Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

التغيير قانون الحياة

* كيف تمكن الانسان من التكيف في البيئات المختلفة ؟ وكيف استطاع مواصلة البقاء ؟ وكيف تمكن من بناء هذا العالم ؟ وهل كان من الممكن لكل هذا أن يحدث لو أنه لم يتغير ويغير؟ قطعا لا ! التغيير مرتبط بتجارب الانسان وتعلمه من تلك التجارب . كل تجربة سيئة أو جيدة ، ناجحة أو فاشله علمته شيئا جديدا أضافه إلى مخزونه المعرفي والادراكي واستخدمه في تطوير حياته ، أو في تجنب المخاطر التي قد يتعرض لها .

  * كلمة " تغيير " هي أهم كلمة في حياة الأمم . التاريخ شاهد على أن الأمم التي ... فكرت واكتشفت وتغيرت فكرا وفعلا ... تمكنت من بناء مجتمعات متطورة ، والأمم التي رفضت أن تتغير وأن تتجدد في تفكيرها ونمط حياتها ، تراجعت وواجهت مشاكل جمة وبقيت ضعيفة وبعضها إنتهى من الوجود . آرنولد توينبي المؤرخ البريطاني الشهير ومؤلف كتاب مختصر دراسة للتاريخ ، يقسم الحضارات الانسانية إلى 21 حضارة لم يبق منها الآن إلا الحضارة المسيحية الغربية ، والمسيحية الأرثوذوكسية ، والاسلامية ، والهندية ، والشرق الأقصى ، ويقسم الحركة التاريخية للحضارات إلى ثلاثة مراحل هي : إنبعاث الحضارات ، وإرتقاء الحضارات ، وإنهيار الحضارات . إنه يقول بأن الحضارات التي اندثرت لم تتغير بنفس السرعة التي تغير فيها أعدائها ونيجة لذلك تراجعت وتقهقرت واندثرت .

* هذه المراحل الثلاثة مرتبطة ارتباطا مباشرا بديناميكية المجتمع وقدرته على التغيير . الأعراق البشرية جميعها ، والجهود البشرية ، والبيئة والجغرافيا كلها ساهمت في البناء الحضاري الانساني الذي انبعث بفضل جهود الانسان الرامية الى إكتشاف المجهول ، والتغلب على العوائق الطبيعية التي واجهته والزمته على إيجاد وسائل لتطوير ما لديه ، أو ما يملكه ، أو يحصل عليه نتيجة اكتشافاته وأفكاره الجديدة .

* أما ارتقاء الحضارة فانه مرتبط مباشرة في تطويرها للزراعة والصناعة والتعليم والقوة العسكرية والبناء والتعمير ، إي في استمرارية تغيرها وتجددها وتوسعها ، ومن خلال الاستفادة من مصادرها الطبيعية واستغلال مواردها ومصادر ثروتها وتطوير الانسان فيها ، ومن خلال احتلال دول أخرى والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها .

  * تبدا الحضارة في الانهيار التدريجي عندما تتعرض لانقسامات داخلية ، ويسود فيها الظلم والفساد واستغلال الناس واثقالهم بالضرائب ، وتضعف قدراتها الابداعية ، ويقل اهتمامها بالتغيير والتجديد ، وتنغلق وتتقوقع على نفسها . تستمر حالة الانحدار هذه حتى تتمكن الحضارة المنافسة أو المعادية للدولة المتراجعة من الهيمنة عليها ، أو السيطرة عليها بالكامل ، وانهاء دورها التاريخي أو حتى انهائها من الوجود .

* يوجد في عالمنا المعاصر أكثر من دليل على هذا . خلال السبعين عاما الماضية ، أي منذ نهاية الحرب العالية الثانية فإن بعض الدول التي آمنت بالتغيير تطورت بسرعة ملاحظة وحققت ما يشبه المعجزات لأن امكاناتها الاقتصادية كانت محدودة ، ومنها على سبيل المثال اليابان ، وكوريا الجنوبية ، وسنغافورة ، وماليزيا ، والصين ، والهند . لقد حققت هذه الدول نجاحا هائلا في السيا سة والصناعة والاقتصاد والثقافة ، واصبحت من أكثر دول العالم حداثة وتقدما ، بينما دول أخرى حاربت التغيير والتجديد والانفتاح ورفضت الحداثة والاستفادة من تجارب العالم وعلومه وثقافاته ، تمزقت واصبحت هدفا للغزات والطامعين ... والوطن العربي مثال حي على ذلك .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز