Hyde Park Writer since:
05 November 2009

كاتب وصحفي واعلامي عربي من العراق مقيم حاليا في الولايات المتحدة

الجماهيرية العظمى وحكاية العسل المر

قبل أن أنتقل من لندن إلى أثينا، في العام 1980 تعرفت على مدير شركة بريطانية متخصصّة في إنتاج الأفلام الوثائقية مقرّها في المبنى المجاور لمبنى أستوديو الإنتاج التلفزيوني العربي الذي أعمل فيه. وعلمت منه بأن شركته تعتبر أهم شركة إنتاج سينمائي في أوروبا، وأنها تحصل باستمرار على جوائز مهمة بسبب تميّز أفلامها بموضوعاتها المبتكرة.
ومن خلال اللقاءات المتكررة تبلورت لدينا فكرة إنتاج ثلاثين حلقة سينمائية عن أهم ما أخذه العالم من حضارتنا العربية والإسلامية عبر العصور، وصممنا على جعل الحلقات منتجا أوروبيا خالصا موجّها للمشاهد الأوروبي والأميركي، بمخرجين ومصورين وكتاب وموزعين أوروبيين وليسوا عرباً أو مسلمين، حرصاً على ضمان عبورها في قنوات التوزيع الأوربية، ولحمايتها من من احتمال حجبها إذا ما صنفها الموزعون الأوربيون في خانة البروبوغندا العربية الموجهة، ولكي يكون تأثيرها أعمق في الأوساط العلمية والثقافية العالمية،.
وتقرر أن تتمحور كل حلقة حول موضوع محدد نرصد فيه شهادات أهم العلماء الأوروبيين والأميركان، مع جولة على المتاحف والمكتبات والجامعات لتسجيل ما أُخذ وما تُرجم وما لبث حياً ويُدَرَّس إلى الآن في جامعات العالم من إبداعات العقل العربي والإسلامي. فحددنا - مثلاً- حلقة للطب، وأخرى للهندسة، وثالثة للعلوم الدقيقة، ورابعة، للرياضيات وأخرى للفلك، وهكذا. وقد أسمينا الحلقات "ينابيع الحضارة".
إنه مشروعٌ ضخم وواسع وطموح، ويتطلب إنفاقاً كبيراً على السفر لإعداد المادة العلمية وكتابة السيناريو وتصوير المواد الخام وإنتاج النسخ الأصلية بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، ثم بعد ذلك تترجمتها إلى العربية.

طبعاً لم يكن في إمكاني ولا في إمكان الشركة البريطانية تغطية جميع التكاليف، لذلك فكرنا في مفاتحة جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (وكان مقرهما في تونس آنذاك). وبالفعل طرت إلى تونس وقابلت الصديق عبد الله شقرون الأمين العام لاتحاد الإذاعات العربية الذي تحمس جداً للمشروع، وتولّى تقديمي للأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي. ولأن القليبي كان وزيراً للإعلام التونسي قبل تسلمه منصبه الجديد، فقد أدرك بسرعة أهمية مشروع من هذا النوع، وعلى الفور قرر إدراجه على جدول أعمال وزراء الإعلام العرب في أول مؤتمراتهم، وأبدى استعداده للتبرع بمبلغ رمزي من ميزانية الجامعة للمساهمة في نفقات إعداد الدراسات الأولية.
وهنا لا بد من أنوه بجهود اثنين من أخلص ما رأيت في حياتي لقضية ثقافية عربية من هذا النوع، وهما: العالم السوداني الدكتور محيي الدين صابر رئيس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والدكتور خالد بعباع مدير إعلام الجامعة العربية. الأول أخذ على عاتقه مسؤولية متابعة إجراءات توفير الدعم العلمي من قبل وزراء الثقافة والتربية العرب، والثاني تطوع بمتابعة المشروع في أروقة الجامعة العربية، وهو الذي صاغ الرسائل الرسمية والشخصية التي وجهها القليبي إلى وزراء الإعلام العرب، لتحضيرهم لقبول تمويل المشروع، قبل قدومهم إلى تونس، وصاغ توصية مؤتمر وزراء الإعلام العرب، وأنجز مذكرة صرف مبلغ خمسين ألف دولار من ميزانية إعلام الجامعة، بناء على موافقة الأمين العام. وقد أصدرت أجهزة ثقافية وإعلامية وسياسية عربية عديدة مذكرات توصية للجامعة العربية بضرورة تنفيذ المشروع، باعتباره مشروعاً ذكياً يحقق توظيف شهادات علماء أوروبا والعالم لمخاطبة المواطن في العالم، وإقناعه بالفضل الحضاري لأمتنا على البشرية عبر مختلف العصور.
جاء موعد انعقاد مؤتمر وزراء الإعلام العرب، وتسلمت من الأمين العام للجامعة دعوة رسمية لي وللشركة البريطانية لحضور المؤتمر، لشرح تفاصيل المشروع ومناقشته. وصلنا تونس في العاشرة ليلاً، وعند منتصف الليل فوجئت بمكالمة هاتفية رقيقة وحميمة من الأمين العام للجامعة شخصياً يرحب بي وبرفيقي البريطاني، ويتمنى لنا التوفيق، ويدعوني إلى مقابلته في الصباح. المكالمة الثانية جاءت في وقت مبكر من صباح اليوم التالي من العلامة محيي الدين صابر، والثالثة من عبد الله شقرون.
كان يوماً طويلاً ذلك الذي حضرت فيه اجتماع وزراء الإعلام العرب، بما لقيت فيه من صدمات وخيبات. ولولا الصديق عبد الله شقرون والراحل الكبير محمود درويش والفنان التشكيلي إسماعيل شموط والمذيع التونسي فرج شوشان وأحاديثهم الطرية التي كانت ترطّب هواء من حولي، لما تحملت وطأة الملل.
دعيت لدخول قاعة الاجتماع، وبمجرّد عرض المشروع للمناقشة طلب ممثل السعودية وكيل وزارة الإعلام ، يومها، الوزير الحالي الدكتور الشاعر عبد العزيز الخوجة الحديث فقال: "لا داعي لإنتاج مسلسل عن الحضارة العربية، لأن مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك (وهي مؤسسة تمولها دول الخليج) بصدد إنتاج حلقات عن الحضارة الإسلامية، ولا أرى جدوى من تشتيت الجهود".
والأغرب من كل ما حدث أن الجميع سكتوا، ولم يناقش أيٌّ من الحاضرين أي شيء، وبدا لي أنهم قد اعتبروا الموضوع منتهياً عند هذه الحد.

خرجت من الاجتماع وأنا في حيرة؛ هل أتخلّى عن المشروع بهذه السرعة وهذه البساطة بعد كل ما تكلفته من جهد ووقت ومال؟ وهنا خرج الأمين العام وبادرني قائلا: "لا تحزن، سأحاول بطريقة أخرى". شكرته بحرارة على كل ما فعله، ورجوته ألا يكلّف نفسه أكثرمما تكلفت بسببي.

وهنا خرج الدكتور الخوجة، فتوجهت إليه وبادرته على الفور بسؤال: "هل توافق يا دكتور على ذبح إنسان من دون محاكمة؟"، سأل باستغراب: "أي ذبح والعياذ بالله؟"، قلت: "أنا صاحب المشروع الذي ذبحته قبل قليل". فشعر بالحرج وتوقف قليلاً وقال: "يا أخ إبراهيم لدينا مسلسل عن الحضارة..."، لم أدعه يكمل. سألته: "بصراحة هل أتيحت لك فرصة لقراءة ملف المشروع والإلمام بتفاصيله؟"، قال: "بصراحة، لا". وهنا توليت شرح تفاصيل البرنامج، وقدمت له الشريك البريطاني، وأطلعته على ملف موثق عن إنجازات الشركة في العالم. على الفور تراجع واعترف بأنه ظلمني وظلم المشروع، وأقرّ بأن مشروعي أضخم وأهم وأبعد مرمى من مسلسل عربي عن حضارة العرب، وطلب مني أن أمهله لما بعد فترة الاستراحة. عاد إلى القاعة وطلب الحديث، فاعترف بشجاعة نادرة بأنه لم يكن قد قرأ تفاصيل مشروع "ينابيع الحضارة"، وأنه يقترح إعـادة مناقشته. بعد ذلك، وبسرعة، سارت الأمور بشكل حسن، ووافق وزراء الإعلام العرب على تمويله، رغم تحفظ ممثل بلدي حسن طوالبة. وهنا فقط أحسن مدير إعلام الجامعة الدكتور غسان العطية رعايتي، وطلب مني صياغة التوصية التي أريدها، وخلال أقل من ساعة كانت التوصية مُقَرَّة بلا عراقيل. خرجت من القاعة وأنا أشْبَه بالخارج من وكر زنابير. إلى هذا الحد والأمر ليس فيه شيء مهم يسره أن يعرفه. لكن الحكاية المقيرة تبدأ من هنا.

مثلما يظهر لك مارق ويقول لك: "شبيك لبيك"، خرج من القاعة أمين (وزير) إعلام الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى المرحوم إبراهيم البشاري المذيع السابق والصديق القديم طالباً أن يكلّمني على انفراد. قال: "لا بد أن تدرك أنك سوف تحفى من الدوران على وزارات الإعلام العربية مطالباً بتنفيذ تعهداتها بالتمويل. أنا أعرض عليك الأسهل والأقرب للتنفيذ، تأتي معي إلى ليبيا، ولا تخرج منها إلا والدفعة الأولى بيدك، مقابل منحنا الدراسات والبحوث التي سَتُعَدّونها حول مواضيع الحلقات لننشرها نحن في مجلدات باسم الجماهيرية". قلت: "أنت تعرف بأنني لا أملك مثل هذا القرار الآن بعد أن أصبح مشروع الجامعة العربية. دعني أسال السيد الأمين العام". وافترقنا على أمل اللقاء فيما بعد. كان رأي القليبي من رأي إبراهيم البشاري، المهم هو أن ينفذ المشروع كما هو مرسوم له من موضوعية وأمانة. أبلغت البشاري بذلك، لكنني طلبت منه أن يأخذ معه ملف المشروع، ويبعث لي بدعوة لزيارته في ليبيا، بعد أن يكون قد أكمل إجراءات التمويل، بدل أن أرافقه الآن وأنتظر في طرابلس كثيراً، خصوصاً وأن هناك إجراءات تحضيرية تتطلّب عودتي إلى "لندن". واتفقنا على ذلك.

لم تمضِ سوى أسابيع حتى تلقيت مكالمة هاتفية من سفارة الجماهيرية في "لندن" يبلغني فيها أحد الموظفين بأنه تلقى إيعازاً من إبراهيم البشاري بتسفيري إلى طرابلس بأسرع ما يمكن. تسلمت بطاقة السفر وسافرت.
وصلت في الثانية بعد الظهر. وقفت مع الواصلين، وأغلبهم من البريطانيين والأوروبيين، في طابور طويل. كانت إجراءات الجمارك والجوازات سريعة وسهلة إلى الحدّ الذي أشعرني بالزهو والاعتزاز والإعجاب. كانت هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها مطاراً عربياً ولا أشعر بالقلق!
وأخيراً وصلت إلى موظف الجوازات، وبثقة عالية فتحت له جواز سفري على الصفحة التي لطشت عليها تأشيرة الدخول التي أُعطيت لي بإيعاز من "أمين" الإعلام. نظر إليها باستخفاف. أخذ الجواز وأمرني بحدّة قائلاً: "قعمز هني" (أي اجلس هنا). و"قعمزت". وغاب خلف أبواب مغلقة، وبين مغادرته وعودته كان ثلاثة من وكلاء الأمن يدورون حولي، كمن يتوقع من مطلوب للعدالة أن يغافله ويهرب.

مرت أكثر من ثلاث ساعات على وصولي وأنا ما أزال "مقعمزاً هني" وحقيبتي مفتوحة على طاولة موظف الجمارك دون أن أجرؤ على الاقتراب منها، وأخيراً عاد ورمى لي بجواز سفري وقال: "اخرج". وحين تقدمت خطوات لكي ألمّ حقيبتي جاءني صوت آخر جديد من ورائي صارخاً: "لا تقترب، توقف". وراح يقلب الحقيبة وينثر ما فيها من ملابس وأدوات حلاقة بلا رحمة. وفجأة تهللت أساريره، كمن عثر على ضالته. أخرج ملفات باللغة الإنجليزية والعربية، لم يكلف نفسه مهمة قراءتها ليعرف أنها وثائق ورسائل من الجامعة العربية عن المشروع الذي جئت لتقديمه هدية للجماهيرية. طوى تلك الأوراق بلا رحمة ولا عناية، وصاح: "قعمز هني"، ودخل خلف الأبواب المغلقة وغاب طويلاً، وأنا أتمزّق من الغيظ والقلق والانتظار. رأيت ساعة المطار وهي تقترب من السادسة والنصف مساء، وهو لم يعد بعد. في السابعة والربع خرج باسماً وهو يعتذر ببرود ويقول: "خذ متاعك واخرج". خرجت، ثم بحثت كثيراً عمن يكون مبعوثاً من وزارة الإعلام لاستقبالي، دون جدوى.
كيف أكون مدعواً لزيارة بلد من قبل أحد وزرائه، ولا أجد من يستقبلني ويسهّل دخولي ويصحبني إلى حيث سأقيم؟
عدت إلى داخل المطار لأشتري بالجنيهات الإسترلينية دنانير ليبية لأتولّى بنفسي تدبير أمر انتقالي من المطار إلى المدينة، والبحث في فنادقها عن احتمال وجود حجز باسمي. كانت الساعة قد بلغت التاسعة ليلاً، وأنا أتصبب عرقاً من رطوبة صيف طرابلس وحرّه. توجهت بسيارة تكسي إلى فندق "الشاطئ" الذي أعلم بأنه مخصص للضيوف، وكنت قد نزلت فيه في زيارة سابقة. لم يكلف موظف الاستعلامات نفسه عناء تقليب سجل الحجوزات، بل قطع الأمل بحزم شديد زاعماً أن الفندق كلّه محجوز لمؤتمر الشعب العام المزمع عقده بعد يومين. خرجت وأنا ألعن الساعة التي وافقت فيها على هذه الصفقة الخائبة.

لم أجد فندقاً يلمّني ولو لليلة واحدة. فعدت إلى فندق "الشاطئ"، واتخذت من صالونه مرتعاً للاسترخاء والبحث عن حلول. غادر موظف الاستقبال الكسول، وحل محله آخر جديد. تشجعت ورجوته أن يبحث في سجل الحجوزات عن حجز باسمي، وبلا تردد وبأريحية عالية قلّب الصفحة الأولى وقال: "نعم، هذا هو اسمك". دفع إليّ بالمفتاح وقال مازحاً: "يعينك الله. خذ حقيبتك بنفسك واصعد بها السلالم إلى غرفتك في الطابق الثالث لخلل في المصاعد. وكما تعلم فاليوم هو يوم عطلة. والموظف المكلف بالصيانة مجاز". نمت تلك الليلة بلا حراك.

وصباح السبت أفقت مبكراً وبدأت أدير قرص الهاتف بلا ملل، لم أستطع الوصول إلى أي من المسؤولين في الوزارة. طلبت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وسألت عامل الهاتف أن يوصلني بأي مسؤول، وشرحت له طبيعة زيارتي. بعد ثوان فوجئت بصديق قديم هو إبراهيم صكح يرحب بي هاتفياً بحرارة ويسألني: "أين أنت يا رجل؟ لقد عاد موظف العلاقات العامة المكلف باستقبالك بعد أن انتظرك ساعات في المطار ولم تخرج، وقد ظننا أنك لم تصل". وبعث إلي بسيارة لمقابلته على الفور. كنت قد تعرفت عليه عندما كان يعمل مديراً لبرامج إذاعة بنغازي. سألت نفسي: "هل هو يتصنع السذاجة، أم يستغبي الآخرين؟". ألم يكن بإمكان موظف العلاقات أن يدخل مبنى المطار ليعرف أنني كنت سجينه؟ ثم بشرني بأنه أصبح الأمين الجديد(الوزير) للإعلام، وأن الزميل إبراهيم البشاري قد انتقل إلى مهمة أخرى في تشاد. وهنا بدأت حكاية أخرى.
لم يترك السلف للخلف أي ملف وأية أوراق تخص "ينابيع الحضارة". كان ذلك يعني أن نبدأ من الصفر. وأغلب ظني أنه فعل، ولكن التسيب والارتجال وقلّة الهمّة هي السبب.

أمر الوزير الجديد بدعوة عدد من معاونيه، وقدمني إليهم، وشرح لهم بإيجاز حكاية البشاري معي، وأوعز لهم بالنظر في الموضوع، ثم اقترح أحد أولئك المعاونين تشكيل لجنة للدراسة، وثانية للاستشارة، وثالثة للقرار.

خرجت من الاجتماع وأنا عازم على مغادرة ليبيا على الفور، وبدل أن أطلب من سائق السيارة التي وضعها الوزير تحت تصرفي أن يوصلني إلى الفندق، خطر لي أن أعرج على سفارة الإمارات في طرابلس لزيارة الصديق السفير موسى عرب، لأشكو له همي وأخفف من غضبي الشديد. وحين قصصت عليه ما حدث سخر مني ومن سذاجتي، ثم ساعدني على العثور على طائرة تغادر ليلاً إلى القاهرة ومنها إلى "لندن"، ورافقني إلى الفندق ليشاركني ساعاتي الأخيرة في الجماهيرية، ويوصلني إلى المطار.

وفي مطعم الفندق رحنا نتبادل الحكايات الساخرة عن اللجان الثلاث، ويبدو أن شخصاً ليبياً كان يجلس على طاولة أخرى، قريبة منا، كان يسمع بعض حوارنا، وعزَّ عليه أن نسخر من وزير إعلام دولته، لكنه لم يقل شيئاً، ولم يَبْدُ عليه أي ضيق. كانت ملابسه وهيئته لا توحي بأنه أكثر من عامل في مكان ما.
توجهنا إلى المطار بعد قليل، وعند وصولنا كانت سيارة فرنسية الصنع من نوع "بيجو" تقف على مدخل صالة المغادرين. هبط منها ضابط برتبة نقيب، وآخر مدني وتوجها نحونا. سأل الضابط: "من هو الزبيدي؟". قلت: "أنا". قال: "تفضل، أنت مطلوب لمقابلة مسؤول كبير". قدم له السفير موسى وثيقة مصدقة من الخارجية الليبية تثبت أنه سفير، وقال له إنه يريد معرفة الجهة التي تطلب مقابلة صديقه، فلم يكترث، وأدار وجهه إلي طالباً مني مرافقته دون جدل، لم يبقَ لدينا أي شك في أنني مقبل على أمر جلل. قال لي موسى: "اذهب معه وأنا سأتبعك".

وبعد أقلّ من ساعة وصلنا إلى مبنى محاط بالحرس. صعدنا سلالم قليلة لنجد أنفسنا أمام وزير الداخلية. رحب الوزير بنا بحرارة شديدة، وأبدى أسفه لما سمعه من المقدم مولود الرحيبي، وأشار بيده إلى الشخص الذي كان إلى جانبه. إنه الشخص نفسه الذي كان يجلس خلفنا في مطعم الفندق، وأصر الوزير على عدم سماحه بمغادرتي الأراضي الليبية وأنا غاضب على ليبيا. وتناول الهاتف وطلب إبراهيم صكح ليشاركنا اللقاء.

وفي اليوم التالي، وقبل أن نوقع وثيقتين، الأولى عن رؤية اللجنة لجدوى المشروع والثانية حول مراحل التمويل، نطق أحد أعضاء اللجنة بأن المشروع يحمل رائحة الاستغلال الاستعماري لحضارتنا العربية الإسلامية من أجل تشويه الحقيقة وإنكار دورنا في صنع حضارة الإنسان. لكن الوزير (أمين الإعلام) تلطّف والتمس من معاونه عدم الحكم على الأشياء دون بينة، ولأنه يثق بعروبتي فإنه يقترح على أعضاء اللجنة الموافقة والتوقيع شرط أن تبادر دولة عربية أخرى إلى المساهمة في التمويل، ولم يكن أمامي سوى هذا الخيار. وقّعت ورحلت.

وحين قرأ الأمين العام للجامعة العربية تقريري الذي أجملت فيه كل تلك التفاصيل المحزنة، كتب لي رسالة تقطر أسفاً على ما حدث، ووعد بـ"لحلحة" الأمر والتغلب على شرط الجماهيرية. بعد ذلك بأشهر تلقيت مكالمة هاتفية من الصديق المخرج العراقي فيصل الياسري يخبرني فيها بأن منتجة في تلفزيون ألمانيا الغربية (قبل توحد الألمانيتين)  إسمها مارغو لوجين مكلفة بإنتاج مشروع مشابه، لكنها حين علمت بما أنا في صدد إنتاجه مع الشركة البريطانية طلبت منه الاتصال بي وسؤالي عن إمكانية دمج المشروعين في مشروع مشترك واحد. لم يكن من حقي أن أتصرف وحدي في أمر من هذا النوع. طلبت إمهالي قليلاً لمفاتحة الجهات صاحبة القرار.

بارك الأمين العام للجامعة الفكرة، ووعد بمفاتحة الليبيين بها، وحثهم على اقتسام التكاليف. وافق إبراهيم صكح على الفور، وقال: هذا أضمن للنجاح ويسهل التنفيذ، لكنه طلب رسالة خطية من التلفزيون الألماني يتعهد فيها بمنح ليبيا أصول الدراسات والبحوث مقابل نصف تلك النفقات. وافق الألمان، وحضرت المنتجة الألمانية إلى أثينا لتوقيع الاتفاق.

وبعد مغادرتها أثينا بأيام بأنها باشرت بتنفيذ ما يترتب على الجانب الألماني من التزامات، وبقي علينا أن نباشر نحن ما تعهدنا به من خطوات. وعلى مدى ثلاثة أشهر، وجدت نفسي في مأزق ليس من صنعي ولا بسببـي. فوزير إعلام ليبيا يرد على مكالمتي الهاتفية، مرة، ويعدني بقرب تحويل الدفعة الأولى من التكاليف، ثم يمتنع عن الرد على عشرات المكالمات والبرقيات التالية. و"مارغريت" لا تفهم كيف ولماذا تتأخر حكومة تحترم نفسها عن تنفيذ ما وافقت عليه بعد دراسة وتدقيق. وكثيراً ما أحسست بأنها لا تصدّق ما أخبرها به عن سبب التأخير. وبعد ثلاثة أشهر تلقيت رسالة قاسية منها تقول فيها: "إنك أصغر من أن تتعاقد مع دولة مثل ألمانيا على عمل مشترك".

لم يعد في استطاعتي أن أعود إلى وزراء الإعلام العرب طالباً منهم التمويل، فقد موّلت الجامعة العربية مشروعَ فيلم عن العرب تقدم به مخرج مصري يعمل في هوليوود، أو هكذا زعم. وبدل أن يفي بوعده ويجعل الفيلم وثيقة تصحح النظرة الأميركية إلى العرب، تعمّد التقاط أسوأ الصور السلبية المظلمة من حياة المواطن العربي، وجعل من فيلمه شتيمة قاسية للأمة العربية، وبأموالها! وبسبب ذلك قرر وزراء الإعلام العرب عدم تمويل أي مشروع إلا بعد إنتاجه ومراقبته والتأكد من صلاحيته.

وهكذا مات ذلك المشروع ودُفن في مقابر "الجماهيرية العظمى" مع الأسف الشديد



(224933) 1
الحمد لله على السلامة...
ابو عمر الفلسطيني.
احمد الله على خروجك من تلك المعمعة سالما معافى,ولم يتم اتهامك بانك كنت من المتآمرين على اعدام الشهيد
البطل عمر المختار,او كنت من الذين تآمروا على اغراق باخرة التايتانيك...الحمد لله على السلامة.
November 5, 2009 4:07 PM


(224942) 2
على مين يا زبيدى
سامى من ليبيا
زعلان لأنك ما اخذت كومشن
November 5, 2009 5:35 PM


(224991) 3
إلى ملك ليبيا العظمى
unicef
أنصحك بلم أولادك الزعران الفلتانين في أوروبا لأنهم عفنوا وطلعت ريحتهم. اطلب منهم أن يلموا زبالتهم ويعودوا إلى بلادهم حيث لن يجدوا من يحاسبهم على سفالاتهم وقذاراتهم باعتبارهم من سلالة الملوك.
November 6, 2009 8:59 AM


(225010) 4
مرحبا بإبن الرافدين في عربتايمز تقرب الغرباء ولو سكنوا على آلاف الأميال
علي سوداني
ماذا يقال
عن وجهيَ الباقي كسارية يواجه وحده لفح السؤال
بعيون أجيال ستأتي في غدٍ
ماذا يقال؟!
ذهب الرجال
وبقيت مثل السيف ألهث في الرمال
November 6, 2009 12:19 PM


(225011) 5
هذا للاسف هو حالنا
عادل معروف
هذا للاسف يا استاذ ابراهيم حالنا مع حكامنا العرب ووزرائهم العرب فدولنا تحولت الى ضيع للحكام ولا احد يهتم منهم بشيء غير جمع المال والبقاء ف السلطة اسلوبك في الكتابة يعجبني نرجو ان تكتب المزيد من شهاداتك على العصر العربي والاعلامي
November 6, 2009 12:19 PM


(225061) 6
انه ضحك كالبكاء
مظفر
فعلا انه ضحك كالبكاء فهذا هو الحال ليس في ليبيا وانما في جميع الدول العربية ولو قدمت عروضك يا اخ ابراهيم في امريكا مثلا لوجدت الف مؤسسة امريكية تتبناها الحكام العرب لا يريدون مشروعات ثقافية لو كانت فكرتك عن برنامج وثائقي عن حياة شيخ او امير لوجدت الف اسجابة من وزارات الاعلام
November 7, 2009 1:37 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز