Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

لِمَن تُمنَح الحريّة ؟؟

كثيرا ما أرى حالات من الانفلات والخروج عن المألوف في التعامل مع الآخرين والنزوع الى التخريب والتجاوز على النظم السليمة وفرض الرغبات الآنية الكامنة في نفوس وعقول الملأ الأكبر من الرعيّة وهم في غالبيتهم يتمادون في الإساءة بسبب الحريات المنفلتة والخروج عن الانضباط الأخلاقي وتهاون القانون وضعف الردع في مجتمع لم يتعلم بعد أصول الحرية نظرا لضخامة الجهل وعدم الاعتياد على احترام حرية الآخرين إضافةً الى رسوخ أعراف وتقاليد الدكتاتوريات التي تمرّنا عليها أجيالا طويلة رغما عنّا وهي بعدُ مازالت رواسبها نابتة في دواخلنا

  ففي تجربة لإحدى الناشطات في مجال نشر مظاهر الحرية على ان تقيّد بقانون وضعي لتمكينها وحسن استخدامها بشكل حضاري وإتاحتها للجميع أملاً في ارتقائها ؛ خطرت لي قصة السيدة " مارينا ايراموفيك " التي قرأتها واطلعت على فحواها قبلا حتى توقّفت مليّاً في نتائجها وأنجزت بحثاً موسّعا عنها وعن تجربتها وكنت حينها متخرّجا توا من الجامعة اواسط سبعينات القرن المنصرم ؛ إذ قررت هذه المرأة ان تقف خمس ساعات متواصلة دون حراك او كلام أو حتى يبدر منها ايّ ردّ فعل من ايّ سلوك شاذّ وغريب الأطوار يصدر من المحيطين بها ، ووضعت قربَها طاولةً عليها سكينٌ ومسدس غير محشوّ وزهور جميلة مع أشواكها أمام جمع من الناس في مكانٍ عام متعددي المشارب والأهواء وبمستويات ثقافية مختلفة وأجناس متنوّعة وأتاحت لهم بالتصرف كيفما يشاؤون تجاهها طيلة مدة تجربتها في الوقوف كي ترى كيف سيتصرّف المحيطون بها في الساعة الاولى لم يقدم احد على عمل شيء ما ، لكن هذا الأمر لم يستمرّ طويلا وأيقن المشاهدون انها لن تقوم بأيّ رد فعل فيما لو تعرضت للأذى والمشاكسة ...

  بعد مرور اكثر من ساعة ؛ قام أوّلهم بتمزيق ملابسها ومسكَ آخرُ المسدس وصوّبه على رأسها استهزاءً ، وامتدت يد أخرى لتلقف المسدس من يد حامله وقام رابعٌ بحمل الزهور وإبراز أشواكها وتقريبها من بطنها ليدمي جلد " مارينا " وخزا موجعا حتى وصل الأمر الى التحرّش بها جنسيا وامتدّ هذا التصرّف الشائن والهرج والمرج حتى لمن امتلك وعيا بسيطا لم تسلم هذه المرأة من الاهانات والوخزات والتهكّم عليها طوال مدة تجربتها في الوقوف صامتة دون ان يظهر على محيّاها السخط والتذمّر والهلع لانها تعرف تماما ان رعاة الجهل ممن لم يستوعبوا قيمة الحرية فحوّلوها الى فوضى عارمة واستهجان بالاخرين طالما ان القانون الوضعي الصارم غائب كغياب العقل الناضج الذي يقدّر قيمة ان يكون الانسان حرّا في مجتمعات منفلتة مليئة بميكروبات الجهالة فليست الحرية مثالا للرقيّ والتحضّر اذا خدشت جلود الاخرين وأدمت أجسادهم وعبثت بعواطفهم هزءا وامتهانا لكرامتهم انتهت الساعات الخمس بعد صبرٍ مرير وتحركت " مارينا " من مكانها دون ان تتصرف بأي رد فعل تجاه من أوقع فيها الأذى لأنهم ببساطة فرّوا من أماكنهم خوفا منها متوهمين أنها ستردّ عليهم الصاع صاعين ..

هنا يبرز دور القانون في حماية حقوق الملأ وصون حرياتهم باعتباره السور الحامي لها من العبث والتدمير نخلص من هذه التجربة ان الحرية مطلوبة ويجب ان تتاح للجميع شرط ان يقترن بها قانون وضعي لحماية المجتمع من التجاوز عليها ، وهذا القانون المطلوب المرافق لهبة الحرية عليه ان يحمل سوطا وسيفا يردع ويمنع ويعاقب وأؤكد ماقلت لكوني اعيش الان وسط اجواء حريّة منفلتة جدا وأرى بأم عيني مدى المخاطر التي يتعرض لها ابناء جلدتي من المسالمين الوديعين وهم الكثرة الكاثرة في ظلّ قانون غائب وطيش الفوضى العارمة التي تستغلها قلّة قليلة من العابثين لتمزيق النظام وتشويه وجه الحرية الناصع

علينا الاعتراف مستخلصين من هذه التجربة لنقول : " لا تُعطى الحرية لمجتمع أغلبيته من الجهّال وقليلي الوعيّ ؛ فمثل هذه الزهرة الجميلة العاطرة لابدّ لها ان تنبت في ارض خصبة ريّا خالية من العفن والجهل وكثرة الأملاح التي تفسد الشهية وتعكّر مذاق وحلاوة الحرية كم ستكون الحرية آسرة وجميلة وزاهية حينما يرعاها ويصونها شعب تجاوز الجهل وأحرق جذوره ومنابته لابدّ ان توهب لمن يستحقها ويرعاها ويشمّ رحيقها ويأنس بمظهرها على ان تطوّق بحزمة تشريعية قانونية لأبعاد الأذى عنها وحراستها من العابثين والمتجاوزين فالردع القانوني الوضعي هو اليد الضاربة لكل من تسوّل نفسه الاساءة الى الحريات المدنية وممارسيها عذرا ليس بمقدورنا ان نُلبس ذوي المخالب والأنياب فستانَ الحرية الزاهي بحُلَّـته الجديدة ؛ انه حتما سيتمزّق إربا إربا وسيظهر عُرْيَهم امام الملأ ويكونون مثار السخرية والاستهزاء


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز