في إحدى المباريات الكرويّة أقدم مجموعة من الشبّان على ضرب أحدهم لأنّه تهكّم مازحا على الفريق الوطني و كادوا أن يقتلوه لولا تدخّل رجال الأمن...و آخر رمى بجهاز التّلفاز من النّافذة من شدّة غضبه و توتّره لأنّ الفريق الآخر سجّل هدف التّعادل...و آخر مات بسكتة قلبيّة لشدّة فرحه بفوز فريق بلده...و هكذا...
المصريّون و الجزائريّون هذه الأيّام مستنفرون معبّأون و الأجواء بينهم مشحونة محتقنة يلفّها و يخنقها غبار الملاعب و المباريات الكرويّة، الأعصاب مشدودة و العواطف متأجّجة و الانفعالات بلغت أوجها و كلّ طرف تحدوه الرّغبة في التّأهل لتصفيات كأس العالم...قبل مقابلة الرّابع عشر من شهر نوفمبر الجاري الشّعب العربي المسلم في مصر و الجزائر مرجل يغلي القلوب و العقول على صفيح ساخن و لو وجد الفريقان سبيلا للتّواجه و التّلاقي في ساحات الوغى لتنايكا و قطّعا بعضهما البعض من شدّة الحماسة و الغضبة لماتش الكرة..!
الدّهماء و المسترزقة من إعلاميين و صحفيين و غيرهم من الجانبين وجدوا ضالّتهم على ما يبدو في وسائل الإعلام المختلفة و الشّبكة العنكبوتيّة كساحات افتراضيّة بديلة يتاجرون من خلالها بهيجان الشّعوب و عواطفهم الّتي لا يؤجّجها و لا يستثيرها إلاّ المشايخ و ماتشات الكرة و يفرغون بوساطتها و يساعدون تلك الشّعوب على إفراغ عُقدهم و غِلّهم و يصبّون على بعضهم البعض حميم و جام غبائهم و غضبهم و يعملون ما وَسِعهم على تأجيج و إلهاب المشاعر الكرويّة لشعبي البلدين دون رويّة أو أدنى حشمة أو تفكير....!
شؤون لعبة كرة القدم عجيب غريب خاصّة في بلدان العُرب المنكوبة بأمراضها و علاّتها...أي نعم عدد كبير من شعوب الأرض بما فيها أوروبا الكافرة بصفة عامّة تهزّها اللّعبة و تؤجّج مشاعر النّصر و الهزيمة لمحبّيها و المرضى بها، هم ليسوا بذات مناعة عن سحر الكرة المستديرة و تأثيرها و منزلقاتها نحو انحرافات و مظاهر غير لائقة مثل العنف و الأعمال التّخريبيّة...
بيد أنّ لاهتمام الشّعوب العربيّة و ردّ فعلها إزاء ماتشات الكرة خاصّة تلك الّتي تجري بين بعضهم البعض لون مغاير و طعم مختلف...الشّعوب العربيّة و الإسلاميّة الّتي تعيش عالة على شعوب و أمم الأرض...الشّعوب العربيّة و الإسلاميّة الّتي لم تشارك في حضارة البشر بشيء يُذكر...الشّعوب العربيّة الإسلاميّة الّتي أصبحت رمزا عالميّا للتّنكيت و التّفكّه بما أعطته عن نفسها من انطباعات غاية في القبح و السّوء....الشّعوب العربيّة الإسلاميّة الّتي لا ينافسها شعب في الغباء و الثّرثرة و الكسل، مثل الّذي يحصل في أيّامنا هذه بين شعبين عربيين مسلمين هما الشّعب المصري و الشّعب الجزائري...أمر عجيب حقّا...؟!
يمكن لأيّ عاقل أن يتفهّم حماسة الشّعب الألماني مثلا أوالإيطالي أو الفرنسي و تأجّج مشاعر المشجّعين الكرويّة في تلك البلدان لأنّ من حقّهم الطّبيعي أن يتسلّوا و يستشعروا مشاعر المنافسة و الرّوح الرّياضية الّتي تفيضها كرة القدم أو أيّة لعبة أو رياضة أخرى كما اعتادوا أن يفعلوا في كلّ المواعيد و المناسبات الرّياضيّة الدّوليّة و على رأسها الألعاب الأولومبيّة الّتي و مع الأسف يتجاوز خلالها نصيب أصغر و أضعف دولة غربيّة الدّول العربيّة و الإسلاميّة مجتمعة، أغلب الميداليات تفوز بها السّيدات و فتيات و طفلات في ألعاب السّباحة و الجمباز و غيرهما بينما عندنا نحن لا زلنا نعتقد أنّ المرأة عورة و من المستحيل عليها طبعا أن تشارك في ألعاب مثل هذه و هي تلبس الحجاب و تغطّي رأسها بالبرقع...و يا للعار فإنّنا دار الإسلام و أهل العُرب لا نكاد نرى أنفسنا بينهم أو أمامهم من فرط ضآلتنا و تفاهتنا و قلّة آدائنا في كلّ عمل و في كلّ عطاء و في كلّ مناسبة أو منافسة رياضيّة جادّة من أيّ نوع كانت باستثناء طبعا تفوّق ساحق في الثّرثرة و الغوغائيّة و سوء الأخلاق....!
لهم الحقّ أن يلعبوا و يتسلّوا و يخصّصوا وقتا لماتش كرة أو غيره لأنّهم صنعوا و أبدعوا و تربّوا و نظّموا أنفسهم و بنوا مدنهم و صنعوا حضارة نعيش بها و نعتمد عليها في كلّ شيء...حضارة أضافت للإنسانيّة و ارتقت بالبشريّة...حضارة ما تنفكّ تبهرنا و تثير إعجابنا مهما تجاهلناها و تعمّدنا إجحافها و التّعالي على أصحاب الفضل فيها...!!
لم أرى في حياتي شيء يفعل فعل كرة القدم بعقول النّاس خاصّة في بلداننا (إن كانت لهم عقول أصلا) مثل ما تفعله كرة القدم...إنّها بالتّأكيد الشّيء الوحيد القادر على إيقاظ شعوبنا و بعثها من مرقدها و سباتها الّذي طال...الشّيء الوحيد في وقتنا الحالي الّذي يبعث فيها الحياة و يحرّك همّتها و وعيها و حيويّتها و يركّز زخمها و تيّارها الجارف في اتّجاه واحد لا يتعدّى التّخريب و الحمق و الهمجيّة و الغوغائيّة...إنّها الشّيء الوحيد بلا شكّ في عصر الانحطاط الّذي تعيشه هذه الأمّة الّذي باستطاعته استنفار و تعبئة شعوبنا النّائمة و الغائبة عن الحسّ و الوعي بنفسها و بالآخر لكن باتّجاه الفوضى و الهمجيّة....!
أنظروا ما تفعله الماتشات الكرويّة في أيّامنا هذه بالشّعبين المصري و الجزائري و اللّذين من المفترض أنّهما شعب واحد ينتميان إلى أمّة بني يعرب و أهل الإسلام و يلتقيان في عدّة مشتركات دينيّة و لغويّة و مصيريّة، بالإضافة إلى أنّهما يشتركان في نفس الهموم و التطلّعات و كلاهما يعيشان و هما يدريان أو لا يدريان عصرهما الظّلامي أو الحجري الأوّل و يغرقان في أدنى دركات التخلّف و مع ذلك نراهما هانئان ناعمان محتسبان قانعان راضيان لا تحرّكهما و لا تهزّهما كلّ تلك الخوازيق الّتي تدخل دفعات و مع بعضها البعض في مؤخّراتهما منذ عقود و عقود لا بل استحليا على ما يبدو القعود عليها صعودا و نزولا...!
لا هذا الشّعب و لا ذاك يهزّه أو يحرّكه شيء إلاّ الماتشات و المواعيد الكرويّة...كلّ التخلّف الّذي يعيشانه و الانحطاط الّذي يرزخان تحته في كلّ مجالات العمل و الإبداع...كلّ مفاسد هذا الشّعب أو ذاك، كلّ الهمجيّة و الاندحار المادّي و المعنوي وكلّ التردّي الخُلقي و الحضاري الّذي ألحقوه بأنفسهم و بلدانهم لا تعنيهم و لا تهمّهم و لا تحرّك فيهم شعرة واحدة...كلّ موبقات هكذا شعوب و كلّ وضاعتها و رخصهما و هوانها و انبطاحها للعسكر و لمجموعات من اللّصوص و الحراميّة تحكمها و تذلّها و تدجّنها كالدّجاج و الحيوانات الدّاجنة خدمة لمصالحها و من أجل الاستمرار في ركوبها و استحلال كرامتها و حرّيتها و لقمة عيشها...كلّ هذا لا يحرّكها بل لا تشعر به و لا يشكّل لديها أدنى اهتمام....؟!
أمّا ماتش الكرة فهناك قطاعات كبيرة من الدّهماء من الخلق في البلدين و على رأسهم عدد من الإعلاميين و الكتّاب و أفراد النّخبة...أنظروا إليهم و إلى لغطهم...أنظروا إلى حرب المواقع الإلكترونيّة و إلى وسائل الإعلام المختلفة في البلدين...تلاسن و معارك كلاميّة متبادلة بلغة لصوص الشّوارع...أنظروا إليهما كيف حوّلتهما الرّوح الرّياضيّة أو بالأحرى الرّوح الشّيطانيّة لكرة القدم إلى كائنات همجيّة رعناء مهووسة ترفس خبط عشواء في سياق دعم و تشجيع كلّ طرف لفريقه...!
الشّعبان يعبّئان أبناءهما و فنّانينهما و مشاهيرهما و كتّابهما و صحافيوهما و حتّى سياسيّوهما و حكّامهما أدام اللّه ملكهم و عزّهم...التجّار في البلدين في سباق محموم من أجل ملاحقة طلبات المناصرين من الأَعْلام و القمصان و الشّرائط الملوّنة و الصّور و الشّعارات و كلّ وسائل الدّعم و المناصرة...حتّى المغنّين يتسابقون في تأليف أغاني التّحمية و الحماس...
في الشّوارع و السّاحات العامّة تُعلّق الأعلام و صور اللاّعبين و توضع شاشات تلفزيونيّة عملاقة لمشاهدة المباراة و حشد التّشجيع و الدّعم، و أعراس و احتفالات صاخبة مدوّية داخل المنازل و على طول المدن و عرضها إن فاز الفريق، و شغب و أعمال تخريبيّة و انتقاميّة إن خسر...و حوادث و أحداث تحدث و جرائم و اعتداءات تُرتكب باسم و لأجل الماتش أثناء سيره أو قبله أو بعده..و هكذا...!
الشّعب في البلدين مستنفر معبّأ مجيّش عالي اليقظة و الجهوزيّة من أجل ماذا...من أجر كرة مطّاطيّة يدحرجها اللاّعبون بينهم و يلعبون بها...؟!
أفيقوا يا شعوب الفراعنة و البربر و يكفيكم تفرعينا على بعضكم البعض و انظروا إلى حالكم و كوارثكم الحضاريّة و النّفسيّة و الخُلقيّة، إنّها الأولى في نظري بهبّتكم و تعبئتكم و همّتكم و تجييشكم...هبّوا و عبّئوا ضدّ الظّلم و الفساد و المفسدين و ضدّ التخلّف و الانحطاط و ضدّ الكسل و ضعف الأداء....أظهروا بأسكم في الأشياء المفيدة و المجدية لا في ماتش كورة... جيّشوا قدراتكم و حماستكم من أجل نهضة مادّية و إنسانيّة و لا ضير حينها أن يشجّع كلّ شعب منكما فريقه و الفائز من الفريقين يناصره و يدعّمه الجميع من البلدين في تنقّله إلى تصفيات كأس العالم المرتقبة....