاحتياجات الضرورية لضمان البقاء على قيد الحياة, وكذلك منعت دخول وخروج الإنسان والحيوان ما قبل شن الحرب على غزة. وأوقفت إمداد غزة بالوقود والكهرباء لمدة أيام. هذه الإجراءات أثرت على حياة الإنسان والحيوان في غزة بشكل سلبي, حيث أنهم صارعوا على البقاء أحياء. وحسب رأي البعثة التابعة لمجلس حقوق الإنسان من قبل الأمم المتحدة, كانت هذه الإجراءات بحد منافية لقوانين اتفاقية جنيف الرابعة.
اتفاقية جنيف الرابعة المادة 32 تنص على "حظر العقوبات الجماعية ", وحسب المادة 23 يجب على المحتل أن "يكفل مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية " وكما يجب عليه أن "يكفل رسالات الأغذية الضرورية والملابس والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر , والنساء الحوامل والنفاس" . حكومة إسرائيل السابقة أغلقت قطاع غزة بشكل تام لأيام ولم تضمن دخول الغذاء والدواء واللوازم الطبية ولوازم المستشفيات والسلع والاحتياجات الضرورية لسكان قطاع غزة, وبهذا رأت البعثة لحقوق الإنسان أن حكومة إسرائيل خالفت اتفاقية جنيف الرابعة حتى قبل إعلانها الحرب على غزة. ومازالت الحكومة الحالية على هذا النهج رغم تصويت مجلس حقوق الإنسان على تقرير غولدستون, الذي يتهمها بالقيام في جرائم حرب. وحتى أنها لا تلمح بإشارات أنها سوف تغيير نهجها المخالف لاتفاقية جنيف الرابعة.
أعلنت حكومة إسرائيل الحرب وهجم الجيش " الأخلاقي" الإسرائيلي على غزة برا وبحرا وجوا, وكأن غزة مدججة بالآلات الحربية, وسرعان ما فهم القاصي والداني أن العدوان لم يلاق إلا ردا خجولا في سلاح بدائي لا يقارن بالسلاح الإسرائيلي الحديث. ولذلك كان حجم الدمار يوصف بأحجام زلازل ذو درجة عالية على سلم ريختر التي تخلف وراءها دمارا هائلا. بالاستناد إلى بحوث منظمات غير حكومية, وصل عدد الضحايا من سكان قطاع غزة إلى 1417 شخصا ومعظمهم مدنيين, والنسبة الأكبر كانت من بين الأطفال والنساء. إن النسبة المئوية من بين الضحايا المدنيين أثارت قلق بالغ الخطورة بشأن الطريقة التي قامت حكومة إسرائيل في عملياتها العسكرية بالحرب على غزة. القوات الإسرائيلية قامت بهجمات غير مبرره على مباني مدنية. وهكذا دمرت مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني ومبنى السجن الرئيسي في غزة بصورة كليه حيث لا يصلح كلا المبنيين للاستخدام بعد التدمير. لذلك ترى البعثة أن هذه الهجمات باتت متعمدة على أهداف مدنية, مما تشكل انتهاكا لقواعد القانون الإنساني الدولي, وهذه الوقائع تشير إلى ارتكاب خرق خطير الذي يتمثل بالتدمير الواسع بدون تبرير ضرورة عسكرية ولذلك أنه غير مشروع.
نتائج فحص البعثة وصلت إلى مقتل حوالي 240 شرطي فلسطيني كانوا يتواجدون في مرافق مخصصة لهم. حين شنت القوات الإسرائيلية على مرافقهم في الدقائق الأولى من بدء العمليات العسكرية. وتوصلت البعثة إلى النتيجة أن أفراد الشرطة استهدفوا وقتلوا عمدا. والبعثة توصلت إلى نتيجة تقضي بأن أفراد الشرطة يتبعون هيئة مدنية مهمتها تنفيذ القوانين, علما أنهم لم يشاركوا في أي عمليات عسكرية.
استنادا إلى تحقيقات البعثة وإلى بيانات مسئولي الأمم المتحدة قصفت القوات الإسرائيلية المساجد والمدارس والمستشفيات وسيارات الإسعاف رغم أنه لم يثبت أنها استعملت لعمليات عسكرية او كدروع للحماية. وكما تعرضت مكاتب الأمم المتحدة لهجمات عسكرية, ومنها تعرض مجمع المكاتب الميداني للأمم المتحدة لإغاثة الفلسطينيين ( الاونروا) للقصف بالذخائر العالية التفجير والفوسفور الأبيض, رغم أن المبني كان يأوي بين 600 – 700 مدني, ورغم أنه كان يتضمن مخزنا ضخما للوقود. وقد استمرت القوات الإسرائيلية في هجومها لمدة ساعات على الرغم من تنبيهها. وبهذا انتهكت حكومة إسرائيل قواعد القانون الدولي مرة أخرى.
وتابعت التحقيقات بنتائج في غاية الخطورة. والتي توصلت إلى ألهجمات المباشرة على المدنيين. وهكذا قصفت المدارس والبيوت الخاصة التي استخدمت حماية للمدنيين بشكل متعمد, وقصف مسجدا أثناء صلاة المغرب وقتل المدنيين بدم بارد.
البعثة الدولية توصلت إلى نتائج تثبت أن البنية التحية لم تسلم من الهجمات العدوانية للحكومة وللجيش الإسرائيلي. وقد أفادت التقارير أن الهجمات أدت إلى تدمير مصانع لإنتاج الأغذية ومنشآت المياه ووحدات معالجة الصرف الصحي. وتدميرها كانت ليس إلا انتهاكا للأعراف الدولية واتفاقية جنيف الرابعة, وهذا ما يشكل جريمة حرب. كما أن مطحن الدقيق الوحيد الذي لا زال يعمل في غزة أثناء الحرب على غزة, والذي كان المصدر الوحيد للحصول على رغيف الخبز الأخير, قد قصف هو الآخر وحرم السكان المدنيين من قوت عيشهم. وتابعت الآلة العسكرية الإسرائيلية بتدمير مزرعة الدواجن التي كانت تزود 10% من احتياجات سوق البيض في غزة بشكل منهجي. وكانت المزرعة تحتوي على 31000 دجاجة, جميعها قتلت ودمر المعمل ولم يعد صالحا لاستمرار العمل فيه. وتستنتج البعثة أن هذه الأفعال كانت متعمده, وتعتبر انتهاكات للقانون الدولي ويمكن أن يشكل جريمة حرب, بسبب منع المواطن من الحق للحصول على الغذاء وما يكفي من أسباب العيش.
وتابعت هذه الآلة في نهجها عندما ضربت جدار إحدى البرك للصرف الصحي, مما تسبب في تدفق المياه الغير معالجه إلى الأراضي ألزراعيه, وتوصلت البعثة إلى نتائج توحي بأن الضربة ارتكبت عمدا ومع سابق إصرار. وهذا ما يمنع المواطنين من الحصول على مياه الشرب, وزيادة على ذلك أدى إلى كارثة بيئية , والمياه للشرب تعتبر جزءا من حق الحصول على غذاء كاف, وهذا ما يوصل إلى نفس النتيجة القانونية, أي يعتبر انتهاكا آخر للقانون الدولي.
الحجر والشجر لم يسلم من الآلة العسكرية المدمرة. وهكذا دمر ما يقارب 3354 منزلا بشكل كلي. وأصيب 11112 منزلا بأضرار جزئية. وما نتج عن ذلك من تشرد السكان. وهذا أثر سلبيا بشكل خاص على الأطفال والنساء. الحصار والآلة العسكرية دمرت ما يقارب 280 مدرسة ودار حضانة, ألشيئ الذي ضاعف من المشاكل النفسية لدى الأطفال.
تحقيقات البعثة توصلت إلى عدة حوادث أجبرت القوات الإسرائيلية مدنيين فلسطينيين تحت تهديد السلاح بالاشتراك معهم في عملياتهم العسكرية للاحتماء بهم, وهذا بحد ذاته يشكل انتهاكا للقانون الدولي.
كل الحالات التي وصفت كانت استنتاج البعثة الدولية التي شكلت العامود الفقري لتقرير غولدستون. وهذه الحالات اعتمدت على أبحاث استمرت حوالي 9 أشهر. وليس عجبا, أن القاضي غولدستون
أستنتج أن حكومة إسرائيل وجيشها " الأخلاقي" أرتكب جرائم حرب. يوم 2.10.2009 طلب مندوب فلسطين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تأجيل البحث في تقرير غولدستون بسبب ضغوطات إسرائيلية وأمريكية إلى مارس 2010. هذا التأجيل سبب لغضب عام في الشارع الفلسطيني وردود فعل غاضبه في الأوساط العربية ومنظمات حقوق إنسان دوليه. حتى أن راح بعض المحللون السياسيون بعيدا, عندما وصفوا الخطوة بأنها طوق النجاة الفلسطيني الذي أنقذ الحكومة الإسرائيلية من الإدانة وملاحقة المتهمين من محاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدولية. ربما اعترفت السلطة الفلسطينية بالخطأ الذي اقترفته. وهذا كان الدافع الذي وقف وراء تراجع السلطة الوطنية الفلسطينية, عندما طلبت عقد جلسة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان ليوم 16.10.2009 للبحث والتصويت على تقرير غولدستون. وبعد إلقاء كلمات مندوبي الدول المعنية تم التصويت على التقرير, حيث وافقت 25 دولة عليه وصوتت 6 دول ضده وامتنعت 11 دولة. ولكن منذ يوم التصويت على التقرير وحتى هذه اللحظة لم يتوقف الإسرائيليون عن البكاء.
ابتدأ البكاء ممثل إسرائيل أهرون لشنو-ياعر عندما أعطيت له الكلمة. بدأ يتغنى بالنظام ألديموقراطي الذي يستطيع إعطاء التبريرات لأفعاله, ومفتخرا في التحقيق عند حصول الأخطاء. وأردف قائلا: أن لإسرائيل الحق الدفاع عن النفس. كما وحاول أبعاد النظر عن الموضوع وطلب التحقيق في حقوق الإنسان في داخل الدول التي طالبت في التحقيق.
نعم لا أجد جملة ملائمة أكثر من جملة "أطلقوا النيران والآن ويبكون" ! تقرير غولدستون الذي يحتوي على 575 صفحة, ويذكر مرارا وتكرارا أن الآلة العسكرية الإسرائيلية اقترفت جرائم حرب. ولم يسلم من هذه الآلة لا بشر ولا حجر ولا شجر. يسميه أهرون لشنو-ياعر " حق الدفاع عن النفس ". ولم يتوقف رئيس حكومته نتنياهو عن التهجم على التقرير وعلى صاحبه اليهودي القاضي ريتشارد غولدستون. وحاول نتنياهو بلا كلل ولا تعب إقناع رؤساء الدول, بأن يدلوا أصواتهم ضد التقرير.
طبعا لا جديد تحت الشمس, والحجج لا تتغير, " لإسرائيل حق الدفاع عن النفس " .
والتصديق على التقرير يكون بمثابة "عائق أمام عملية السلام ". لا أدري كم يفكر السيد نتنياهو ما هي نسبة ذكائه؟ وكم يستخف بذكاء سامعه؟ فهو يريد منا أن نصدق ما قامت به حكومته
وجيشها " الأخلاقي " وعملياتها العسكرية التي كانت بمثابة جرائم الحرب حسب تقرير غولدستون, ليس إلا أنها كانت لصالح "عملية السلام" وأنها كانت بمثابة " دفاع عن النفس" !! وكذلك تتغنى ممثلة إسرائيل في الأمم المتحدة السيدة غبريئيلا شلييف في نفس الاسطوانة التي حفظتها غيبا من أسيادها. لا أدري عن أي سلام يتكلم رئيس حكومة ال- ""Smarties أي " الأذكياء " . هل يتكلم عن سلام يبنى على جثث ضحايا غزة؟ هل يتكلم عن سلام بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية؟ هل يتكلم عن سلام انتهاك حرمة المقدسات في القدس وغيرها؟ إذا كنت ذكي بما فيه الكفاية يا نتنياهو, عليك أن تسمع صوت الذي يصغي إليك. بحق ربك يا نتنياهو هل أنت مقتنع بما تقول؟ وإذا كنت أنت غير مقتنع بما تقول, لماذا تطلب من سامعك أن يصدق ما تقول !؟ كفوا عن إطلاق الرصاص, وأنهوا الاحتلال وأعطوا الشعب الفلسطيني حقوقه, وحريته, وأعطوه أن يبني دولته المستقلة, عندها لا تحتاجوا إلى البكاء للعالم, لأن حريتكم تبدأ عندما يأخذ جيرانكم حريتهم!