Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

كل إنجاز إنساني عظيم كان في الأصل مجرد فكرة

ألعقل الانساني مصنع فكري بالغ التعقيد ، ودائم التجدد والتجديد ، ولا حدود لقوته الادراكية والابداعية ، ويصنع المعجزات إذا ولد وترعرع في بيئة إجتماعية وعلمية تسمح له بالنمو والتعلم المستمر، ولا تقيده ، ولا تضطهده ، وتسمح له أن يتخيل ويعمل بحرية وبلا تهديد .

 هذا العقل الانساني الحر أنتج وينتج افكارا إنسانية مختلفة ، ومتناقضة ، ومتشابهة ومتجاذبة ، شكلت القواعد الأساسية التي غيرت الوجود ، وخلقت عالما متطورا جميلا وملائما لحياة كريمة تليق بصانعها الانسان ، وتتوافق مع أوامر الله له بالتفكير والعمل الدؤوب لاعمار الأرض ، وبناء عالم إنساني يطيع ويجل إرادة الله ، ويحترم قدرة مخلوقاته ، وتتجلى فية عظمة الخالق وإبداع المخلوق .

تخيل لو أن الانسان فشل في إبتداع أفكار جديدة طورت قدرته الادراكية ، ومكنتة من اكتشاف مصادر رزقة ، وساعدته في تطوير الصناعة والزراعة ، وفي بناء السكن وصنع الملبس ، ولو أن الانسان لم يستخدم عقله ، وأنه تكاسل واستسلم للطبيعة وقسوتها وتقلباتها ، ماذا سيكون وضعة ووضع كرته الارضية الان ؟ سيكون عالمه صورة طبق الأصل عما كان عليه قبل ملايين السنين : ضياع ، وجهل ، وتخلف ، ووحشية لا تختلف في مكوناتها وسماتها ، عن مكونات وسمات حياة الحيوانات البرية التي تشاركه العيش .

ألأفكار الجديدة التي أنزلها الله في كتبه وصحائفه ، وبشر بها ونشرها الأنبياء والمرسلين بين الناس ، والافكار الخلاقة التي ابتدعها الرواد من المفكرين والعلماء ، هي التي أنارت الكون بالعلم والمعرفة ، وبنت كل زاوية من زواياه .

 كل شي جميل ومفيد وخلاق في عالمنا هذا بدأ بفكرة كانت في عقل إنسان إختلف الناس من حوله في تقييمه ووصفه ، فمنهم من قال عنه أنه مفكر وعلى حق وأعجبوا به ، ومنهم من قال إنه مجنون أو أحمق ، وهذا ما حدث في معظم الأحيان لأن المجانين والحمقى من المبدعين أصروا على ممارسة التفكير الحر ، ورفضوا الانصياع للواقع وتمردوا عليه ، وتمكنوا من تقديم افكار جديدة للناس .

  ومن هولاء الذين اتهموا بالجنون ابراهام لينكولن ألرئيس الأمريكي الذي ألغى العبودية ، وفينسنت فان غوغ الكاتب والرسام الهولندي ، وتينسي وليامز المسرحي الأمريكي ، ولودفيغ فان بيتهوفن الموسيقار النمساوي ، وإدغار ألن بو الكاتب الامريكي ، وعبقري الرياضيات جون ناش ، وإرنست همينغواي الكاتب الامريكي ، وإسحق نيوتن البريطاني مكتشف الجاذبية . ومن العلماء والفكرين المسلمين الذين وقف الناس ضدهم ، واتهموهم بالالحاد والزندقة ، وسجن وعذب بعضهم ، عالم الطب الرازي ، والفيزيائي إبن الهيثم ، والفيلسوف الكبيرالكندي ، ومؤلف كتاب " القانون " أعظم كتاب في الطب إبن سينا ، ومؤسس الفلسفة الحديثة إبن رشد .

 لقد كان هولاء المتمردون عقليا ملح الأرض ، ومشكلتهم كانت ببساطه أنهم كانوا يعيشون في عصرغيرعصرهم ، وعالم غير عالمهم ، ولهذا لم يفهمهم الناس في زمنهم ، وكالوا لهم التهم لأن الهوة العقلية بين المتهم والمتهم كانت شاسعة جدا . إنني لا أفهم لماذا يصاب الناس بالرعب في العالم العربي من الأفكار الجديدة ، بعكس الانسان الحديث المثقف الذي يصاب دائما بالرعب من أفكاره القديمة وعدم قدرته على تجديدها . قد يكون السبب هو أن المجتمعات العربية التي نعيش فيها ، مجتمعات طاردة للعقل والثقافة والنجاح ، وجاذبة للجهل والفشل .

 انها مجتمعات تمجد وتحمي التصحر المعرفي ، وترتاح له لأنه لايهدد قناعاتها العقلية ، وتزدري الابداع العقلي وتعتبره عدوها اللدود وتحاربه بقسوة ، لأنه يكشف جهلها ، وجمودها ، وعيوبها ، وفشلها .

  إنني أتصور اننا إذا أردنا فعلا أن نغير واقعنا البالغ السوء ، فاننا بحاجة إلى ثورة في كل شيء . لقد سبقنا العالم في كل شيء وما زلنا نعاني من التخلف والجهل . أوطاننا تنتحر، ونحن ومشغولون بقضايا فرعية تافهة ينطبق عليها قول المستشارأحمد ماهر " العالم وصل المريخ والعرب يناقشون جواز أكل البطيخ ." إننا عاجزون عن فهم التناقض المنطقي في ماهية الأشياء ، ومعرفة سلبياتها وإيجابياتها ، لأننا نعاني من مشاكل إدراكية لا تمكننا من تشخيص آفاتنا ، وأمراضنا ، وعاهاتنا الاجتماعية المتعددة ومعالجتها . إننا لا نفهم أن أي فكرة جيدة إذا ترجمت إلى إنتاج أي شيء واقعي ، فانها تفيدنا جميعا .

 لماذا لا نفكر ولا نحترم الأفكار الجديدة ؟ لماذا لا ندرك أن كل ما صنع ، وكل ما طبع ، وكل ما بني ، وكل نظرية علمية رائدة ساهمت في تغيير العالم ، وكل معزوفة موسيقية وكل أغنية جميلة الخ . كانت فكرة بسيطة في رأس إنسان مثلنا ، لكنه يختلف عنا في أنه فكر واجتهد ، وأصر أن يجعل منها شيئا موجودا ، وتعب وجرب وكافح حتى نجح وحقق هدفه . فيكتور هوغو الكاتب الفرنسي الذي ألف رواية " احدب نوتردام " العظيمة يقول إن " الشيء الوحيد الذي يمكن إعتباره أقوى من كل جيوش العالم هو فكرة تاتي في وقتها المناسب ." هذا صحيح والتاريخ يشهد أن أفكارا معينة أشعلت ثورات ، وأنقذت أمما ، وأقامت صناعات ، وبنت إمبراطوريات ، ورفعت أقواما وسحقت أقواما اخرى أتت في وقتها . والدليل على صدق ذلك هو ما حدث للأتحاد السوفيتي ، الامراطورية التي إنهارت في عامين ، وكان من أهم أسباب إنهيارها توق الناس الى ترجمة كلمة " الحرية " إلى واقع إجتماعي . ألبرت أينشتاين ألذي قدم النظرية النسبية التي غيرت العالم يعتقد أن الكثير من الأفكار التي تطرح للمرة الأولى تبدو سخيفة وساذجة .

 إنه يصف ذلك بالقول " إذا لم تكن الفكرة سخيفة ومرفوضة عند طرحها ، فانه لن يكون لها أمل في النجاح " إنه هنا يقول إن الأفكار العظيمة في الغالب لا تفهم عندما تطرح للبحث والتداول ، وقد تعتبر مدمرة لتعارضها مع ما هو موجود . إنه يتكلم عن تجربته الشخصية ، لانه عندما طرح نظريته في بداية القرن العشرين إعتبره بعض علماء الفيزياء في ذلك الوقت أحمقا يدافع عن فكرة سخيفة لاقيمة لها ولهذا رفضوها . ألأفكار الانسانية مزيج من الأفكار البناءة العظيمة والأفكار المدمرة .الافكار البناءة ، كما ذكرنا ، غيرت العالم للأفضل ، ولهذا يقبلها العالم باسره لفوائدها للجميع ، والأفكار المدمرة أنتجت حروبا ، وقتلا ، وتدميرا ، وظلما ، وكراهية ، وفقرا، ومعاناة ، ولهذا لايريدها الناس جميعا لانها في النهاية تضر الكل ، إلا أننا لا نستطيع انكار وجودها ونجاحها في أحيان كثيرة .

 نحن نعلم أن خلق دولة إسرائيل كان مجرد فكرة في رأس هرتزل الصهيوني ابن فينا النمساوي ، وأن ترجمة فكرته الى واقع ، سبب كل هذه المآسي التي يعاني منها شعبنا . التقدم الذي حدث في العالم وغير كل شيء فيه منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا ، كان أساسه الأفكار التي ابتدعها العلماء والمفكرون .

 ولهذا فان الدول المتطورة والصناعية تولي أهمية قصوى للأفكار الجديدة التي يمكن تحويلها إلى علم ، وصناعة ، وزراعة ومعرفة ، وفن . هنا في أمريكا أستطيع أن أقول وبناء على تجارب شخصية شاهدتها وسمعتها خلال عملي في التدريس في ثلاث جامعات أمريكية تجاوز إحدى عشرعاما ، أن هذه الجامعات كانت دائما تطلب منا كأعضاء في الهيئة التدريسية أن نتقدم بأفكار جديدة لتطويرآدائنا في الأقسام التي نعمل فيها وفي الجامعة ككل . وانه يوجد هنا مؤسسات قائمة ونشيطة جدا ، عملها هو البحث عن أفكار جديدة ودراستها ، وإيصالها إلى المراكز الصناعية الكبرى ومراكز الأبحاث للاستفدة منها .

 إن باستطاعة أي شخص عنده فكرة جديدة جيدة أن يتصل بهذه المؤسسات ، وإنها بدورها ستهتم بفكرته ، وتساعدة في إيجاد الجهة التي ترعاها وتمول تطبيقها ، وقد تدفع لصاحب الفكرة بسخاء إذا كانت فكرته مهمة ومربحة . في الدول الصناعية الحديثة إنهم يفهون أهمية الابداع والتجديد وأهمية التغيير الدائم للفكر والمجتمع ، ولهذا فانهم دائمي البحث عن الأفكارالخلاقة ، وإنهم يجلون العلم والعلماء ، ويحترمون ويشجعون المفكرين ، ويقدمون لهم التسهيلات والحوافر المادية والمعنوية لينجحوا ، ويبدعوا ، ويخدموا الناس والبلد ويساهموا في تقدم الحضارة الانسانية .

 أما في عالمنا العربي ، فاننا نحارب الفكر التجديدي ، ونتصدى لأ فكرة يقدمها لنا عالم أو مثقف بالزعيق والنعيق ، وندعمه بتمنياتنا ، ونوايانا المخلصة والصادقة له ولأفكاره بالفشل المدوي المحيق لا بالتوفيق .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز