قد تعجبون من هذا العنوان لكن الحقيقة أن الجوانب المشرقة في بلادي أكثر من أن تحصى وأولها المصري نفسه.. فهذا الشعب كما قلت وأكرر هو أعظم الشعوب (في عيني) على الإطلاق.
في زيارة لي لأحد جيراني المسجونين في سجن القطا وهو مجمع للسجون أنشأته وزارة الداخلية في قلب الصحراء هناك بعيدا بعيدا بعد ضواحي الجيزة حيث لا تجد هناك سوى قطار المناشي الذي يسافر بك بدلا من أن تسافر به. عيون غير ألوانها الحزن ، وأجسام أعياها السفر ، وأسر كثيرة تحمل ما تيسر لها من طعام ادخرته بشق الأنفس لتعطيه سجينها. قطار يلخص حال الفقراء في مصر ، قطار جدير بأن أفرد له مقالا بل مقالات سيما بعد أصبحت السكك الحديدية وحشا لا يرتوي إلا بدماء هذا الشعب المسكين الذي لم يجد بدا من أن يركبه قطار لا أن يركبه هو في عالم انكفأت فيه الموازين فأصبح اللص مؤتمنا والأمين مخوناً.
برغم كل شيء .. أكرر برغم كل شيء ما تزال أيادي الأم المصرية معينا لا ينضب من الصبر والحنان تماما مثل مصر التي يستنزفها الطغاة من عهد الفراعنة إلى العهد المبارك ...ما تزال الأم تجري وتلهث خلف أولادها المسجونين تخيلوا لماذا سجنوا؟ هذه قصة المقال وخلاصته والسبب في تحيتي لوزارة الداخلية:
المخبر عبد العال رجل طموح يعمل في الشرطة ، وبعد كل يوم من أيام العمل الشاقة يذهب إلى بيته مناجيا نفسه ومحدثا زوجه بأنه جدير أن يصير وزيرا للداخلية فهو مثقف بل إنه يجيد الإنجليزية وتظل الأحلام تراود عيونه حتى ينام فيصحو كل يوم ليذهب إلى الضابط يطيعه ويطيعه في كل أوامره في ضبطيات الشرطة للمجرمين ، وفي إحدى الليالي ضبط أحد المارة ومعه مخدرات وشيك مزيف مكتوب به: ادفعوا لحامله مبلغا وقدره مائة ألف جنيه ، يسوق عبد العال المجرم إلى قسم الشرطة ويطلب الضابط منه حصر الأحراز فيخرجها عبد العال ويخفي في ثيابه هذا الشيك المزور لكن وباعتراف المجرم يعنف الضابط عبد العال على استبقائه الشيك في ثيابه ، ويملؤه العجب إذ إن الشيك مزور فما فائدته لعبد العال. يجازى عبد العال ويخصم الضابط من راتبه جزءً عقابا له لكن عبد العال يعود إلى بيته فرحا جزلا منتشيا بالشيك المزور مصرا على إخراجه من جيبه بين حين وآخر وكأنما يطعم عينيه الفرح والسرور بينما يكرر: ادفعوا لحامله مبلغا وقدره مائة ألف جنيه ، تنظر إليه زوجه مستغربة لكنها تعرف أن عبد العال ليس فرحا في الحقيقة وإنما هو محبط ، وبينما يعلم أن الشيك وهم لكن ما عساه يفعل إن عدم كل شيء سوى الوهم.
كانت هذه هي قصة الكنز وهي قصة مغمورة ليوسف إدريس ...ربما تبدو القصة سخيفة لكنكم إذا عرفتم مثلي أن إدريس كان يستخدم العلم في كتابته ، وكان على درجة عالية من الثقافة بدليل أن وظف علم النفس هنا فستشعرون حتما بما أشعر به ويشعر به المصريون الآن.....الإحباط المستعذب وهذه تسميتي أنا لما نعانيه في مصر...لا تظنن أن شعبنا مهمل أو أنه يكره النظافة والنظام...لا ...شعبنا شديد الجمال والأدب والنظام لكنه بهذا يخرج رد فعل شديد الغضب ضد الطغيان.. ضد الإهمال الذي يلاقيه من حكومته...إنها مقاومة ولدت من رحم الإنكار والكراهية ببساطة: ضاع الانتماء.
عند دخولي بوابة السجن وبعد تفتيش دقيق طبع السجان على يدي ختما أكد أنه لو محي الختم من يدي فلن أخرج من مجمع السجون لأن هذا الختم يعني أنك زائر ولست سجينا. المنظر مهيب ، بوابات كبيرة وأسوار قاسية وكلاب حجمها غريب وأسلحة وسيارات وذخيرة كل هذا في قلب الصحراء ...كنت أتوقع أن أرى السجناء كما تصورهم لنا السينما بوجوه دميمة وسلوك مشين لكني رأيت بينهم أناسا تصرخ سماتهم بالبراءة. أكثر من لفت نظري هو هذا الرجل الذي تجلس إلى جانبه زوجه وبنته وولده الصغيران بينما يبكون جميعا ويحتضون بعضهم في مشهد من أروع ما رأيت في حياتي ، وشكرا لهم فقد استدروا الدمع من عيني ، وشكرا لكل من يرطب عيني ويجلو عن قلبي القسوة بالبكاء فهي عندي أصدق لغة وأعذب لحن. علمت أن هذا الرجل وغيره كثير من السجناء قد سجنوا لأنهم وقعوا شيكات كثيرة بينما تعرضوا لضائقة مالية ، ومنهم من أراد تجهيز ابنته للزواج فاستدان قدرا بسيطا من المال أو ربما كان ضامنا لهذا المبلغ وهو مبلغ تافه يعني مثلا ألف جنيه أو ألفان ، ومع ذلك يصر صاحب المبلغ إما الدفع وإما السجن سيما وأن قضية الشيك تحول إلى النيابة على الفور ، ويبت فيها القاضي سريعا فيتحول المدين إلى السجن تاركا أولاده وزوجه. القصص والمآسي كثيرة ومنها قصة جاري المسكين الذي بكت أمه أمامي واستحلفتني أن أزوره لأنها مريضة لا تستطيع زيارته سيما وأني أعيش في القاهرة وهي لا تعلم أن هذا السجن يبعد عن شقتي بأكثر من 300 كم. هو أيضا مسكين تعرض لطاغوت صغير عين ضابطا حديثا وكان له شدة مثل الغربال فأوسعه لطما وضربا بينما كان جاري يجلس على المقهى يلعب النرد ، ولما عاتب الضابط على فعلته ألصق الضابط به بعضا من الحشيش فأسكنه السجن وحسبت سابقة جنائية لجاري المسكين لأنه تجرأ وعاتب سيادة الضابط.
لكن لماذا أقدم أسمى آيات التحية والتقدير لوزارة الداخلية؟ لأن الوزارة قررت أن تكتب قائمة بأسماء هؤلاء المدينين الذين دخلوا السجن بديون سواء أكانت كبيرة أم صغيرة وتوزع هذه القائمة على أقسام الشرطة والنوادي حتى تسهل بهذا الأمر على من يريد دفع الدين ومساعدة هؤلاء المسجونين وبالتالي تسهيل الإفراج عنهم.
وسأختم بقصة عميقة المعنى روتها نشوى الحوفي الصحافية بجريدة المصري اليوم من أن سيدة قد ضمنت ابنتها في مقابل شراء ثلاجة بالقسط ، ولم يستطع زوج ابنتها الدفع فقاضاها صاحب الثلاجة فسجنها في ألف وسبعمائة جنيه فقط. حاولت نشوى البحث عن الرجل بعد إعلان وزارة الداخلية لأن أحد رجال الأعمال فور علمه بالأمر قرر أن يسدد الدين ، ولما بحثت عنه وجدته قد سافر لأداء العمرة!!!
كل الشكر والتقدير لصاحب هذه الفكرة أيا كان وزيرا أم خفيرا وتحية وشكر عميق لوزارة الداخلية المصرية من كل قلبي ، وبانتظار المزيد من أخلاق الرحمة والعدل.