Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

حدود لغة الانسان تعني حدود عالمه

* لو لم يتعلم الانسان النطق ويصبح ... حيوانا لغويا ناطقا ... لكان من المستحيل أن يتأنسن ويتقدم . إختراع الانسان للغته مكّنه من التفاهم مع الآخرين ، والتعاون معهم ، والتعبير عن إحتياجاته المتعددة ، وعن مشاعر الحب والغضب ، وعلّمه التفكير ، وعمّق إنسانيته ، وبين بجلاء إختلافه عن الحيوانات الأخرى التي تشاركه الوجود .

* اللغة هي كلام الناس المنطوق ، أو المكتوب الذي يكوّن نظام الاتصال والتفاهم بينهم ، ويمكّنهم من التحدث بعضهم مع بعض ، ومن التعبير نطقا وكتابة عن ما يفكرون به ، وما يجيش في صدورهم من أفكار ، وأحاسيس ، وخواطر . ولهذا فإن اللغه كانت وما زالت الرافعة التي يسرت تشييد الحضارة الانسانية ، ولولا وجودها كأداة للتفاهم والـتعاون البشري ، لما كانت هناك معرفة متطورة ، وعلوم ، ودين ، وأدب ، وفن ، وفلسفة ، وحكومة ، وتجارة .

* لا أحد يعرف كيف ، وأين ، ومتى ظهرت اللغة ، ولكن لأن كل إنسان سوي عنده القدرة على تعلّمها ، والتحدث بها ، وفهم معاني الأصوات المكوّنة لمفرداتها ، فمن الممكن القول أنها وجدت بشكل أو بآخر منذ ظهور الانسان على كوكبنا ، لكنه لا يوجد لدينا سجل موثّق يغطّي وجودها ، ومراحل تطورها منذ بدايتها وحتى يومنا هذا .

* الدليل الفعلي الثابت الأول لوجود اللغة هو.. الكتابة .. التي لم تظهر إلا بعد تطوير اللغة المنطوقة ربما بعشرات آلاف السنين . إن أوائل السجلات اللغوية المكتوبة والمعروفة عالميا هي صور الكلمات السومرية التي وضعت حوالي عام 3500 قبل ميلاد المسيح عليه السلام ، والهيروغليفية المصرية حولي عام 3000 قبل الميلاد .

* اللغة كانت وما زالت وستظل الوسيلة الانسانية ألأساس في التفاهم ، والعمل ، والعيش المشترك بين الناس مهما كانت مستوياتهم العلمية وقدراتهم العقلية والمعرفية... الذكي ، والعبقري ، ومتوسط الذكاء ، والغبي ، وحتى المتخلف عقليا يستخدمون اللغة كل حسب معرفته التراكمية بمفرداتها وقواعدها . ومن هنا تبرز أهمية تطوير قدرات الانسان اللغوية وتوظيفها في تعلّمه ، وتفكيره ، وحياته ككل .

  * أللغات تولد وتقوى وتضعف وقد تموت ، وتتطور حسب قوة ، وتقدم ، الدول الناطقة بها . عندما تقوى وتزدهر الأمة ، تنمو وتقوى لغتها باستمرار لتغطي أسماء جديدة لاختراعات ، وعلوم ، وإبداعات فكرية وتقنية لم تكن موجودة . وعندما تضعف الأمة تضعف لغتها ومكانتها ومكانة لغتها عالميا . الشواهد على هذا في التاريخ كثيرة منها ما حدث ويحدث للغات اللاتينية ، والعربية ، والانجليزية ، والعبرية ، والصينية على سبيل المثال لا الحصر .

  * اللاتينية تقريبا إنتهت ولم يعد لها وجود إلا في بعض الممارسات الكنسية ، والعربية التي كانت لغة العلم والأدب العالمية في القرون الوسطى ، تراجعت مكانتها بعد إنهيار الحضارة الاسلامية ، ولولا أنها لغة القرآن لكانت في وضع أكثر تدهورا ، والانجليزية نمت نموا عظيما بفضل توسع الامبراطورية البريطانية ، ومن ثم بروز الولايات المتحدة كأقوى قوة علمية وسياسية واقتصادية في العالم .

* والعبرية التي أوشكت أن تموت قبل قيام الدولة الصهيونية ، لها حضور الآن نتيجة للقوة المالية والعلمية والثقافية لمتكلميها على الرغم من قلة عددهم ، والصينية ما زال تأثيرها العالمي هامشيا خارج وطنها على الرغم من أن خمس العالم يتكلمها .السبب هو أن الصين لم تبرز كقوة يحسب حسابها إلا في الثلاثين سنة الماضية ، وإن مكانة لغتها العالمية ستستمر في التحسن مع زيادة قوتها وتأثيرها الدولي .

* وكما أن اللغة مهمة جدا في تكوين الأوطان ، فإنها أساسية في تطوير الأنسان لأنها ترسم حدود عالمه العقلي والادراكي ، وتقرر درجة جهله وثقافته . الدراسات العلمية أثبتت أن الانسان المتعلم الذي يقرا كثيرا قد يعرف 30000 كلمة أو أكثر . زيادة مفرداته ومعرفته بمكونات لغته يعني نموا وتوسعا في قدرته التخيلية والادراكية ، وفي قدرته على الفهم السريع ، وعلى التعبير عن مشاعره وأحاسيسه ، وعن ما يريد قوله أو شرحه أو تفسيره بسهولة ودقة .

  * وعلى النقيض من ذلك فإن الانسان الأمي ، أو قليل العلم ومحدود المعرفة ، يمكن أن تتراوح حصيلته من المفردات ما بين 3000 إلى 5000 كلمة يستخدمها طيلة حياته. هذه المعرفة الضحلة بالمفردات ومكونات اللغة تبقي قدراته الادراكيّة والاستيعابيّة والتخيّلية محدودة ، وغالبا فإنه لا يفهم أو يستخدم إلا اللغة العاميّة ، ولا يقرأ ، ولا يتطور عقليا إلا قليلا ، ويبقى لغويا وإلى حد بعيد إدراكيا كما هو ... أي إن قدراته العقلية قد تتوقف عن النمو في صباه ، وتبقى متوقفة في شيخوخته ، ويصاب ... بكساح عقلي ... حتى رحيله عن هذا العالم .

* من هذا المنطلق فإن الدول الحديثة تهتم إهتماما خاصا بتعليم لغتها للطفل ، وتركز على جعل القراءة جزأ مهما من حياته ، وذلك لايمانها أن القراءة تزيد ه معرفة بمفردات اللغة وقواعدها ، وتطلق العنان لخياله ، وإنها الطريق الأفضل إلى المعرفة والثقافة التي تخلق منه انسانا حديثا مستنيرا ، ومنطقيا في تفكيره ، وقادرا على المساهمة في بناء مجتمع متطور .

  * في مدارس هذه الدول يوجد مكتبات جيدة تتوفر فيها الكتب التي تناسب أعمار الطلاب وقدراتهم العقلية ، وتكون قراءة الروايات والكتب العلمية والثقافية جزء من المناهج الدراسية في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، أضف إلى ذلك أن الأسرة تشجع أطفالها على القراءة منذ الصغر وذلك لقناعة الآباء والأمهات بأهميتها في تطوير لغة أبنائهم ، وفي تكوينهم العقلي والثقافي والحضاري .

* الحقيقة المعروفة على مستوى العالم تقول إن شعوب العالم الأكثر تحضرا ووعيا وثقافة ، هي الأكثر قراءة ومعرفة بلغاتها ، وإن الدول والشعوب التي تعاني من نسب عالية من الأمية ، هي الأقل قراءة وفهما ومعرفة بلغاتها ، والاقل وعيا وثقافة ، والأكثر تخلفا .

  * الأنسان المثقف تمكنه قدراته اللغوية من التوسع في تفكيره ليشمل الكثير من القضايا ، والأحداث ، والأفكار الهامة في مجتمعه ، وفي أجزاء كثيرة من العالم . إنه يطلق العنان لعقله ليفكّر ، ويتسائل ، ويبحث في كل ما يريد دون تردد أو خوف . أما الجاهل فإن معرفته اللغوية محدودة جدا ، وتفكيره وإدراكه سطحي ، ولا يعرف الكثير ... لا عن نفسه ، ولا عن مجتمعه ، ولا عن العالم ... وفي الغالب يظل كما هو منذ بلوغه سن الرشد وحتى موته .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز