Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

الدين الحق سلوك وممارسات أخلاقية وليس مظاهر زائفة

* الدين علاقة روحية جميلة وسامية تربط الانسان مباشرة بخالقه . الله أرسل رسله ، وأنزل كتبه وأديانه لخدمة الانسان ومساعدته على معرفته ، وكيفية طاعته ، وإدراك طرق عبادته والتقرب منه ، والقيام بواجبه نحوه . كل الديانات التي لها كتب منزلة كاليهودية والمسيحية والاسلام ، والتي لها كتب غير منزلة وتؤمن بوجود خالق ، تشترك في محاولاتها لتعريف الانسان بخالقه ومد جسور من الفهم بينه وبين الله .

* الديانات القديمة ألتي سبقت الديانات الموحدة كالبابلية ، والآشورية ، والكنعانية ، والفرعونية ، والهندوسية ، والزرادشتية ، والكنفوشستية ، كانت مختلفة في تفسيرها للوجود عن التي جاءت بعدها ، وإن كل ديانة منها كان لها تفسيرها ، أو حتى تفاسيرها للوجود الالهي ، والكون ، والحياة ، والموت . وكان لها عقائدها ، وشعائرها ، وعباداتها ، وأعيادها الدينية المتبعة والمميزة ، وكهنتها ، وأتباعها المختلفون في درجة تدينهم كما نحن مختلفون في درجة تديننا اليوم . لقد أظهرت شوق الانسان إلى معرفة خالقه ، ومعرفة نفسه ، وتطوير قدرته على البقاء ، وفهم معضلة الوجود وسبر أسراره ، ودفعته إلى التفكير المستمر الذى أدى إلى تطوير الحضارة العالمية وأغنائها بالعلم والمعرفة والبناء المادي والعقلي .

  * تعاليم الأديان وبدون إستثناء ، وإضافة إلى أبعادها الميتافيزيقية والالهية ، تضمنت نصوصا أخلاقية متشابهة إلى حد ما ، هدفها تنظيم علاقات الأفراد في مجتمعاتهم . ولهذا فإنها جميعا حرمت كل ما يضر الناس كالكذب ، والنفاق ، والبغضاء ، والقتل ، والسرقة ، والنصب ، والاحتيال ، والزنى إلخ . واعتبرت هذه الممارسات آثاما يعاقب الله الناس عليها عقابا شديدا ، ويحرم مرتكبيها من دخول الجنة ، إلا إذا أراد سبحانه أن يفعل غير ذلك بإرادته وحسب تقديره ، ووضعت قوانين تحكم حياة الأسرة والجماعة ، وبعضها إحتوى على نصوص يمكن أن يكون لها تطبيقات سياسية واقتصادية وقضائية .

* ألاديان كلها ربطت التدين الحقيقي بالسلوك والعمل الخير، ورفضت النفاق الديني القائم على الخداع ، والمظهر ، والابتعاد عن الحق والخير ، واعتبرت النفاق من كبائر الذنوب . قال عليه الصلاة والسلام " المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ." المؤمن من أمنه... كل الناس ... وإن اختلف معهم في دينهم ، وكان مؤمنا بالله ومن أتباع ديانات أخرى . إنها دعوة واضحة وصريحة تقول إن من واجب كل من آمن بالله ، سواء كان مسلما أو من أتباع دين آخر ، أن يعامل أخاه الانسان بما لا يضره أو يؤذيه .

* تثبت الاحصائيات التي أجريت في عام 2014 تراجع الدين والتدين في معظم الدول الغربية ، وانتشار النزعات اللادينية أو حتى الالحادية إلى درجة أن نسبة الذين لا يؤمنون بدين ما من أللاأدريين ، والملحدين في جميع دول الاتحاد الأوروبي ، وأستراليا وصلت إلى 49 % من عدد السكان ، وكانت نسبة المؤمنين منخفضة جدا في بعض الدول الأوروبية كالسويد حيث بلغت نسبة اللادينيين والملحدين 82 % ، وفي فرنسا 73 % ، والدنمرك وهولندا 72 % ، وبريطانيا وبلجيكا 63 % ، اليابان 65 % . وتقول نفس الاحصائيات أنه في عام 2100 فإن الاسلام سيكون أكبر دين في العالم من حيث عدد أتباعه ، وإن نسبة المسلمين في الاتحاد الأوروبي ستصل إلى 10 % ، أي ما يزيد عن خمسين مليون من عدد سكان القارة في عام 2050 ، وإن نسبة المؤمنين والممارسين للدين ستستمر في الانخفاض في الدول الصناعية والديموقراطية .

  * والملفت للنظر أن نسب الجريمة بكل صنوفها هي الأقل في الدول الأقل تدينا في العالم كالنرويج ، والسويد ، والنمسا ، وايسلندا ، وسويسرا ، وهولندا ، وسان مارينو . وبسبب إنخفاض نسبة الجريمة في هذه الدول فإن بعضها أغلق عددا من السجون وحولها إلى متاحف . وعلى النقيض من ذلك ، فان أعلى نسب جريمة ، ونصب ، واحتيال ، وسرقات في العالم موجودة في دول متدينة مسيحية ، وإسلامية ، وهندوسية منها جنوب افريقيا ، وهندوراس ، وفنزويلا ، والهند ، والعراق ، ونيجيريا ، ومصر ، وجامبيا ، والولايات المتحدة التي يؤمن 75 % من سكانها بالله وتعتبر دولة متدينة بالمقارنة مع أوروبا . إن معظم الذين يرتكبون الجرائم والمخالفات القانونية بأنواعها في هذه الدول ، هم من الطبقة الفقيرة المحدودة الثقافة والتعليم ، وإن معظمهم متدينون ويعبدون الله حسب دياناتهم .

  * هذا يعني ... أن التدين الذي لا يستند إلى ثقافة عامة وضمير حي يراقب تصرفات صاحبه ... ، وإلى نقص معرفي بشؤون الدين وأهدافه ، ويفتقر إلى وعي الانسان وفهمه لحقوقه وحقوق غيره ، ليس كافيا لتهذيب النفس وإبعاد الانسان عن الجريمة . ولهذا يمكننا القول أن أهم العوامل الشخصية التي تحد من الجريمة بأنواعها هي : مستوى الانسان العلمي والثقافي ، وقدرته على إنتقاد تصرفاته وتبين الجوانب القوية والضعيفة من شخصيته ، واستعداده لانتقاد نفسه وتصيح أخطائه ، وقوة عزيمته وإرادته في الدفاع عن الحق والتصدي للظلم ، وفهمه لحقوقه وحقوق الآخرين ، وفهمه لجوهر الدين الذي لا يقبل إلا الحق والعمل الخير إلخ . في غياب هذا يظل التدين مجموعة من المظاهر الخادعة ، التي تتناقض مع جوهر وطبيعة الدين ، ولا تأثر تأثيرا مهما في سلوك الأنسان واستقامته .

* التدين في الوطن العربي ملاحظ . نحن أكثر الناس التزاما بالتدين ومظاهره : مساجدنا والحمد لله تمتلىء بالمصلين من جميع الأعمار ، ونقيم الصلوات الخمس في أوقاتها ، ونحن من أكثر الناس ذكرا لله ، ومن أكثرهم تسبيحا ، ومن أكثرهم حديثا عن الدين ، ومظاهر التدين كاطلاق اللحى شبه عامة بين الشباب والكهول ، وعلامات السجود على جبهاتنا مشاهدة في كل مكان ، ونساؤنا معظمهن محجبات ، ونتكلم عن رب العالمين سبحانه وتعالى وعن دينه الحميد في بيوتنا ، وفي المقاهي ، والمساجد ، والشوارع ، واصبحت مراكز تحفيظ القرآن الكريم متواجدة في كل مكان ، وبنينا مسجدا في كل زاوية ، وعندنا من الوعاظ أعدادا لا حصر لها ، ومعظم أحاديثنا ومناقشاتنا تدور حول الدين ، وأهمية التدين ، والجنة ، وجهنم ، والعذاب ، والحسنات ، والسيئات .

  * الظاهر يوحي باننا أمة تقية ، تدافع عن الحق ، وتطبق العدل الديني كما اراده الله ورسوله ، لكن سلوكنا يثبت عكس ذلك ، وينطبق على وضعنا النفاقي المتدني في قيمه ، ما قاله الرسول عليه السلام " أتدرون ما المفلس ؟ المفلس بالمفهوم العام : من لا درهم له ، ولا دينار ، لا يملك مالا إطلاقا . فقالوا : المفلس فينا من لا درهم له ، ولا متاع . فقال : المفلس من يأتي يوم القيامة ، بصلاة ، أو صيام ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته ، قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم ، فطرحت عليه ثم يطرح في النار .

 " * والسوال هو لماذا زادت مظاهر التدين وتراجعنا أخلاقيا وحضاريا وسياسيا وعلى جميع الاصعدة.؟ الحقائق تقول أن مظاهر التدين هذه لم تترجم إلى حقائق سلوكية كما يقول الدين . ألذي حدث هو أن موجة التدين هذه التي مضى عليها نصف قرن تقريبا ... لم تغير فينا إلا المظهر .... وإن مجتمعنا قد تخلف ، وثقافتنا تراجعت ، وأخلاقنا إنحطت فزاد الكذب ، والنفاق ، والغش ، وقلة الأدب في التعامل ، والحرمنة ، والدعارة ، والنصب ، والاحتيال . وتفككت العلاقات الأسرية ، وانهارت قيم الثقة والمصداقية بين أفراد الأسرة الواحدة ، وبين أفراد المجتمع ، وبين الجماعات الدينية المسيسة والغير مسيسة ، وبين الأحزاب السياسية ، وبيننا وبين أتباع الديانات الأخرى ، وزادت النعرات الطائفية ، وظهرت بيننا عشرات الأحزاب الدينية التي تختلف في كل شيء ، ولا تقتل إلا المسلمين ، ولا تدمر إلا أوطان المسلمين ، ولم تطلق رصاصة واحدة على أعداء المسلمين .

  * ما ذكرته ليس فرضيات وهمية ، وإنما هي حقائق يعرفها الجميع ، وإن التقارير الحكومية الرسمية تؤكد أن الجريمة بجميع أنواعها إرتفعت إرتفاعا رهيبا في كل الدول العربية خلال الثلاثة عقود الماضية . وتشير تقارير وزارات الداخلية العربية الى تنامي مخيف في جرائم السرقة ، والاحتيال ، والقتل ، والاغتصاب ، والاعتداء بالأسلحة النارية والبيضاء في المدن العربية ومناطق الكثافة السكانية في العراق ، والجزائر ، ومصر ، والأردن ، ولبنان ، ودول الخليج ، وسوريا .

  * فقد ذكرت صحيفة الرأي الأردنية في عددها الصادر يوم الجمعة 27-5-2016 ، أن الجرائم الصغرى والكبرى والجنح ارتفعت إرتفاعا كبيرا خلال السنوات الماصية ...من 44722 عام2008 الى 163143 عام 2013 ... صحيفة الشعب المصرية الصادرة في 23 -1-2016 قالت " كشف تقرير لقطاع الأمن عن ارتفاع معدلات الجريمة بشكل عام ، خاصة القتل والسرقة بالاكراه ، وسرقت السيارات وان جرائم القتل ارتفعت 130% " . وأضافت أن هناك " 29000 بلطجي ومسجل خطيرارتكبوا جرائم قتل واغتصاب وخطف .

" * الحروب ، والفقر ، والبطالة ، والظلم السياسي ، والضغوط الاجتماعية والنفسية ، والجهل من الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الوضع . لا أدعي بانني أعرف كل الأسباب التى أدت بنا إلى ما نحن فيه ، لأنها متعددة ومتنوعة في مصادرها ، وفي أسبابها ، وأماكن حدوثها . لكنني أعتقد أن ما حدث لا علاقة له بجوهر الدين ونصوصه وتعاليمه ، أن كل الديانات ترفض الجريمة والاعتداء على الآخرين . الدين بريء من هكذا تصرفات لانه يريد لأتباعه الخير والصلاح ، ويريد السلام وليس القتل ، ويريد مجتمعات فضيلة وكرامة إنسانية ، وليس مجتمعات رذيلة وانحطاط . د. مصطفى محمود رحمه الله فال " ألاسلام هو الحل ." أنه لم يقصد إسلام المظاهر والاسلام الشكلي . إنما قصد من قوله هذا جوهر الدين ... أنا لأعتقد أن الاسلام الذي سيكون "هو الحل " هو ... إسلام المعرفة ، والعلم ، والعمل ، والثقافة ، ومكارم الأخلاق ، والأدب في التعامل مع كل الناس ، والحرية ، والعدالة ، والديموقراطية ... إنه إسلام الفعل وليس إسلام المظهر والشكل...!



(478536) 1
Bought and sold daily
Marwan
Islam in the Arabic Countries is getting to be something they buy and sell cheap. The sad thing is the merchants are mostly not Muslims or even Christians.. Poor people being traded sold and bought daily.
July 16, 2016 2:29 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز