Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

نصب تذكاري لبوش

في يوم 22 سبتمبر الحالي، ألقى الرئيس "جورج بوش" خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. فمع اقتراب نهاية ولايته في البيت الأبيض التي استمرت لثماني سنوات مريرة، ولكون الرئيس -والشعب الأميركي بالطبع- قد بدآ يفكران الآن في تقييم الإرث الذي سيخلفه وراءه، فإنه كان بمقدوري أن أتخيل وأنا أسمع هذا الخطاب، كيف سيُقَيّم الموجودون في القاعة، ومعهم أجيال المستقبل أيضاً، سنوات بوش. ولحسن الحظ، أن الأسبوع الماضي، قد شهد أيضاً مناسبة قدمت لنا نظرة معمقة ومفيدة قد تفيدنا في توضيح هذا الإرث.

 فقد لعب في الموعد نفسه فريق "نيويورك يانكيز" للبيسبول مباراته النهائية في استاده المبني منذ 85 عاماً، والذي كان يمثل أعجوبة زمانه في عشرينيات القرن الماضي. آنذاك كان فريق "نيويورك يانكيز" هو القوة الصاعدة في عالم رياضة البيسبول، وكان الأمر يستلزم بناء استاد ضخم قادر على استيعاب قاعدة الفريق الجماهيرية الآخذة في الاتساع، والتي كان ينسب الفضل الرئيسي في اتساعها لجهود رجل واحد هو" جورج هيرمان روث" الذي كان يطلق عليه لقب" بيبي" على سبيل التدليل، والذي ساهمت براعته الفائقة في تسجيل الأهداف، وشخصيته المهيبة في تغيير شكل لعبة البيسبول في ذلك الوقت. لذلك لم يكن من المستغرب أن يطلق على ذلك الاستاد عندما تم الانتهاء من بنائه اسم "البيت الذي بناه روث".

وطيلة تلك الأجيال بقي اسم الاستاد كما هو، كما استمرت سيادة فريق "نيويورك يانكيز" على ساحة اللعبة قائمة. وظل هذا الفريق محبوباً من قبل الكثيرين، مكروهاً ومرهوباً من قبل البعض، ولكنه كان محترماً من قبل كل من يحب لعبة البيسبول. ولم تستمر مسيرة "بيبي روث" في اللعبة بالطبع حيث توقفت بعد حين، ولكن إرثه بقي كأسطورة يمكننا أن نستفيد منها كمعيار لقياس إرث بوش أيضاً.

لقد كان بوش كذلك يتخيل نفسه الرجل الذي أدخل تغييراً على قواعد اللعبة السياسية، وذلك عندما تبنى مشروع "المحافظين الجدد" المسمى "مشروع القرن الأميركي"، والذي كان يسعى إلى استخدام القوة الأميركية كقوة تغيير تعيد صياغة الشرق الأوسط، وترسخ الهيمنة الأميركية خلال هذا القرن وما يليه.

وحسبما يرى الكثيرون، فإن البيت الذي بناه بوش يمكن أن يطلق عليه أي شيء إلا أنه بيت ناجح. فهو في الحقيقة بيت فاشل لم تدخر إدارة بوش سنتيمتراً واحداً في بنائه. فأفغانستان في حالة من الفوضى العارمة بعد أن عاد النشاط لحركة "طالبان" هناك، أو عبر الحدود في باكستان، لتفسد بعض ما تم النظر إليه على أنه كان يمثل نجاحات مبكرة في الحرب على الإرهاب. وكنتيجة لذلك الإخفاق، أصبحت باكستان نفسها، معرضة للخطر. أما العراق، فقد عانى من العنف والخلاف السياسي الذي أدى إلى عرقلة كافة الجهود الرامية لتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي وسياسي في هذا البلد الذي مزقته الحرب. وفي الجوار اكتسبت إيران المزيد من الجرأة والقوة، اللتين تدفعانها إلى التهديد بمد نطاق طموحاتها لتشمل المنطقة بأسرها وليس العراق وحده. وأما "القاعدة" فقد سعت للتحول إلى أشكال جديدة ومدمرة تعمل عبر الشرق الأوسط وما وراءه (حيث تقف وراء الأعمال الإرهابية الأخيرة التي وقعت في باكستان، واليمن، والجزائر). وهذه الحقائق الجديدة والقبيحة، كانت في مجملها نتاجاً طبيعياً لخيارات إدارة بوش. وعلى رغم أن الرئيس يهوّن عادة من شأن الفوضى التي خلفتها إدارته، من خلال الادعاء بأن التاريخ سيثبت أنه كان على حق ، فإن ما يقوله في الحقيقة ليس سوى محض هراء.

نعم، ينبغي أن نعرف أن التاريخ قاض قاس، وأنه لن يثبت أن بوش كان على حق، وأن الناس لن يبنوا له نصباً تذكارياً. إن حدوث تحول دراماتيكي في الاتجاه، والعمل الشاق من أجل رأب ما انكسر، وإصلاح ما فسد، هو الذي سيمكن الولايات المتحدة من استرداد المكانة التي فقدتها، وإعادة بناء الأمم المدمرة، والعلاقات المقطوعة، التي تمثل كلها الإرث الذي سيخلفه هذا الرئيس وراءه


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز