وكأنها آفة تصيب اي امل في معارضة قوية داخل مصر.. اصابت كل احزاب مصر تقريبا واحدا تلو الاخر.. وجعلتهم مجرد شقق سكنية بطعم المقابر لايخرج منها الا رائحة الموت السياسي الدائم.. ولان الساحة فارغة تماما.. ومع تورم الحزب الوطني واستيلائه على كل شبر يخلو من وفاة الاحزاب.. لم يبقى الا جماعة الاخوان المسلمون التي تملك قلبا لازال ينبض.. واصبحت في نظر الرأي العام الداخلي والخارجي الجماعة الوحيدة التي تحتل موقع المعارضة في مصر ولها تواجد حقيقي في الواقع والشارع المصري مهما كان موقفها من الحكومة او موقف الحكومة منها.. كما كانت تتميز دائما بانها الجماعة الاكثر تنظيما والتزاما من الداخل..
ورغم انها ارتضت العمل بنظرية "الخمس" بضم الخاء اي انها لا تشارك في اية انتخابات الا في حدود ال 20 ٪ فقط بحجة البعد عن التهلكة.. وان الله لا يكلف نفسا الا وسعها.. وكأنها شركة تجارية مربوطة بميزانية سنوية.. الا انها بذلك اصرت على ان تظل في حيز محدود.. حدد شعبيتها ايضا.. ومع ذلك فقد شهدت الجماعة في الايام الاخيرة ازمة لها نفس الاعراض المقيته التي سبق واودت بحياة الاحزاب.. وظهرت عليها اعراض الانقسام من داخل الجماعة حول مسألة في غاية الاهمية.. وهى تطوير وتحديث العقول والرجال.. والغريب ان رغبة التحديث جاءت من رأس الهرم الاداري فيها.. حيث اراد المرشد العام محمد مهدي عاكف ان يصعد الدكتور عصام العريان ليكون عضوا بمكتب الارشاد يسانده الدكتور عبدالمنعم ابو الفتوح المريض حاليا في القصر قصر العيني الفرنساوي.. على اعتبار انهما من الاصلاحيين الذين يحملون فكرا متطورا يسعى الى النهوض بالجماعة واستمراريتها كجماعة سياسية في مصر.. الا ان هذه الفكرة وجهت بشدة من الجناح الاخر الذي يتزعمه امين عام الجماعة الدكتور محمود عزت ومسئول اللجنة السياسية الدكتور محمد مرسي وبماركة النائب الثاني للمرشد المهندس خيرت الشاطر المسجون حاليا في سجن مزرعة طره.. اي ان اقوى العناصر التي تقف في وجه بعضها الاول مريض والثاني مسجون..
المهم ان المرشد العام يناصر جناح التطوير والتحديث ويرى ان العريان كفاءة لابد ان يكون مكانها مكتب الارشاد.. ومع ذلك كلام المرشد لم ينفذ على جماعته المعروف عنها السمع والطاعة.. وهو ما يمثل ظاهرة خطيرة جدا.. لانه يصيب اهم مميزاتها في مقتل.. فاذا كان الرأي العام يرى ان افضل ما فيها التنظيم والادارة الجيدة.. فان الانقسام واعلان العصيان الداخلي على يد ادارتها العليا كارثة حقيقية تصيب الكيان وسمعته وفي مقتل.. ولعل ظهور اصوات اخوانية وخاصة الدكتور حمدي حسن النائب والاعلامي الاخواني الاعلى صوتا ينتقد بشدة اهتمام وسائل الاعلام باستقالة المرشد العام نافيا وجودها معتبرا هذا الاهتمام هو مجرد اماني للكارهين.. هذا النقد هو في حد ذاته انزعاج مما يحدث ورفضه تماما لدرجة مهاجمة وسائل الاعلام التي نشرت الاخبار واهتمت بالاحداث.. وهكذا فان كل من حاول من الاخوان ان ينفي وجود المشكلة انما هو يشعر بالخطر الداخلي ويحاول رفضه باي شكل..
الشيخ القرضاوي.. لم يخف هو الاخر خوفه.. ومع ذلك لم يحاول ان يداري على الشمعة الاخوانية.. ودخل في صلب الموضوع وانضم الى جناح المرشد العام واعتبر ان تحجيم دور الإصلاحيين داخل جماعة الإخوان المسلمين وإبعادهم خلال هذه المرحلة خيانة للدعوة وللجماعة وللأمة كلها.. هكذا يرى القرضاوي ان الازمة كبيرة لدرجة الخيانة.. وهو بهذا الرأي القوي جدا ينفي ان تكون وسائل الاعلام تتصيد للجماعة.. ودخل القرضاوي اكثر في صلب الخلاف وتساءل كيف يتم ابعاد العريان عن المكتب وكيف يرفض ولا يؤخذ برأى المرشد عندما يصر على تصعيده؟ ووصفه بانه الرجل الاول لهذه المرحلة..
والاخطر فيما قاله القرضاوي عندما وصف قرار ابعاد الاصلاحيين عن الجماعة بانه لن يترك فيها الا «المتردية والنطيحة وما أكل السبع». وهو نفس الوصف الذي يمكن ان نصف به غالبية الاحزاب المصرية حاليا.. وهو نفس المصير الذي سيؤول اليه مصر جماعة الاخوان اذا استمر الخلاف الحالي بين جناحيها.. وانقسامها محتمل في ظل عدم قدرة المرشد على تنفيذ ما يريد لوجود مراكز قوى اخرى تستطيع ان تبطل مفعول قراراته.. وسواء شاء الاخوان ام ابوا فان الفرجة على ما يحدث بنيهم ومنهم مستمرة خلال الايام القادمة.. واذكر الرافضون لاهتمام وسائل الاعلام انهم بذلك يرفضون ان تكون جماعتهم علنية وليس محظورة