في إحدى البرامج الرمضانية سأل الإذاعي القدير عمر بطيشة ضيفه الراحل الدكتور هاشم فؤاد السؤال التقليدي عمن يسمع من المطربين و المغنيين .. أجاب العميد السابق لكلية طب قصر العيني الإجابة التقليدية فسرد الأسماء المتوقعة مثل أم كلثوم و عبد الوهاب و عبد الحليم .. ثم سكت برهة .. ثم أضاف مداعباً :
" و أحب أن أسمع أحمد عدوية و لكن في سيارتي بعد أن أغلق النوافذ جيداً ! " .. ثم يضحك و نضحك معه.
حالة الدكتور هاشم فؤاد -رحمه الله- ليست نادرة بل أزعم أن من يستمعون إلى عدوية سراَ عددٌ ليس بقليل بين طبقة " النخبة و الإنتيليجسيا " المصرية و العربية أيضاً. و لعدوية ميزات لا ينافسه فيها إلا القليل من أهل الغناء: صوت عذب شجى و نفس طويل قوي و ألحان بديعة و مواضيع و أفكار مبتكرة تماماً في عالم الغناء المصرى و العربي.
أما عن بعض ألحان أغانيه فقد قرأت أن ملحنيناً كباراً لحنوا له في السر مثل الراحل بليغ حمدي .. الذي فيما يبدو لم يستطع مقاومة صوت عدوية الشعبي الشجي .. فعمل معه في الخفاء حتى لا يخسر مطربيه الكبار مثل أم كلثوم و عبد الحليم الذين كانوا سبب شهرته.
أما عن مواضيع أغانيه فهى غير مطروقة أبداً في معظمها و تعكس حساً شعبياً " مغرقا فى المحلية " -إذا استعرنا تعبير مثقفي المنصات في الندوات الفنية- و ذات مسحة فكاهية واضحة. اخترت لكم إذن من هذه الأغنيات أيها القراء الكرام الأغنية الأشهر له التي شاعت في بر مصر في أواسط السبعينات أغنية "السح الدح أمبو"..
إذ اكتشفت مؤخراً أن كلمات الأغنية و موضوعها ليس بسيطاً أو مسطحاً كما يبدو للمستمع الغافل بل على النقيض ..
هي أغنية " حبلى " بالرموز .. ثرية بالمجاز.. غنية بالإشارات .. متخمة بالتأويلات.
على طريقة " دان براون " مؤلف رواية " شفرة دافنشي " الرواية الأشهر في السنين الأخيرة تعالوا بنا نقرأ كلمات الأغنية قراءة أخرى معاصرة .. نفك فيها الرموز و نجمع المتشتت .. و نربط المتناثر..
يقول عدوية :
السح الدح أمبو .. إدي الواد لابوه ..
يا عينى الواد بيعيط .. صعبان عليا الواد ..
ما تشيل الواد ملأرض .. الواد عطشان إسئوه
موضوع الأغنية جديد تماماً يتحدث عن علاقة الإبن بأبيه .. فالإبن يحتاج لأبيه .. لأنه يبكى من العطش و صغير " آعد فى اللفة صغير" .. و هنا نتسائل و أين الأم في ذلك الموقف ؟
من المؤكد أن عدوية كان يقصد شيئا ً آخر يتجاوز المشهد البسيط الذى يصفه.. شيئا ًربما يجري في المستقبل ! و إلا فقل لي بربك لماذا تجاهل عدوية الأم تماماً في المشهد فلم يستحثها علي مساعدة الإبن الصغير العطشان ؟!
ثمة "أب و إبن" على الساحة السياسية في مصر الآن .. و العلاقة بينهما مثيرة للجدل و صاخبة " عاملة زيطة و زفة " .. هل هي صدفة أن يتعرض عدوية لهذه العلاقة أم .. تراه هو نوع من الإستشراف أو حالة من الحدس أو التجلى الفني دلف إليها عدوية و هو يغني أغنيته الشهيرة دون أن يدري ؟!
و عن صغر الإبن و الشبه الكبير بينه و بين أبيه يتجلى عدوية فيقول :
الواد لسه في اللفة و عامللي زيطة و زفة .. و ده خلى العأل استكفى إكمنٌه شبه أبوه
السح الدح أمبو .. إدي الواد لابوه ..
و يكرر ذات المعنى بكلمات أخرى فيقول :
الواد ده لسه في صغير آعد فى اللفة صغير .. و ده خلى العأل اتحير إكمنُه شبه أبوه
السح الدح أمبو .. إدي الواد لابوه ..
أتُراك في ريب بعد كل الذى بينت ؟ ألا زلت تظن أني أحمل الكلمات ما لا تحتمل من معان و مقاصد !؟
إذن إستمع لهذا الموال الذي يستهل به عدوية أغنيته فيشدو قائلاً :
يا عم يا .. يا عم يا صاحب الجمال
إرحمني دنا ليلي طال
شوف لي جمال
علي أد الحال
يعوض صبري اللي طال
السح الدح أمبو .. إدي الواد لابوه
...
" جمال " على قد الحال إذن هو المراد من رب العباد .. هو " جودو " صمويل بيكيت المنتظر الذي سيعوض الليل و الصبر اللذيْن طالا .. فهل بعد ذلك بيان و إفصاح ؟!
العجيب أن كلاً قد يجد مبتغاه في كلمات هذه الأغنية .. كُتل المعارضة مثلاً ربما تتخذ عبارة : " ده خلّى العأل استكفى إكمنٌه شبه أبوه " شعاراً مناسباً للتنديد بعملية التوريث..
أما من يستثقلون المهمة و الحمل و يشفقون على جمال مبارك فسيناسبهم شعار: " صعبان عليا الواد " ..
أما بالنسبة للحزب الوطني فلا أجد أقوى من : " شوف لي جمال .. علي أد الحال .. يعوض صبري اللي طال " كشعار مُعبر خير تعبير عن أمل و تحديات المرحلة القادمة .. على أن تحذف عبارة : " السح الدح أمبو " من بقية الشعار..
بطبيعة الحال و بمراعاة المآل !