نور صبري يعمل خبازا ومهندس مبرز يتسول في شوارع كركوك
مرتان اجتاحتني فيهن مشاعر الالم الذي اعتصر قلبي. وانا اشاهد مادتان تلفزيونيتان عرضتا الاسبوع الماضي, برهنتا لي مرة اخرى, كم هو رخيص ذلك الانسان العراقي البسيط؟ في هذا البلد الذي كان ينبغي لابناءه العيش كما هم المترفون في بلدان كثيرة من العالم, لها حظ أقل من الثروة والامكانيات المهيأة للتطور الاقتصادي والاجتماعي .. ولكي لاأتهم بالمبالغة اليكم التلخيص الواقعي لما شاهدت:
اللاعب الدولي نور صبري خبازا !
أي والله .. نور صبري حارس المرمى العراقي الدولي يعمل خبازا في مخبز للصمون العراقي! كما عرضته قناة (العراقية ). الان.. الان , وليس بالامس القريب أو البعيد .. يعمل بيديه منذ السادسة صباحا حتى ساعة متأخرة من كل يوم ( يعجن) و( يشنك ) ويقدم ( الطاولة ) , ويدفع بالعجين الى داخل الفرن الحجري .. يمارس كل هذه الاعمال في اليوم الواحد .. ورب ساءل يتساءل.. كيف يمارس هذا اللاعب الدولى الذي حفظ مرمى العراق نظيفا في بطولة اّسيا وعشرات المباريات الدولية واستحق لقب بطل اسيا مع رفاقة اعضاء المنتخب العراقي تدريباته؟ ..و متى يواصل دروسه المفترضة لاتجاهات مدارس كرة القدم ومبارياتها الدولية , التي تعد احدى أهم شروط تطور اللاعبين ؟
هل يمكن أن يتجه نور صبري الى هذا العمل لو أن مهمته في المنتخب العراقي تدر عليه مايكفيه مؤونة الاتجاه الى عمل يتقاطع تماما مع اختصاصه النادر؟ .. ولماذا لايمنح لاعب دولي مثل نور صبري الراتب الذي يكفل له ولعائلته عيشا كريما ويجعله يتفرغ للتدريب وتطوير المهارات الكروية والاعداد الجيد للمباريات الدولية القادمة؟.. وكيف لنا أن نطالب نور صبري وغيره من اللاعبين الدوليين بنتائج مشرفة للعراق وهم يحرقون طاقاتهم في اعمال لاتتناسب مع مهامهم وصفاتهم الدولية المميزة؟ التي تصرف عليها دول العالم المتمدن ملايين الدولارات.. نعم يبدو أن حظ نور صبري السيىء أنه خلق في العراق الذي لم يشهد خلال تأريخه الحديث نظاما سياسيا واقتصاديا حقق الرفاهية للمواطن العراقي وكفاه شر الحاجة وابعد عنه عقدة التطلع الى مواطني الدول الاخرى المرفهة , وأمن له الامان من عاديات الزمن, من خلال نظام تأمين صحي ومعاشي شامل ومترابط الاجزاء .
أيها السادة الناهبون اللافطون الشافطون لثروات العراق بالله عليكم انظروا يمينا وشمالا الى العراقيين واعطوا كل ذي حق حقه وكما قال سيد الفقهاء وامام الزهد علي بن أبي طالب ( لو دامت لغيرك ماوصلت اليك ).
نور الثمين لم يلغ السبعين.. وهو لم يتقاعد, أو ينتكس ولا زال الحارس الامين لسمعة العراق الكروية. ولكنه يعمل خبازا! وتلك هي المفارقة المذهلة !..مالذي يمكن لنا أن نقوله بعد هذه الفضيحة التي( لم يلبس عليها ثوبا)!!! ولمذا لايتفضل أعضاء مجلس النواب العراقي والوزراء واصحاب الدرجات الخاصة ورؤساء الاحزاب متنوعة الاشكال والالوان والاحجام والتمويل الامبريالي والرجعي والاشتراكي والاسرائيلي . لماذا لايعمد هؤلاء السادة الى اقتطاع بضعة أفلاس من رواتبهم الخرافية توضع في صندوق لدعم الرياضة في العراق؟ اذا لم تتوفر التخصيصات اللازمة لدعم الرياضة والشباب .. واين تذهب تخصيصات وزارة الرياضة والشباب واللجنة الاولمبية العراقية؟.. الا تتوفر بعض ( الفوائض) من النثريات ومخصصات ( المنافع العامة) التي تحولت الى ( المنافع الخاصة ) المتدفقة على جيوب عناصر السلطة الفاسدة؟.. ولماذا يعيش لاعب مبرز مثل نور صبري هذه الحياة المزدوجة بين الشهرة الشخصية الفنية الدولية والكدح اليومي في صناعة الصمون؟
انها مفارقة عراقية بتفرد.. هل نجد من يسمع ويفعل أم أن ماتحدثنا عنه ( رايح ويه الرايحات ).
المهندس حلمي
هذا الرجل تخرج من كلية الهندسة بجامعة البصرة وحصل على الماجستير من جامعة مصرية, وعمل مهندسا في مصنع الحديد والصلب في البصرة . وجدوه في الايام الاولى للاحتلال الامريكي على قارعة الطريق في مدينة كركوك . بعد أن رماه من رماه فاقدا للذاكرة وفي حالة يرثى لها. وهو لايحمل مايدل على اسمه او شخصيته .. عرضت ذلك قناة(البغدادية )ضمن أحد برامحها حيث تساءل مقدم البرنامج عن من يمكن ان يتعرف على هذا الرجل. الذي رعاه واسكنه احد المواطنين دونما معرفة مسبقة . وقد جاءت المفاجأة من( لندن) حيث اتصل دكتور مهندس عراقي قد زامل المهندس حلمي منذ الدراسة الابتدائية حتى نيل شهادة الماجستير في الهندسة ذاكراالمعلومات التفصيلية عن حلمي وتاريخه الشخصي .
لقد أعدمت السلطة في العام 1981والد وأشقاء المهندس حلمي بتهمة الانتماء الى حزب الدعوة .. ويبدو من سياق الاحداث أن حلمي قد اعتقل منذ ذلك الوقت حتى الايام الاولى للاحتلال الامريكي. حيث أطلقت القوات الامريكية السجناء, ولغرض التخلص منه رمته في الشارع العام ..
الى هنا انتهت حكاية المهندس حلمي ولكن دلالات هذه الحكاية لم تنتهه طالما بقى العراق وحياة العراقيين ضمن هذه الدوامة من العنف والتردي الاقتصادي والاجتماعي الذي له بداياته التأريخية وليس له منظور مستقبلي ينتقل بحياة العراقيين الى افق أفضل! .
ونتساءل .. هؤلاء السادة المتسيدون على السلطة في العراق جاؤوا الى الجاه والمال والسلطة تحت شعار المظلومية والاضطهاد الذي تعرض له العراقيون واعضاء الاحزاب الدينية وفي المقدمة منها ( حزب الدعوة) . وها هو اليوم ..رئيس الوزراء ووزراء ومسئولين في الادارات العليا وقبل ذلك مجلس النواب يمارسون سلطاتهم تحت عباءة ( حزب الدعوة). وحلمي فاقد الذاكرة يتسول ويعطف عليه اهل الخير في الوقت الذي كان هو ووالده وشقيقيه رأس الفتيلة في موقف( حزب الدعوة) المعارض للنظام السابق وتضحياتهم قد اسهمت في حمل هؤلاء الحكام من حال الى حال ..أليس للمهندس ( المتسول رغما عنه) حلمي حق فيما ( يلفطه) قادة هذا الحزب وغيره من الاحزاب؟ والى متى تبقى مقولة ( يكد أبو كلاش .. وياكل أبو جزمة) سائدة وتمثل شعار مرحلة طال أمدها وقد أماتت كل أمل للشعب العراقي في حياة كريمة بعيدا عن الحاجة والحرمان في بلد يصنفه الاقتصاديون بأنه( المفتاح لمصادر الثروة) !
ألم أقل لكم أن قلبي قد اعتصر؟ وألم بي الالم , وأنا أشاهد ما حكيت لكم عنه من مثالين عن عد م تكافؤ الفرص في بلد ليس له من الالفية الثالثة غير الانتماء الى العصر. من دون أية مضامين واقعية ..ألم يكن كل من نور صبري والمهندس حلمي عراقيان ؟..اذن فانهما والعراق كله ليس لهم الا الله !!!