Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

درس ويلسون

بحلول هذا الشهر، مرت الذكرى التسعون لخطاب الرئيس الأميركي الأسبق "وودرو ويلسون"، الذي بيّن فيه مبدأ حق تقرير المصير الذي كان يؤمن به بقوة. ففي 4 يوليو عام 1918، تحدث "ويلسون" عن الغايات الأربع التي يعتقد أن العالم كله يكافح من أجل تحقيقها. وتتطلب إحداها كما قال: "تسوية كل المسائل التي تنتظر الحل، سواء كانت متعلقة بالسيادة، أم بالأرض والحدود، أم بترتيبات اقتصادية، أم بعلاقات سياسية". وقال إنه "يجب القيام بهذه التسوية على أساس قبول المعنيين المباشرين بها، وليس على أساس الفائدة أو المصلحة المادية لأي أمة من الأمم أو الشعوب ترغب في التوصل إلى تسوية أخرى تخدم مصالحها وأهدافها، أو تعزز نفوذها". وعلى رغم أن "ويلسون" نفسه لم يكن على اتساق مستمر مع الأهداف التي أعلنها، إلا أن نزعته المعادية للاستعمار التي عبر عنها خطابه المذكور، وضعته في موقف نقيض ومفارق لمواقف وسياسات حلفائه الاستعماريين في كل من بريطانيا وفرنسا آنئذ.

فمع نهاية الحرب العالمية الأولى، أعلنت هاتان الدولتان طموحاتهما الرامية إلى إنشاء "مناطق نفوذ" لهما في المشرق العربي. بل توصلتا سلفاً إلى معاهدات ثنائية، استهدفت تقسيم المنطقة بينهما، وسعتا على إثرها للحصول على دعم دولي لهذا الطموح. غير أن الرئيس "ويلسون" وقف في وجههما وتحداهما بتشكيل "لجنة كنج- كرين" المؤلفة من هنري تشرشل كنج وتشارلس آر. كرين، التي بعثها إلى منطقة المشرق العربي، للوقوف على آراء الشعوب العربية فيما يتعلق بمستقبلها السياسي، وما إذا كانت هذه الشعوب ترغب في الاستقلال أم تريد أن تكون تحت وصاية دولة أجنبية؟ ثم كيف ينظر العرب إلى مخططات فرنسا وبريطانيا الرامية إلى تقسيم بلدانهم في ما بينهما؟ وضمن ما كلفت به اللجنة كذلك، معرفة آراء الشعوب العربية في عزم بريطانيا على تأييد الهدف الذي ترمي إليه الحركة الصهيونية العالمية بإقامة موطن لليهود في أرض فلسطين. وللتاريخ، فقد كانت تلك البعثة أول استطلاع للرأي العام العربي تجريه أميركا.

وبعد ستة أسابيع من السفر والترحال بين دول المشرق العربي، التقت فيها بعثة "كنج- كرين" بما يزيد على 1800 من المواطنين العرب في المنطقة التي أصبحت لاحقاً لبنان وسوريا وفلسطين والأردن، توصلت -في منطقة فلسطين بصفة خاصة، إلى أن 9 بين كل 10 من الذين استطلعت آراءهم، يعترضون من حيث المبدأ على مجمل أهداف الحركة الصهيونية. ويجدر بالذكر أن هذا الاعتراض نفسه، هو الشائع في المشرق العربي كله الذي شمله استطلاع الرأي. ومما توصلت إليه البعثة أن هناك مطلبين رئيسيين فحسب، هما اللذان حظيا بأوسع تأييد شعبي: وحدة سوريا، والاستقلال. ولم ترُق هذه النتائج بالطبع للحليفتين الاستعماريتين -بريطانيا وفرنسا- اللتين تمكنتا من فل عزم الرئيس "ويلسون" باستغلالهما للخلاف الذي نشب بينه وبين مجلس الشيوخ الذي كان يتزعمه الانعزاليون "الجمهوريون" من جهة، والضغوط التي مارسها عليه الأوروبيون، من جهة أخرى. فكان لهما ما أرادتا، إذ كانت فلسطين والأردن من نصيب بريطانيا، وسوريا ولبنان من نصيب فرنسا. وعلى تلك الخطوة الاستعمارية، تترتب الكثير من التعقيدات والمشكلات التي لا تزال هذه الدول تعانيها إلى اليوم.

ولو استمعت تلك القوى الاستعمارية إلى نتائج استطلاع الرأي التي توصلت إليها بعثة "كنج- كرين"، لأمكن إيجاد معادلة ما لحفظ التوازن بين رغبة مواطني المشرق العربي الأصليين في استقلال بلادهم، وتطلُّع اليهود إلى إيجاد مأوى لهم في المنطقة. ولكن الذي حدث هو تجاهل الرأي العام المشرقي، واللجوء لاستخدام القوة بدلاً عنه بهدف فرض سياسات لا ترغب فيها شعوب المنطقة.

والدرس المهم الذي نستخلصه من هذه التجربة: أهمية الرأي العام في صنع وتنفيذ السياسات. وهذا ما يؤكد صحة نوايا الرئيس الأسبق "ويلسون". وللأخذ بالرأي العام أهميته الحاسمة بالأمس مثلما هي اليوم. أما إهماله فلا تنجم عنه سوى العواقب الكارثية.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز