Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

أردوغان وإتفاقه الجديد القديم مع إسرائيل

* سياسة الدول الداخلية والخارجية تقررها مصالحها . العواطف والتصريحات الرنانية غالبا ما تستخدم للخداع وتمرير أو تبني سياسات معينة . هذا ينطبق على الخلاف الذي حدث بين الدولتين الصديقتين تركيا وإسرائيل . لقد ربطت الدولتين علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية متينة منذ أن إعترفت تركيا بإسرائيل ، وأقامت معها علاقات دبلوماسية في آذار من عام 1949 وحتى وقوع حادث سفينة الاغاثة مرمرة في أيار 2010 ، والذي قتل فيه تسعة مواطنين أتراك ومواطن أمريكي . أي إن العلاقات التركية الاسرائيلية كانت ... سمن على عسل ... منذ قيام إسرائيل ، وإن حادث مرمرة وعلى الرغم من نبل أهدافه وامتناننا كفلسطينيين لكل من شارك فيه ، تحول إلى ورقة في يد أردوغان وحاول إستخدامها ليحقق مكاسب سياسية في تركيا والعالم الاسلامي .

* بعد الحادث ساءت العلاقات الاسرائيلية التركية . تركيا طالبت بإعتذار رسمي إسرائيلي ، وتعويض للضحايا ، ورفع الحصار عن غزة ، ولكن إسرائيل رفضت المطالب التركية جملة وتفصيلا . أما أردوغان فإنه إستخدم معزوفة فلسطين ، وورقة حماس ، وظروف الانقسام الفلسطيني وحصار غزة ، للضغط على إسرائيل لقبول شروطه على أمل أن يحصل على ما يريد ويصبح بطلا قوميا في بلاده ، وبطلا إسلاميا سنيا في الوطن العربي . لكن أحلامه تبخرت وإنهارت أمام التعنت النتنياهي الاسرائيلي . الاتفاقية تسمح للطرفين الادعاء بالانتصار وتحقيق الاهداف التي أرادها كل طرف ، لكن الحقيقة أنها كانت إتفاقية حل وسط تخدم مصالح تركيا وإسرائيل ، وقد تخفف من معانات أهلنا في غزة إذا طبقت .

* ألاتفاقية التي أعلن عن توقيعها بين البلدين يوم الاثنين 27-6-2016 ، سوف تنهي ست سنوات من التأزم والقطيعة في العلاقات الدبلوماسية . لقد تضمنت الاتفاقية ما يلي :

 أولا ، إسرائيل أعربت عن أسفها لما حدث كالعادة .. ولم تعتذر رسميا أمام المجتمع الدولي عن واقعة مرمرة .

 ثانيا ، إسراثيل وافقت على دفع 21 مليون دولار لصندوق الضحايا من قتلى وجرحى .

 ثالثا ، تسحب تركيا الدعاوي المقدمة ضد ضباط الجيش الاسرائيلي الذين تورطوا في الحادث .

 رابعا ، تستانف الدولتان التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي فيما بينهما .

 خأمسا ، يسمح لاسرائيل بالعمل على مد أنبوب غاز طبيعي من حقول الغاز الاسرائيلية إلى أوروبا عبر تركيا .

 سادسا ، إبقاء مكاتب حماس مفتوحة في تركيا شريطة أن لا تقوم بأي نشاط ضد إسرائيل من الآراضي التركية ، وأن لا تعيد القيادي صالح العاروري للاقامة على أراضيها .

 سابعا ، ستزود تركيا غزة بمواد تموينية ومواد بناء عن طريق ميناء أسدود ،وتشغل المستشفى التركي ، وتبني محطة كهرباء ، ومحطة تكرير للمياه ، لكن الحصار سيستمر وستبقى المعابر مغلقة ، ولن يكون هناك ميناء ولا مطار . فقد قال نتنياهو صراحة " إن الحصار البحري المفروض على غزة سيبقى على حاله .

 " * ونصت الاتفاقية أيضا على ما يلي ... " إسرائيل تحتفظ لنفسها بجميع الحقوق لضمان أمنها وأمن مواطنيها بناء على الملابسات والظروف القائمة وطبقا لأي تطورات قد تحدث مستقبلا "...أي إن بإمكان إسرائيل أن تخلق أي سبب للتنصل من أي بند يتعلق بتجارة تركيا مع حماس ... لقد نجح نتنياهو وحقق معظم ما أراد ، ورفض الشروط التركية المتعلقة بحصار غزة ، وأعطى أردوغان ما يحفظ ماء وجهه أمام شعبه .

* تقول صحيفة الجيروزالم بوست في عددها الصادر يوم الاثنين 27-6-2016 ، إن أهم العوامل التي أدت إلى الوصول إلى هذه الاتفاقية هو تضرر مصالح البلدين ، وخاصة التركية منها خلال سنوات القطيعة . وتذكر الصحيفة المذكورة أن السياحة الاسرائيلية إلى تركيا كانت 560000 سائح إسرائيلي عام 2008 ، وإن هذا العدد إنخفض إلى 79000 سائح عام 2010 ، وإنه عاد وإرتفع إلى 224000 عام 2015 . وعلى الرغم من إنقطاع العلاقات الدبلوماسية ، وتصريحات أردوغان الرنانة ضد إسرائل ، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين إرتفع بشكل ملاحظ خلال سنوات الأزمة من 2.6 بليون دولار في عام 2009 ، إلى 5.4 بليون في عام 2014 ، وكان 4.2 بليون دولار عام 2015 . أما التعاون العسكري فقد إنخفض بشكل كبير وخاصة ما يتعلق بشراء تركيا لأسلحة إسرائيلية ، وعدم السماح للطيارين الاسرائيليين بالتدريب في الأجواء التركية.

  * وبسبب إغلاق الحدود السورية ، فقد توقفت التجارة البرية بين تركيا ودول الخليج ، مما أضر بمصالح تركيا الاقتصادية في تلك الدول . لكن تركيا إستخدمت ميناء حيفا لشحن بضائعها لدول الخليج . فكانت خلال السنوات الماضية ترسل آلاف الشاحنات المحملة بالبضائع إلى ميناء حيفا ، ومن هناك تذهب إلى الأردن عن طريق جسر الشيخ حسين ، وتواصل طريقها لدول الخليج . أما سياسيا فقد لعبت إسرئيل دورا مهما في إستخدام الضغط اليهودي عل الساحة الدولية لاعادة الاهتمام بجرائم تركيا ضد الأرمن بشكل أحرج تركيا وقد يسبب لها مشاكل كثيرة إذا استمر.

* نحن العرب لن نجني شيئا من هذه الاتفاقية ، وإن حماس سوف لا تستفيد كثيرا منها لأن كل شيء سيبقى كما هو بإستئناء ما سيصلها من مواد تموين وبناء عن طريق أسدود . نحن كفلسطينيين نشكر كل من يساعد أهلنا في غزة لتخفيف معاناتهم ، ولا يحق لنا كعرب لوم تركيا ، ولا أردوغان على إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع إسرائيل ، لأنه كرئيس لتركيا يبحث عن مصالح شعبه ، وإن عدة دول عربية أقامت علاقات سرية وعلنية معها . لكننا نعتب على أردوغان لأنه اشبعنا كلاما معسولا ، وباعنا كما باعنا غيره لأن هذه الأتفاقية قد تشكل تحالفا إسرائيليا تركيا جديدا ، لا يمكن فصله عن الصراعات الدائرة في المنطقة ، وقد يضرنا كعرب أكثر مما يفيدنا . إننا أمة معروضة للبيع ، وكل طامع يستطيع أن يجرب حظه فيها ، ويجد بيننا من يؤيده ويبارك خطواته .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز