Arab Times Blogs
د. ابراهيم حمامي
drhamami@drhamami.net
Blog Contributor since:
18 May 2007

كاتب وطبيب عربي مقيم في بريطانيا

لماذا يا مبارك

وكأنها حرب مصر الرسمية الخاصة، حرب اعلامية وسياسية وميدانية يقودها النظام المصري ضد قطاع غزة وأهله، حملة شعواء لا تتوقف عند حد، يعاكس ويخالف فيها النظام شعب مصر العظيم الذي كان ولا زال على عهده المعروف، يرفض الظلم والاحتلال، ويقف مع أشقائه في السراء والضراء، حرب رسمية تصل حد النكاية والتشمت، وبأفعال قرنت الأقوال، لتصبح مشاركة مصر الرسمية في الجريمة واضحة لا لبس فيها.

 اعترض البعض وكتب وراسل معترضاً على "التحامل" على مصر، في خلط مقصود أو غير مقصود بين الشعب المصري العظيم، وبين فرعون مصر ونظامه، أو تأثراً بالسموم الرسمية التي تبث ليل نهار، أو احتجاجاً على ترك الاحتلال العدو الحقيقي والالتفات لمصر، لكن الحقيقة أن دور مصر الرسمية هنا أخطر من دور الاحتلال، لماذا؟ الاحتلال عدو واضح يريد القضاء علينا وهذا مفهوم، لكن مصر الرسمية بقيادة فرعونها هي من يطعن في الظهر، ويقتل في الخفاء، ويغدر ليل نهار بمشاركة الحثالات القابعة في محمية المقاطعة في رام الله المحتلة، إنه عدوان ثلاثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 المواقف الحاقدة للنظام المصري تتصاعد، وهذا آخر ما رصدناه، وبشكل يكمل دور الاحتلال البغيض:

   بعد كلمة مبارك التي قرر فيها وبوضوح اعدام مليون ونصف المليون فلسطيني من خلال اصراره على اغلاق معبر رفح، حفاظاً على وحدة الأراضي الفلسطينية، أي أنها يحمل الشعب الفلسطيني "جميلة" قتله حفاظاً على وحدة مزعومة، وبشرط آخر هو وجود حاكم مصر العسكري الجديد، أي الضابط الاسرائيلي في معبر كرم أبو سالم الذي يأمر فيطيعه جنود فرعون، بعد تلك الكلمة حصل مبارك على شهادة حسن السيرة والسلوك، حيث اتصل به الرئيس الأمريكي بوي مباشرة مهنئاً اياه على موقفه "الريادي" من الأزمة في المنطقة، وفهمكم كفاية.

   أبو الغيط ما زال مصراً على تحميل الشعب الفلسطيني مسؤولية أنه ضحية احتلال غاشم، وكانت آخر تصريحاته ليلة الخميس 01/01/2009 عندما قال أن حماس قدمت الفرصة علي طبق من ذهب لضرب غزة، أهناك وقاحة أكثر من هذه؟ ألم تكن مصر راهية التهدئة التي خرقها الاحتلال عشرات المرات ورفضت مثر التدخل والضغط عليه؟

   اليوم وبعد مرور شاحنات تعد على الأصابع أغلقت مصر الرسمية معبر رفح، وسمحت فقط بدخول "العالقين منذ أشهر" من العريش إلى غزة "ليستشهدوا على أرض غزة"، هكذا صرحوا قبل دخولهم، وهكذا كان، ورغم كل نداءات العالم وصرخاته، تصر مصر الرسمية على ابقاء المعبر مغلقاً، ألم يصرح ابو الغيط أن المعبر ضيق والمساعدات كثيرة ومن الصعب ادخالها؟ بالله عليكم دولة بعظمة مصر تتحجج على لسان وزير فرعونها بأن معبرها ضيق؟

   اليوم أيضاً وكأن اغلاق المعبر لم يكفهم، ذكرت التقارير أن الاحتلال لن يقبل بأي وقف للعدوان إلا بعد انتهاء الخبراء الأمريكيين من تحديد وتدمير كافة الأنفاق من الجانب المصري، تخيلوا معي نظام مبارك يعمل وبهمة مع الأمريكيين لخنق غزة، ثم تتساءلون لماذا نعري موقف النظام المجرم في مصر؟

   اليوم أيضاً انسعرت الأجهزة الاعلامية لنظام مبارك، وبدأت حملة من نوع جديد، تشويه لكل التاريخ الفلسطيني، فتحت صفحات ما تسميها بالصحف القومية، وشاشات محطاتها الرسمية في حملة تثر الغثيان، ركزت في معظمها على قضية الضابط الذي قتل على معبر رفح، وحاكت الروايات والقصص، واسمحوا لي أن اعرض ما نشرته صحيفة الأهرام على سبيل المثال: "أكدت مصادر رسمية أن استشهاد الضابط المصري الرائد ياسر فريج أمس الأول كان نتيجة لهجوم مسلح شنته عناصر من حركة حماس في الثامنة والنصف مساء الأحد علي نقطة الحراسة داخل الأراضي المصرية‏، وقالت المصادر‏:‏ إن مسلحي حماس قفزوا فوق سطح أحد المنازل المتاخمة للحدود‏، وأمطروا نقطة الحراسة المصرية بالرصاص‏،‏ مما تسبب في استشهاد الضابط وإصابة أحد أفراد القوة التي كانت تتولي تأمين المنطقة بالقرب من بوابة صلاح الدين‏‏ جنوبي قطاع غزة‏، ونفت المصادر أن يكون استشهاد الضابط المصري قد حدث خلال اشتباكات وقعت بين الجانبين‏، مؤكدة أن القتل كان بدم بارد في أثناء أداء الرائد فريج لواجبه"‏، طبعاً دون تحقيق أو تقصي، ولنتابع هنا الرواية من مصدر آخر شهد الأحداث: "روى الدكتور عبد القادر حجازي أمين لجنة الإغاثة بنقابة أطباء مصر أحد شهود العيان لحادث مقتل الضابط المصري عند معبر رفح حقيقة استشهاد الضابط، والذي استغلته وسائل الإعلام المصرية ذريعةً للهجوم على حركة حماس، وقال د. حجازي- والذي كان موجودًا في معبر رفح أثناء حدوث ذلك "القصف الصهيوني على الشريط الحدودي بين مصر وغزة تسبَّب في انهيار جزء من السور الإسمنتي على الجانب الفلسطيني؛ مما أدى إلى اندفاع بعض الفلسطينيين إلى داخل الحدود المصرية"، وأضاف أنه نتيجة اندفاع الفلسطينيين تصدَّت قوات الأمن المصرية لهم وأطلقت عليهم الرصاص الحي؛ مما أدى إلى مقتل أحد الشباب الفلسطينيين، والذي كان والده بجواره، وعندما رأى الأب ابنه يغرق في دمائه لم يشعر بنفسه إلا وهو يصوِّب سلاحَه إلى الجنود، واستقرَّت الرصاصة في الضابط المصري، وحول الاتهامات التي لفَّقها الإعلام المصري لحركة المقاومة الإسلامية حماس بمسئوليتها عن مقتل الضابط المصري؛ قال د. حجازي: "أنا وصفت الوقعة كما شاهدتها بأم عيني، وليس لديَّ أيُّ تعليق آخر".‏

  حول ذات الموضوع يقول عبد القادر ياسين المفكِّر الفلسطيني أن الشهيد المصري هو زميل الشهيد الفلسطيني الذي قتلته قوات الأمن المصرية عن طريق الخطأ، وأضاف ياسين أنه في أحد اللقاءات مع محافظ شمال سيناء قال المحافظ: "إن حماس هي مَن قتلت الضابط المصري"، فردَّ ياسين سائلاً المحافظ: "هل شرَّحتم جثة الشهيد وأخرجتم الرصاصة وتبيَّن منها أن مَن قتل الضابط من حماس؟!"، وتعجَّب ياسين من موقف مَن يتهمون حماس بأنها مَن قتلت الضابط ويروِّجون لهذا الاتهام دون أدنى دليل بمجرد كلام مرسل واتهام باطل لتحريف وجهة نظر الناس عن حقيقة ما يحدث في غزة، وأشار ياسين إلى أن هناك العديدَ من الجنود والضباط المصريين استُشهدوا على الحدود الفلسطينية برصاصٍ صهيوني ولم يتحرَّك ساكن مثلما حدث الآن، مؤكدًا أن سبب ذلك هو تشويه صورة حماس بعد التفاف الشعب المصري حول المقاومة في غزة.

   الأجهزة الاعلامية التي استضافت من لفظتهم غزة على شاشاتها، مثل استضافة دحلان قبل يومين في برنامج البيت بيتك، ليتباكى على الضابط المصري ويشوه صورة شعبه مؤكداً الرواية الكاذبة، لكن أحداً لم يسأله عن حادثتي مقتل جنديين مصريين في 05/01/2006 أوحادثة اختطاف الملحق العسكري المصري حسام الموصلي في 10/02/2006، والذي وُجهت أصابع الاتهام فيها نحو دحلان بحسب اللواء صلاح الدين سليم في ندوة عقدت تحت عنوان "معا لدعم الشعب الفلسطيني" في شهر أبريل/نيسان من العام 2006، ولم "يطنطن" الاعلام الرسمي المصري حينها بمقتل الجنديين أو اختطاف الدبلوماسي، ولم يفتح تحقيقاً في الموضوع، لماذا يا ترى؟ هل هناك "خيار وفقوس" في دماء المصريين؟، أم أنه العدو المشترك مع الاحتلال الذي قتل بدوره مصريين كثر لم يذكر اعلام مبارك حتى أسمائهم.

 اسمحوا لي أيضاً أن اقتبس من افتتاحية الأستاذ الكبير رشيد ثابت التي نشرها اليوم بعد استشهاد الشيخ نزار ريان رحمه الله " لا يمكن أن نبدأ الحديث عن اغتيال القائد الشهيد البطل نزار ريان قبل أن "نبارك" لنظام فرعون وأزلامه!

 فطوال اليومين الماضيين تساءل أحمد أبو الغيط وكُتَّاب و"كُذَّاب" وإعلاميو النظام المباركي - بمن فيهم "المشخصاتي" عادل إمام الذي صدق أن "العيال كِبْرِتْ" وبدأ يتصرف كزعيمٍ وقيادي؛ وتسمَّرَ على شاشة التلفزيون الفرعوني ليشارك في الحملة على حماس والمقاومة الفلسطينية - تساءل هؤلاء عن سر استهداف الكيان الصهيوني للغزيين دون قادة حماس؟! وعن سر اختباء قادة حماس؟! إذ لا يكفي أن تعلن كتائب القسام عن استشهاد مائة وعشرين من أبطالها ليستحي هؤلاء الذين لا ماء في وجوههم؛ ويكفوا عن النفخ في كير النفاق والصهينة؛ ويمسكوا عن النباح والنخير كما لو أنهم يقرأون من ألواح إدارة التوجيه المعنوي في "جيش الدفاع"! وكان آخر هؤلاء تعويلاً على هذه "المثلبة الخطيرة القادحة" في حماس ومصداقيتها هو "محمد بسيوني" سفير فرعون لدى الكيان الصهيوني لأعوام عديدة؛ والذي قال أن "حماس تختبئ والغزيين يُقتلون"! طبعًا هو قال ذلك فقط لساعات خلت قبيل استشهاد نزار ريان القيادي في حركة حماس؛ ورغم أن أكثر من أربعمائة منزل لأعضاء في حماس من مختلف المستويات القيادية قد ضربت واستهدفت بشكل مباشر! إننا لنبارك لأولاد "الكامب" استشهاد نزار ريان ونسأل الله أن تكون هذه الشهادة سببًا في وضع بعض التراب والحجارة في أفواه المنافقين؛ فيكفوا عن تلويث الأثير بما ينضح من نفوسهم من حرصٍ على الكفر وحقدٍ على الإيمان!" انتهى الاقتباس.

 هذا هو نظام مبارك الذي اتخذ قرار العدوان على غزة بعد لقاء معه، وفي مؤتمر صحفي مع وزير خارجيته، مبارك الذي يعارض نظامه فتح المعبر، ويعطل القمة العربية، ويصر على تبرئة الاحتلال من دماء شعبنا، ويبقى السؤال: لماذا يا مبارك؟ لماذا يا أبو الغيط؟

 سؤال لن يجيب عليه إلا شعب مصر العظيم، الذي رفض ويرفض كل ضغوطات فرعون مصر للتطبيع مع الاحتلال، رفض ويرفض إدانة الضحية وتبرئة الجلاد، الرد سيكون في وجه الطاغية وزبانيته، غداً بعد صلاة الجمعة، وكل يوم ينبض فيه قلب مصري حر أبي.

 لا نامت أعين الجبناء


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز