Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

الأعمى والمشلول

من وقائع الزمن الأوّل ؛ بولص ومخلص العراقيان ؛ الحكواتي وصديقُـهُ يزخر تاريخ العراق بكمٍ هائل من قصص المحبة والتآزر واللحمة بين أبنائه على اختلاف عقائدهم وأعراقهم وانتماءاتهم المذهبية او الدينية بل وصل الأمر ان يكون البيت الواحد يضمّ ألوان الطيف الاجتماعي ، فالرجل منا لايتحرّج ابدا من اختيار رفيقة عمره ان كانت ليست من مذهبه او قوميته ويتصاهر مع ايّ احد يرى فيه الخلق الكريم ونقاء المنبت والمحتد وكثيرا مانرى أخوالنا وأعمامنا كردا او تركمانا او عربا بمذاهب شتى ، لكن قلوبهم واحدة عدا عن اصدقائنا ومعارفنا ومحبينا الذين كنا لانعرف ان كانوا من هذه الملّة او تلك النِّحلة بقدر ما كان مقياس اختيارنا هو الخلق القويم وسعة الافق والنقاء في العلاقات المجتمعية

  تصفحت قبل أيام مواقع أصدقائنا المثقفين في الفيس بوك وقد نشر احدهم صورة لاثنين من عامة الناس احدهما قويّ البنية اسمه " محمد " ويقول عنه صديقي انه مسلم اعمى يُعين مُقعدا مسيحيا اسمه " سمير " ويتعاونان معا فالأعمى يستعين ببصر المشلول ليدلّه على الطريق السليم مقابل ان يحمل رفيقه المشلول على ظهره لينقله الى حيث يريدان هذه الحكاية اعرفها منذ طفولتي قصّها لي جدّي وانا صبيّ ؛ ولكي اشبع فضولي في تضارب السرد واختلاف الزمكان ، فقد نبشت كثيرا عنها في النتّ وقرأت ما أضفى عليها الآخرون مما ليس لها ؛ فهذا ينسبها الى يهودي ومسيحي كانا يعيشان معا وآخر ينقلها بغمضة عين الى اثنين عاشا في دمشق رغم ان الدلالة تبقى نفسها في التعايش الجميل والتآزر بين الناس على اختلاف معتقداتهم

لكنّ في خاطري ان القصة لرجلين من العراق يسكنان البصرة تحديدا مازالت عالقة في مخيلتي حكاها لي جدّي تاجر التمور أواسط الخمسينات من القرن الماضي وأنا صغير دون السابعة من العمر يوم كان يزور البصرة أيام العهد العثماني ويشتري من مزارعها أجود التمر ليبيعه في أسواق الفرات الأوسط وفي بغداد ؛ يشحنها نهريا بالمراكب والسفن التي كانت تجوب دجلة والفرات وقتذاك كان جدي يقيم خلال سفراته الى الفيحاء عند صديقيه " بولص " المسيحي القزم الصغير المشلول ؛ اليتيم الأبوين منذ طفولته ، هذا الفتى المضياف المتوقد الذهن ذو البصر والبصيرة الحادتين ومع كل هذه الرزايا وعجزه عن الحركة والمشي والنهوض بقي مرحا مستبشرا بالحياة ؛ فالمسكين المقعد لايبرح الأرض أبدا لكن خياله الخصب الطائر يجنح بعيدا ويبتكر قصصا غاية في التشويق والحبكة ليؤسر سامعيه اما الآخر فهو " مخلص " الأعمى المسلم الذي أصيب هو الآخر باليتم مبكّرا لكن الله جعله قويّا مفتول العضلات وابتلاه الله بكثرة النسيان وشيء من البلادة حتى انه لا يعرف طريقه الذي يسلكه يوميا .

 فالاثنان يعيشان معا في غرفة مستأجرة متحابين لايفترقان مطلقا كمن يكمّل احدهما الآخر ، وفي كل صباح يقوم المسلم الأعمى الصلب البنية بحمل صديقه الضئيل المشلول على ظهرهِ ممسكا بعاتقهِ وعنقه وعيناه تراقبان الطريق بحذر شديد لئلا يعثران كي يدلّه وينبهه على الطريق القويم الأهون مسلكاً حتى يصلا الى عملهما بمكان واحد رجلان كسيح وأعمى ؛ كلٌ يؤدي دوره في معاونة صديقه ، تحابّا وامتزجا روحيا وتساكنا وأنِسا بعضهما سوية وصارا قطعة واحدة في جسدين مثل كائنين سياميين ولكن روحيا كان بولص راويا للقصص في المقهى ( حكواتي ) كما يطلق عليه أهل الشام ويعتاش على ما تجود به أيدي الجالسين السامعين لقصصه المشوقة بما يمتلك من خيال خصب وبلاغة في التعبير والخطابة ويشدّ الأنظار والأسماع اليه بينما صديقه الحميم " مخلص " يقف مع عربته قرب المقهى ويبيع الباقلاء المسلوقة والحمص المعدّ مسبقا ويهيئ قِـدْره للزبائن والعابرين وعند حلول الظلام يعودان بولص ومخلص ليلا الى حماهما بما قسم الله لهما من رزق مقنع وفي كل سفرة كان جدي يفضّل ان يقيم معهما أياما حينما يزور البصرة ويضع ما في حوزته من الأموال الخاصة بتجارة التمور عندهما اذ كان يأتمنهما جدا مع انه كان بإمكانه ان يستأجر غرفة في نزلٍ ما وحده ، وأهجس انه كان يستمتع ايضا بأقاصيص هذا الضئيل الحلو اللسان في الليالي التي يقضيها الثلاثة معاً وفي ليلة شتاء باردة قضى " بولص " المسيحي نحبه فجأة ومن غير سقم سابق باستثناء شلله من طفولته وعجزه الذي اعتاد عليه ، وظلّ صاحبه " مخلص " معتكفا في غرفته أياما ولم يبرحها ؛ يبكي فقد صديقه الأوفى حتى توفي هو الآخر بعد اقل من شهر من رحيل صاحبه ؛ اذ لم يقدر ان يواصل حياته وحده كمن ضيّع جزءا مكمّلا له تغلغلَ في كل جوارحه وسرى في أوصال دمه ،

 تماما مثلما نسمع دائما قصصا عن وفاء الكلاب لأصحابها وذبولها قرب القبر حتى تموت وتلحق بمالكها اجل هكذا كان العراقيون يعيشون حياتهم رغم الفقر المدقع ورزايا الأسقام والأوجاع والعوز والحرمان من الحاجات الضرورية مؤتلفين متحابين لايقوى احدهم على فراق صنوه وحميمه وان اختلفا عقيدة وعرقا ولونا هذه القصة الحقيقية كما رواها جدّي والتي قفزتْ الى مخيلتي فجأة وأحببت ان أرويها لكم بلا ايّ تزويق تذكّرني بشخصيتَي مالك وعقيل الصديقين المؤتلفين وارتبطا بصداقة نزيهة في العصر الجاهلي بلا نوازع الطمع والأثرة والمصالح الفردية في تراثنا العربي واللذَين يضرب المثل القائل بهما في المحبة النزيهة والوفاء المفرط اذ يقول المثل السائر : " صديقان لايفترقان مثل مالك وعقيل " أكاد أوقن ان مثل هذه الأواصر قد تفككت تماما الآن وان تلك المحبة التي نبتت في القلوب والأرواح قبلا قد يبست أغصانها وذبلت أوراقها ولا اعتقد انها ستعود يانعة أمام رياح السموم المحملّة بغبار الكراهية ؛ وأين من يرعاها ويسقيها أمام الجدب العائم فينا كسفينة هائمة في بحر متلاطم كُسِـر مقودها وجُنّ قائدها والخوف كلّ الخوف من التصحّر الذي سيحيق بأجيالنا المقبلة ان لم نبدأ من الان في إرواء أولادنا وأحفادنا ونجعل مساحات نفوسهم وعقولهم خضراء شاسعة



(478116) 1
عرب
عماد
لما قرارات عنوان المقال فكرت في العرب وهذا صحيح لأنهم عميان و طرش
June 28, 2016 6:38 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز