Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

الحقيقة تحرر الانسان من قيوده

* يقول العلماء إن البحث عن الحقيقة وتعميمها هو هدف العلم الأساسي ، وإن كل التقدم الذي أنجزه الانسان مرتبط ببحثه عن تفاصيل الحقائق المتعلقة بالحياة والوجود ، وإن الحقيقة حتى تزدهر ، وتعمم ، وتطبق فانها تحتاج إلى رجلين ... رجل ينطق بها ورجل يفهمها... وبما انها عكس الكذب ، وتبنى على قيم إنسانية نبيلة ، فإن انتشارها بين الناس دليل على أن المجتمع بخير ، ويحترم الانسان وقيمه ومتطلبات وجوده .

* كلمة ... حقيقة ... تغطي عددا لا حصر له من ممارساتنا في حياتنا اليومية حيث يوجد : حقائق دينية ، وعلمية ، وأدبية ، وفنية ، وأخلاقية ، وتاريخية ، واجتماعية والقائمة تطول . ولهذا يمكننا القول إن ... الحقيقة ... مفهوم غامض وملتبس نظرا لاختلاف مجالاتها ، وتنوعها ، ومعاييرها ، والطرق المؤدية إلى معرفتها ، وإن فهمها قد يختلف ويتنوع تبعا لاختلاف العقائد ، والواقع المجتمعي بمكوناته العلمية والبنيوية والدينية والثقافية .

* ولأن .. الحقيقة قاسية ... ومعرفتها تكون مؤلمة جدا لمن تعود على العيش على الأوهام ، والنفاق ، والخرافات ، وأمجاد وبطولات الماضي ، وسراب الصحاري القاحلة في الفكر والئقافة ، فإنه يحاول دائما أن يتجنبها ، أو يتحايل عليها ، أو حتى يحاربها لأنها تكشف جهله وتخلفه ، وتشكل تهديدا خطيرا لقيمه وقناعاته .

  * إنها كقيمة وسلوك لا تفرض على الناس بالاكراه والتخويف ، لأن القوة سلاح من هم على خطأ ، ومن يريدون فرض سلطانهم وقيمهم وإرادتهم على الآخرين . ولهذا فإنه عندما لا تكون ... الحقيقة... حرة وإرادية ، ولا يتوصل اليها الانسان بجهده العقلي وتجاربه في جو من الحرية ، فإنها تكون كاذبة ومزيفة ولا معنى ولا قيمة لها .

* هناك علاقة وثيقة بين فهم الحقيقة وقولها وبين البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد . في المجتمعات التسلطية التقليدية الجاهلة التي تصادر حريات الناس ، ... لا قيمة للحقائق ... حيث لا يستطيع الفرد حتى التفوه بكلمة واحدة صادقة إذا كانت تتعارض مع مفاهيم وقناعات الجماعة التي ينتمي اليها ، لأن ذلك قد يسبب له مشاكل متعددة مع الاخرين . أما في المجتمعات الحرة الواعية فإن قول الحقيقة والدفاع عنها وقبولها ممكن جدا لأن الانسان في هذه البيئات الانسانية ، ... ارتقى عقلا وثقافة ... وأصبح قادرا على فهم أهمية قيمة الحق وما تعنيه قيم الحقيقة له وللاخرين .

* لا شك في أن المعرفة والثقافة تقود الانسان إلى حالة من الوعي تمكنه من الوصول إلى مرحلة متقدمة من التفكير تعمق مشاعره الانسانية ، وتوصله الى فهم قيم الحقيقة والحق التي تحرره من الجهل ، ومن القيود التي لا تتفق مع العقل والمنطق التي تحجّم إرادة الشر والعدوان في نفسه ، وتجعله إنسانا حقيقيا بمشاعره النبيلة ، وإيجابا في تفكيره ، وأخلاقيا في تصرفاته ، ومفيدا للآخرين .

* في وطننا العربي يوجد كثيرون من الناس يؤمنون ... بالحقيقة وبقولها والدفاع عنها ... بينهم وبين أنفسهم ... ، وقليلون ينطقون بها... ولهذا تراجعت إرادة الخير في مجتمعاتنا ، وقويت إرادة الشر والتسلط السياسي وغيره ، فزاد النفاق ، والكذب ، والهروب من المسؤولية ، وتراجعت مفاهيم التضحية ، والتراحم ، والثقة بين الناس ..... للأسف لقد أصبح وطننا العربي موطنا خصبا لتشويه الحقائق ، وتزويرها ، والتلاعب بمفهومها وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع ، وإلهاء الناس في قضايا تافهة لا تزيدهم إلا بؤسا وتعاسة .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز