Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

أكثر الناس سعادة أقلهم تدخلا في حياة الناس

* كل إنسان يرغب في أن يكون من أسعد الناس ، وأن تكون حياته مفعمة بالبهجة والسرور ، وأن يستمتع بكل لحظة من وقته ، وأن يلغي الهموم من تفكيره . من الصعب تعريف السعادة ، لأن فهمها والشعور بوجودها عملية فكرية وإدراكية معقدة تعتمد على إعمال العقل وتطوير المعرفة ، وعاطفية يحكمها الوجدان والعواطف والخيال ، ويختلف الاحساس بها وفهم أهميتها ومعناها من شخص لآخر ، ومن مجتمع لآخر ، ومن ثقافة لأخرى . ورغم ذلك ، إلا أنه يمكننا القول بأنها ... شعور الانسان بالسرور والبهجة والاستمتاع الذي يرضيه ويقنعه بأن حياته جميلة ، ومستقرة ، وخالية من المنغصات والضغوط النفسية والجسدية .

  * ألانسان كان ، وما زال ، وسيظل في كفاح وصراع لا يتوقف من أجل البقاء . لكن متطلبات البقاء والحياة المريحة تتغير وتزداد تعقيدا وتكلفة باستمرار . إن عالم القرن الحادي والعشرين الذي نعيش فيه ، يتميز بالتغير الحياتي والتقني الهائل الذي وفر لنا وسائل راحة ورفاهية لم يعرفها أجدادنا وحتى آباؤنا ، ووضع على عاتقنا أعباء إقتصادية ، وعلمية ، وثقافية ، وتدريبية مرهقة تتطلب الكثير من الجهد للحصول عليها .

* كل واحد منا أناني بشكل أو بآخر، ونفسه مركبة من الخير والشر ، ومزيج من المتناقضات الأخرى . لا يوجد في الوجود إنسان كامل ، والكمال لله ، وللأنبياء ، والقديسين كما تقول الديانات . وكما قال المسيح عليه السلام " من منكم بلا خطيئه ؟ " ، ولكننا جميعا كبشرنستطيع أن نتغير إلى الأفضل ، وبدرجات مختلفة من النجاح إذا حاولنا ذلك ، وكانت عندنا الارادة على تحمل الصعاب والاستمرار . فمنا من يحاول كثيرا ، ويتغير كثيرا ، ويحقق الكثير في حياته ، ويصلح وضع نفسه ، ويساهم في تحسين أوضاع الآخرين . ومنا من يرفض التغيير، ولا يحقق الكثير في حياته لا له ولا للآخرين ، ويتحول إلى فيلسوف متخصص في تقييم الناس ، واستغابتهم ، والتقليل من شأن النجاح والناجحين ، وانتقاد كل شيء وكما نقول ...ما بعجبوش العجب...

* االتقدم الكبير الذي طرأ على عالمنا وحضارتنا ، أدى إلى إرتفاع هائل في تكلفة العيش وأسعار العقار في كل مكان ، وإلى إنتقال معظمنا من الحياة الريفية المتدنية التكلفة إلى الحياة الحضرية المكلفة . هذا الانتقال الكبير إلى الحداثة الحضارية والعصرنة ، وإلى أنماط ونشاطات حياة يومية متنوعة ودائمة التغير، جعل الانسان دائم السعي لكسب عيشه وتغطية نفقات حياته . لقد وضعه في تنافس دائم مع الآخرين ، وأضعف التكافل الأسري والتعاون بين الناس ، وزاد من حدة النزعة الفردية والاعتماد على الذات ، وفكك الكثير من الروابط بين الأفراد والجماعات . فسادت الأنانية وتحكمت في النفس البشرية ، وتراجع التفكير الجمعي القائم على ... ( نحن- أي أنا وغيري ) نكون شراكة إنسانية تخدم الجميع ... وأصبحت نحن في خبر كان ... ورفعت راية ...( أنا ، وأنا ، وأنا ، ولا أحد غيري أنا ) ... . ولهذا فإن المجتع العالمي الحالي ، وخاصة في الدول الصناعية ، يمكن وصفه بمجتمع النزعة الفردية ..الأنا.. التي أنتجت أمراضا حضارية متعددة ، والحقت ضررا بالغا في العلاقات المجتمعية ، وفي التضامن الأسري ، والتكافل الاجتماعي ، ويبدو أن هذه القيم الجميلة والمفيدة ستستمر في التراجع على المستوى العالمي .

  * يمكننا القول أن سعادة الانسان في عالمنا البالغ التعقيد هذا ، تتطلب صحة جيدة ، ومعرفة وثقافة مستنيرة ، وأمن إقتصادي يتمثل في دخل مادي مستمر وكاف لسد إحتياجاته الأساسية ، وعاطفة وخيال تمكنه من الاستمتاع بوقته ، وسلوك أخلاقي يكسبه إحترام المجموعة البشرية التي يعيش بينها ، ووجود هدف في حياته يسعى إلى تحقيقه . في عالم الحيوان البقاء والسيطرة للأقوى والأكثر قدرة على البطش وتهديد وجود الآخر ، وفي عالم الانسان السيطرة للأقوى والأذكى والاكثر معرفة وقدرة على الانتاج والتجديد والتطوير والتحكم بالآخر.

  * الحيوان محدود التفكير وتتحكم به غرائزه . والانسان لا حدود لتفكيره ، وتتحكم في تصرفاته وقدراته العقلية والابداعية أنانيته ، وحبه للتميز والتملك . الحيوان يقتل بوحشية ليأكل ، أما نحن معشر البشر فإننا نستخدام القوة للتحكم في الآخر ، وفي قتله ، وفي القضاء عليه ، وتدمير حياته بالكامل ، ولهذا قال أحد القدماء .... " كلما زادت معرفتي بالانسان زاد حبي لكلبي " .... ، ورغم ذلك فإن الاختلاف الجوهري هو في قدرتنا على إستخدام العقل في التفكير والتحليل والتعلم السريع ، وفي إيجاد حلول لمشاكلنا قد تجنبنا اللجوء إلى العنف ، وتبعدنا عن أذى القوة وغطرستها . إن السعادة والاحساس بالجمال كامنة في الذات والتكوين العقلي للفرد ، وينطبق عليها قول المفكر البريطاني ديفد هيوم "جمال الأشياء لا يكون إلا في عقل من يمعن النظر فيها .

" * الانسان الذي يريد الحياة السعيدة المريحة يتحكم في أنانيته ، ويكون رقيب وقاضي نفسه ، فيهذبها أفضل تهذيب ، ويبعدها عن ضيق الأفق والانفعال ، وعن صغائر الأمور ، ويبتعد عن مراقبة الناس ، ولا يتدخل في شؤونهم ، ولا يركز على معرفة نواقصهم وأخطائهم ومآسيهم ، ويحاول دائما أن يرى الجانب الساطع الطيب من شخصياتهم ، ولا يصدر أحكامه عليهم كيفما يشاء ، ويسامح من يسيء إليه ... " من راقب الناس مات هما " ... وينشغل بتطوير وأنسنة نفسه ، ويغنيها في العلم ، ويصقلها بالثقافة المتجددة والمعرفة والبحث عن الحقيقة ، ويحد من جموحها وحبها للسيطرة ، ويعلمها التواضع والعطف والمروءة والايثار ، ويحررها من الخوف والجهل ، ويشرع لها باب الحرية الفكرية لتبحث في ماهية كل شيء دون خوف من أحد . يقول الشاعر الفرنسي فولتير " لا يكون الانسان حرا إلا عندما يود أن يكون .

 " * الأحمق يفكر دائما أنه حكيم وواسع المعرفة ، والحكيم يفكر دائما أنه غبي وأحمق ومحدود المعرفة ، وإنه لم ينجز شيئا يستحق عليه الئناء والشكر . الحكمة والمعرفة قد توصل الانسان الى سعادة غامرة لأن عظمة الحكيم تتجلى في نبله ، وسمو تفكيره ، وتضحيتة ، وعمله من أجل المصلحة العامة الذي يستفيد منه الكل ، وفي مساهمته في نشر الثقة والتراحم والود والسلام بينه وبين أسرته ، وأقاربه ، وكل من يتعامل معه ، وفي طاعة ربه واحترام أديانه ومخلوقاته . إنه الانسان الذي وصفه أحد الشعراء بالقول :

 إن الكريم إذا نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس ريا وهو ظمآن 

 يجني الضلوع على مثل اللظى حرقا ... والوجه غمر بماء البشر ملآن



(477911) 1
كلام جميل
السوري
زكم نتمنى أن تبذل الدول العربية والإسلامية خاصة وأن يكون في مناهجها ما يشدد على إحترام الآخرين وخصوصياتهم وأن الآخلاق لا تتجزأ
June 19, 2016 1:33 PM


(477917) 2
ابشر
ديك الجن
اذا كان الانسان قد جبل على ماذكرتم من انانية وتداعيات لهذه الخصلة الخطلاء،فابشر بزيادتها مع كل يوم يمر،مع كل "تقدم وطفرة"،
اما ان هذا الانسان سيقف مع نفسه ويحاول ردعها وصيانتها من افة الانانية وحب السيطرة والتملك والشهرة،فذاك ممكن جدا مع ادم جديد ،مع فصيلة اخرى من البشر بعد ملايين السنين انشاء الله.
June 19, 2016 7:29 PM


(477943) 3

حكم استراليا
بالمفهوم العامي قالوا ..... الله يعطيك راحه البال ... وراحه البال هو ان لا تشغل الانسان امور الدنيا ويسلم امره لله .. فلا يكترث ما يقوله الناس عنه ولا يحشر نفسه فيما لا يعنيه ... اي ان يكون نيته صافيه ويحب كل الناس .. ويتمنئ الخير لهم
.فقالوا الله يعطيك عاقدر نيتك . فاعطاه الله صفاء البال وخلو التفكير في المنغصات ....
June 21, 2016 2:49 AM


(478335) 4

W.masri
تعجبني جدا آرائك، والأفكار التي تتناولها. أتطلع دائما لكتاباتك التي اعتبرها من افضل ان لم تكن الأفضل في هذا الموقع.
July 6, 2016 8:31 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز