Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

أوراق من خزانة الذاكرة / ذات رحلة عاثرة الى باريس

في خريف العام /1978 وقبيل اندلاع الثورة الايرانية على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، حزمتُ حقائبي وعزمت السفر الى باريس، حجزت على الخطوط الجوية العراقية وكان وقت اقلاع الطائرة في السادسة فجرا في يوم منحوس اواخر شهر سبتمبر، وصلت ارض مطار بغداد الدولي قبل الاقلاع بساعة ونصف لانهاء اجراءات السفر مع دائرة الجوازات وأعرف كم كانوا يثيرون المرء بأسئلتهم واستفساراتهم واستجوابهم الغريب حتى لو كنت في خانة الانسان السليم الطويّة؛ ووقفت في الطابور منتظرا ختم ضابط الجوازات بالمغادرة وحالما تم ختم جوازي دخلت صالة الانتظار مترقبا ابلاغنا عن طريق اذاعة المطار بالتوجه الى البوابة الخاصة لرحلة باريس

غير اننا بقينا زهاء ثلاث ساعات في صالة الانتظار وبدأ الملل يدبّ في اوصالنا وأحسسنا ان شيئا ما قد عرقل سفرنا وأعاق بهجتنا خاصة اننا نعرف تماما ان طائرات الخطوط الجوية العراقية كانت من الخطوط الدقيقة في مواعيدها وقتذاك بالمقارنة مع الخطوط الجوية الاخرى حان وقت الضحى ولاشيء يبشّر بخير اننا سنقلع قريبا اذ لاتوجد اية اجراءات توحي باننا على وشك المغادرة فجأة طرق اسماعنا صوت الاذاعة عبر مايكرفون إذاعة المطار وعبر اللوحة المرتسمة امامنا معلنة ان رحلة باريس ذات الرقم (....) ستتأخر أربع ساعات اخرى نظرا لوجود وفد ايراني على مستوى رفيع سيسافر معنا على نفس متن الطائرة ظللنا نترقب مجيء الوفد حتى وصل للمطار بحدود الواحدة والنصف ظهرا، وأدركنا من خلال تناقل الخبر بين هذا وذاك وكم كانت دهشتنا وذهولنا البائن في تقاسيم وجوهنا لما أيقنّا ان السيد الخميني ورهطه العالق في صفوان بين الحدود العراقية-- الكويتية هم من سيسافر معنا وها نحن نراه بأمّ أعيينا مع مجموعة ليست قليلة من اتباعه يرافقونه في الرحلة الى منفاه الجديد باريس بعد طول اقامة في النجف كثرت الجلجلة

وتم حصرنا في زاوية من زوايا صالة الانتظار ريثما يدخل وفد الخميني الى الطائرة اولا ولم أنس الحفاوة البالغة والحراسة المشددة له ولرهطه وكيف تم فرش السجادة الحمراء له احتفاء به اذ عمل مسؤولو المطار على حجز الطابق العلوي للطائرة الجامبو الضخمة للوفد وحالما دخل كلهم واستقروا في مقاعدهم؛ سمحوا لنا بالصعود كانت الشرارات الاولى للثورة الايرانية تتطاير في ارض وسماء ايران منذ ايلول من العام /1978 وقد بدأت الجموع البشرية تتزايد في شوارع طهران وغير طهران احتجاجا مطالبةً بإسقاط النظام الملكي الشاهنشاهي أو قل الامبراطوري كما يحلو لحاشيته ان يسموه لكن الشاه مازال قويا رغم المعارضة الشديدة وقد اضطر العراق آنذاك تحت ضغط الشاهنشاه الى ابلاغ الخميني بالبحث عن مأوى جديد خارج العراق باعتباره احد رؤوس المعارضة وترك النجف عاجلا واتذكر انه تم مفاتحة عدة دول بهذا الشأن حتى جاء ردّ الكويت بالموافقة على استقبال الخميني والإقامة في الكويت ويبدو ان القيادة الايرانية الفهلوية ومعها قيادتنا العراقية لم تكونا تريدان ان يعكّر صفوهما وجود الخميني خاصة بعد الاتفاقية المبرمة بينهما حول شط العرب

ومازال شهر العسل بين الدولتين حينها لم ينقضِ بعد سافر الوفد الايراني بزعامة الخميني الى صفوان بعد الموافقة المبدئية الكويتية على قبوله لاجئا لكنه بقي عالقا على الحدود ساعات طويلة بعد ان عدلت الكويت عن قرارها في اللحظة الاخيرة ورفضت استقباله ثم جاء الرد الفرنسي على لسان فاليري جيسكار ديستان / الرئيس الفرنسي بالموافقة على استقباله والترحاب به شرط ان لايقوم باية نشاطات سياسية او التعرّض لشاه ايران الذي مازال يمسك بزمام السياسة الايرانية بقوّة رغم الاحتجاجات الشديدة التي قام بها الشعب الايراني وكان المنجاة الوحيدة للخميني ورهطه وعلى اثر ذلك تحرّك الوفد سراعا صوب مطار بغداد الدولي ليستقلّ الطائرة التي أخذتنا معا الى باريس دون سابق موعد بينا نحن طائرون في الجو طلب الزبائن المسافرون شيئا من البيرة والويسكي بعد ملل وانتظار طويلين لاستعادة الانفاس وكسر طوق اتعاب الرحلة المضنية

لكن الردّ جاءنا بالمنع اكراما للوفد المسافر معنا وزاد الامر سوءا حينما اغلقت الموسيقى التي كانت تمتعنا وقت الرحلة وكأننا نجلس في مأتم او نقرأ الفاتحة " لاحظوا كيف يتم مجاراة ومداراة مشاعر الاخرين ذوي التوجهات الدينية بينما الطرف الاخر العقائدي او المتأسلم يمارس الصلف والعنجهية وعدم اعتبار او احترام اذواق ورغبات المختلف معهم " بقينا في الفضاء لأكثر من ثلاث ساعات بصمت وكدر وحرمان من اية وسائل للتسلية حتى حطّت الطائرة بمطار جنيف في سويسرا مع ان مسار رحلتها كانت مباشرة الى باريس ولم نكن نعلم السبب في هذا الاجراء المفاجئ ومُنع علينا النزول الى مطار جنيف لأخذ قسط من الراحة باستثناء الوفد الايراني الذي كان يجول في حركة دائبة بين متن الطائرة ومبنى المطار جيئة وذهابا دون ان نعرف السبب بينما بقي السيد الخميني في مكانه دون ان يخرج من الطائرة لكن الشيء الاخطر في هذه الرحلة العرجاء اننا سمعنا طراطيش كلام مفزع الى حدّ الرعب وهو ان سلاح الجو الايراني كان عزمَ على اسقاط الطائرة بمن فيها جوّا وتحطيمها بواسطة مطاردات ايرانية بعيد اقلاعها من مطار بغداد وبالذات في اجواء تركيا لتسقط في المناطق الجبلية الوعرة

لكن هذا القرار سرعان ما تم العدول عنه والى الان لااعرف هل كان هذا الخبر الصاعق الذي وصل اسماعنا ونحن في جنيف صحيحا ام لا، ومَن هي الجهة التي منعته ؟ انتهت الجلبة وعاد الوفد الايراني الى مقاعده في الطابق الثاني من الطائرة وتحركت الطائرة باتجاه باريس عبر جبال الالب وفي ظرف اقل من ساعة وصلنا الى مطار " اورلي" وكم كانت دهشتنا على اشدّها حين شاهدنا ان ارض المطار قد امتلأت بحشود هائلة جدا من العساكر والشرطة وقوات الامن بأعداد تفوق التصوّر لحمايته ووفده المرافق اضافة الى مجموعة منتخبة من الديبلوماسيين لاستقباله استقبال المرحّبين وقامت القوات المسلحة بمنع الاقتراب من الطائرة سواء من قبل الصحفيين او المصوّرين الكثر الذين توافدوا بشكل لافت وكثيف أمرونا نحن المسافرين مع الوفد بعدم الحركة والبقاء في مقاعدنا ريثما ينزل الوفد الايراني ..

ومن خلال النافذة الصغيرة للطائرة رأيت مشاهد الاستقبال الحافل والحماية النابهة الكثيرة والسيارات السود الخاصة بالمراسم والجنود المدججين بالسلاح يحوطون ارض المطار لحراسة السيد الخميني ووفده اللاجئ بعد فترة ليست بالقليلة سمحوا لنا بالنزول والاتجاه لختم جوازات السفر الخاصة بنا لدى موظفي الجوازات في مطار " اورلي " والمنطقة المحيطة به الذي بدأ يكتظّ ليس بالمسافرين بل بالحشود البشرية الهائلة من الايرانيين والفرنسيين والجاليات الاخرى المتضامنين مع بشائر الثورة وهم يملأون ارض المطار بكثافة سكانية ملحوظة وهم يهتفون للثورة التي لم تتمخض بعد ويهللون بترحاب بالغ على سلامة وصول الوفد الذي يترأسه السيد الخميني وكأنّ انتفاضة اخرى ولدت هي الاخرى وانطلقت من ارض المطار غادرت مطار " اورلي " متّجها الى مدينة النور غير اني لم أر نورا يسطع انما عبارة عن جلبة وصخب جماهيري وهرج ومرج تقوم به الجالية الايرانية ومن تعاطف معها وكلما مددت عنقي من نافذة الحافلة لاستطلع النظر في جانبي الطريق ألمح لافتات بالفرنسية والفارسية وحتى العربية تندد بنظام الشاه وتلهب المشاعر مع كلمات الترحيب ايضا بالسيد الخميني الذي احتوته السيارات السود الديبلوماسية وأخذته رأسا الى منتجعه ومقر اقامته في " نوفيلا شاتو " الضاحية الجميلة التي تبعد عن باريس قرابة 25 كم دون ان يلوّح بيده تحيةً للجماهير العريضة التي ترقبت وصوله وأظنه كان يخشى الحكومة الفرنسية التي وعدها بالاّ يقوم بايّ تماسّ مع الجماهير وخوفا من ان يُفسَّر مايقوم به بأنه لم يفِ بوعده حينما تمّ قبوله لاجئا سياسيا بينما كان الايرانيون ومن تضامن معهم يملأون باريس صخبا تهليلا لبداية الثورة العارمة التي اكتسحت بلاد فارس كلها،

كنت ارى اقبية المترو وممراته متخمة بالشعارات المؤيدة ولايكاد يخلو حائط او لوحة اعلانات من الاشارة الى الانتفاضة الايرانية اضافة الى الدور الكبير الذي قامت به الصحافة الفرنسية في ابداء المزيد من التعاطف تجاه التحرك الايراني الشعبي وبالاخص الصحف اليسارية كجريدتي اللومانتيه والليبراسيون مع ان البون يبقى شاسعا بين رؤى اليسار وبين الثيوقراط وحذت حذوهما بقية الصحف اليمينية والليبرالية في تسليط الضوء على كل ماكان يجري في ايران والانجذاب الملحوظ نحو الحراك المنتفض في الشارع الايراني والنقد اللاذع للسلطة الرسمية التي قابلت التظاهرات والاحتجاجات بالعنف والعنجهية الشاهنشاهية المعروفة كما كتبت صحيفة الفيغارو المعروفة بميلها الواضح الى اليمين لم تهدأ الجالية الايرانية في باريس ابدا رغم ان قائدهم انزوى بعيدا في منتجعه وتركهم يملأون باريس هرجا ومرجا وكلهم من الطلبة الدارسين هناك المحسوبين على اليسار من فدائيي خلق ومجاهدي خلق والقليل وليس الكثير من ذوي التوجهات الاسلامية ومن الطبقات المسحوقة العاملين الجائلين في بيع الصحف ونشر الدعايات والإعلانات والمهن الخدمية في الفنادق والمطاعم وسقاة المقاهي وعمال النظافة وغيرها من الاعمال الرثّة

وأتذكر اني قابلت احدهم في موقع شغلهِ كان يعمل على نزع المسامير من الخشب العتيق بمهارة لاتوصف حتى انه كان يُسبق لمحَ ناظريّ الى يديه بحيث كانت حركاته اسرع من بصَري وقد أستأذنني بالخروج للتظاهر تضامنا مع اهله وهو يقول لي واثقا ان الشاه مخلوع لامحالة في ظرف لايزيد على ثلاثة شهور على اكثر تقدير وكنت استمع اليه هازئا غير مصدّق لكن حدس هذا الفتى لم يخبْ وكم دهشت بعد عودتي حينما سمعت خبر مغادرة الشاه طهران في 16/ يناير من العام 1979 الى غير رجعة وهو لايدري اين يذهب والى ايّ مقام سيحلّ ؛ طائرا بين المغرب ومصر التي قبلتْه ليقيم في اراضيها بعد ان رفضته حليفته الناكرة الجميل الولايات المتحدة رغم امتلاكه قصورا وضياعا فيها وبعدها بايام قليلة عاد السيد الخميني عودة الفاتحين المنتصرين في الاول من فبراير من نفس العام وحطّت طائرته في مطار طهران في مشهد استقبال لم يُرَ مثيله في الزهو بالنصر والترحاب الذي فاق التصوّر يجدر بي ان انوّه انني لم ألمس وانا هناك اية مظاهر تضامنية من العرب المقيمين في العاصمة الفرنسية لما كان يجري في عموم ايران ولم أر اية مشاركة منهم للوقوف مع الايرانيين المحتجين مع انهم اكثرية وذوو ثقل في اعدادهم وخاصة ابناء المغرب العربي والمشرق العربي على العكس من الاجانب غير العرب المقيمين بباريس والفرنسيين الذين ابدوا تضامنا ملحوظا مع اقرانهم الايرانيين

من المنغّصات والصدمات التي أحزنتني ايضا خلال وجودي في مدينة النور الذي لم يسطع في وجهي منذ بدء رحلتي هو الموت المفاجئ للفنان الجميل الراقي الذي احبّه حبا جمّا " جاك بريل " في التاسع من اكتوبر / 1978خلال وجودي هناك رأيت وانا اجول وسط باريس مظاهر الحزن والأسى الشديدين لهذا الفنان الشاعر والممثل والمخرج السينمائي المتعدد المواهب وكيف كان الفرنسيون يواسون بعضهم بعضا عناقا وبكاءً يصل احيانا الى حدّ النحيب ويعزّون كلّ من يصادفونه رغم انه لم يكن فرنسيا منبتا ومحتدا لكنه ظلّ طوال حياته يكتب اغانيه بنفسه باللغة الفرنسية التي عشقها الى حدّ الوله ويضفي عليها ألحانا من ابتكاراته الابداعية وقد خرجت باريس كلها تشيّعه بجهشات البكاء الى مثواه الاخير، هذا المشهد الجنائزي الحزين لموت بريل كان يذكّرني بيوم رحيل العندليب الاسمر عبد الحليم حافظ وتشييعه المهيب في القاهرة وحالات الهوس والصدمة ومحاولات الانتحار التي صاحبتها لكن الاكثر ايلاما وتقزّزا ماشاهدته قبيل مغادرتي باريس ببضعة ايام حيث تراكمت أكوام النفايات واكياس الزبالة وغمرت كل الارصفة حتى امتدّت في بعض الامكنة الى قسم من اطراف الشوارع الضيقة كل ذلك بسبب اضراب عمال النظافة مطالبين بزيادة اجورهم وتحسين اوضاعهم المعيشية وكأنّ السهرة الباهرة التي قضّيتها في مسرح الليدو بالشانزلزيه بمعية اجمل الوصلات الراقصة على انغام السامبا والاصوات الغنائية الآتية من البرازيل والتي سحرت الاسماع والقلوب وشارع الشانزلزيه الذي قد زها وانتشى وتلوّن باجمل الالوان ولبس حلّته الآسرة احتفاءً بزيارة ملكة الدانمارك واستقبالها الاستقبال اللائق

اذ صادف زيارتها خلال وجودي، هذه المظاهر الجمالية والسهرة الآسرة التي استمتعت بها في " الليدو " قد شردت كلها من اعماقي هاربةً بسبب هذه الحال الوسخة التي آلت اليه العاصمة الغنّاء، حقا كانت باريس الباهرة حينها عبارة عن مكبٍّ هائل من النفايات وقد ملأت الارصفة قذارة ورائحة لاتحتمل مع ان هذا الاضراب قد دام ليوم واحد فقط لكنه جعل الحياة في مدينة النور تراكماتٍ من الاوساخ التي لاتطاق سواء من مناظرها الكريهة أو انبعاثاتها التي تزكم الانوف ظلّ النحس يرافقني أنّى اتجهت، وأيّ سوء طالع أرى حتى عند زيارتي لمتحف اللوفر بصحبة رفيقتي الشامية التي تتقن الفرنسية فقد بكيت كثيرا حينما أطلت النظر الى لوحة الحرية لديلاكروا ولم تنفع معي كلّ توسلاتها لمغادرة هذه اللوحة الضخمة التي فعلت فعلها بأوصالي المرتجفة وجعلت دموعي تنهمر مدرارا وتحاملت على نفسي اخيرا واستعدت رباطة جأشي وأقول لرفيقتي اني مشوقٌ لرؤية جناح حضارة وادي الرافدين في المتحف وتشتدّ بي الرغبة لأرى مسلة حمورابي وصحبتني الى هناك وكم كانت صدمتي طاغية حين منعنا من مشاهدتها اذ كانت الابواب مغلقة الى مكان مكمنها لكنها لم تيأس وأسرّت لي انه يمكن مشاهدتها للوفود الزائرة خاصة ولبعض المسؤولين النخبة الزائرين ويمكننا الاندساس بينهم وهذا ماحصل فعلا بعد طول انتظار وقد تكون رؤية هذه المسلة التي جئَ بها من بلاد فارس بعد ان سرقت اثناء غزو بابل هي الحصيلة الوحيدة المثمرة التي حزت عليها امام كل هذه العقبات والعثرات الجسام التي صاحبتني في زيارتي الاولى لباريس النور لكن هذا النور اضحى نارا لاسعة تتبعني أينما اتجهت وحيثما حللت


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز