Arab Times Blogs
د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

مخاض الحب... وعيد الميلاد

ما أحوجنا للقصص الجميلة.. تلك القصص التي تُعلمنا شيئاً عن أنفسنا. وتلك القصص التي تحكي لنا عن حقائق حياتنا اليومية، عن مشاعر الخوف والقلق التي تصحبنا وتلازمنا ونحن نترقب الولادة والموت، وما يقع بينهما. لقد خطرت لي هذه الأفكار وأنا أستمع لأغنية "مخاض الحب" للمغني راندي ترافيز في ألبومه الجديد. وتراءت لي هذه الأغنية في لونية مغايرة لأغاني "أعياد الميلاد" التي طالما حدثتنا عن القصص والحكايا المألوفة. وكدأبه دائماً، فقد جاء صوت المغني ترافيز دافئاً وعميقاً كما ألحانه. وفي "مخاض الحب" الكثير مما يطرب ويشجي موسيقياً. غير أن واقعية أشعارها الغنائية، وما تثيره في مخيلاتنا من صور وإيحاءات، هي ما شدني إليها، أكثر من غيره. فهي تبدأ بالمقطع التالي:

"لم تكن صامتةً تلك الليلة.... بل كانت الأرض مضرجة بالدماء، ومن هناك في البعيد، في شوارع بلدة ديفيد، يتناهى إلى سمعك صراخ امرأة يعلو في أزقتها، ولم تكن اصطبلات الخيل نظيفة هي الأخرى، فقد كانت متسخة وباردة أحجارها... ولم تكن لماري الصغيرة المسكينة، يد أم لتمسكها، إذ تشعُّ روحُها بالنعمة وخداها بالدموع".

ثم تختتم الأغنية بهذا المقطع "لقد كانت آلام المخاض، وكانت السماء باردةً في الأعالي... غير أنها كانت آلام مخاض الحب، لتلك الصبية التي تلتحف الأرض، بينما يخفق قلبها الجميل الصغير، بنبضات مخاض الحب... لتلك الصبية الصغيرة، التي تشعُّ روحها بالنعمة وخداها بالدموع، كانت تلك آلام مخاض الحب".

لم تكن "صامتة" تلك الليلة في بيت لحم إذن، لأن الأغنية نفسها أغنية عن مريم الحقيقية، في وحدتها وبرودتها، وهي تعاني آلام المخاض، بكل ما يحيط من مشاعر الخوف بتلك اللحظة التي تسبق الميلاد. وما أن سمعت كلمات هذه الأغنية لأول مرة، حتى خطرت إلى ذهني آيات ومعاني قصة مريم في القرآن الكريم، لكونها تحكي عن قصة المخاض والميلاد تلك. وكما نعلم فقد أشارت سورة مريم إلى آلام ومخاوف المخاض، غير أنها حملت ما حملت التسرية والتخفيف عنها من قبل ربها سبحانه تعالى. وهذه هي قصة الأم التي يجب على الأمهات الارتباط بها، والتي ينبغي علينا جميعاً التعلم منها.

وحين أتأمل دروس الميلاد هذه، إنما تخطر لي صورة والدتي التي كانت في أشد الخوف، وهي في عمر التاسعة والثلاثين من ألا ترزق بطفل قط. وأثناء سماعي لأغنية الميلاد هذه، تراءت لي صور وآلام النساء الأمهات في قطاع غزة، وفي معسكرات نازحي نزاع دارفور بغرب السودان، بل في ضواحي وأحياء العاصمة العراقية بغداد المكلومة. فهؤلاء النساء جميعاً، يواجهن آلام المخاض في وحدتهن وخوفهن، ويخضن تجارب الأمومة الخاصة في تلك اللحظات، إلا أنهن يتوقعن انبثاق حياة جديدة، وصرخة طفل يأتي إلى الحياة محمولاً على أشرعة الأمل. ولاشك أنهن يبحثن جميعاً عن التسرية والعزاء في تلك اللحظات المؤلمة، من تلك القصص التي تصف الحياة وتحكي عنها كما هي. وهذا ما يعيدني مرة أخرى للتذكير بالمعاني والصور العميقة التي تضمنتها النصوص الدينية الكريمة. وهكذا تجدني أستمع إلى أغنية "مخاض الحب" بأذن مختلفة عن تلك الأذن التي شد ما ألفت أغاني أعياد الميلاد المتكررة المألوفة. ومعنى الاختلاف هنا، هو تعلم دروس تلك الليلة والخروج بصور الميلاد، عن تلك الكليشيهات الكاريكاتورية النمطية المألوفة


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز