Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

الله لا يساعد الانسان الذي لا يساعد نفسه

جميع الديانات ، ومدارس الفكر ، ومجتمعات وثقافات العالم المختلفة تتفق على أهمية العمل ، وتعتبره الأساس في تقدم وتطورالحياة وازدهارها ، والارتقاء بالانسان من خلال ما يتم انجازه في اسلوب ووسائل العيش الانساني ، واعمار الأرض ، وازدهار وتقدم العلوم والمعارف الانسانية بشتى فروعها .

 يقول الله سبحانه في القرآن الكريم " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور" "واسعوا في مناكبها وكلوا من رزقها ،" حتى يوم الحمعة لم يستثنيه الله من العمل فيقول تعالى " فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ، " وقال الرسول عليه السلام " " ان من الذنوب لا يكفرها الا السعي في طلب المعيشة ،" وقل ايضا "من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له ،" ويقول الانجيل "الذي لا يريد أن يعمل يجب أن لا يسمح له أن يأكل ،" " لا تكن كسولا أبدا ، ولكن اعمل بجد واخدم الرب ،" وتقول التوراة " أن يعقوب أحب راحيل وأراد أن يتزوجها فقال لوالدها ، " سوف أخدمك سبع سنين لأحصل عليها ،" فوافق والدها على ذلك .

 وفي الديانة الهندوسية ، يعتبر العمل من أجل تربية الأسرة واحدا من الأركان الأربعة لتلك الديانة . وانها هي والبوذية تقسم الناس الى أربع طبقات حسب أعمالهم . ولهذ يمكننا الأستدلال مما سبق ، أن التراث الانساني الديني والفلسفي اعتبرعمل الانسان وجهوده لمواصلة البقاء ومن أجل اعمار الأرض جزءا من ارادة الخالق ، ودليلا على طاعة المخلوقات له ، حتى المخلوقات الغير انسابية بصنوفها البرية ، والبحرية تعلمت بالفطرة أن عليها أن تكافح ، وتعمل لتاكل وتواصل البقاء أو تهلك جوعا . قصة آدم وحواء يمكن اعتبارها دليلا على أن الله لا يساعد الانسان الذي لا يساعد نفسه .

 لقد طرد الله آدم وحواء من حياة الرغد في جنات النعيم عقابا لهما على مخالفتهما أوامره بأكل تفاحة من الشجرة المحرمة . وبعد أن خالفا أمره طردهما الى أرض قاحلة لاحياة فيها لاعمارها بتعبهما ، وعرقهما ، وتضحياتها ، ومعاناتهما وذلك تكفيرا عن ذنبهما .

 لم يجد آدم وحواء وذريتهما سوى حل واحد وهو تحمل تلك المعاناة الرهيبة ، والعمل معا بلا كلل ولا ملل لمواصلة البقاء ، والعيش في ظروف في غاية الصعوبة ، والاستمرار في البناء ، والتعمير ، والتطوير التدريجي حتى تمكنوا من بناء حضارة انسانية رائدة بتعبهم ، وكفاحهم ، وارادتهم وجعلوا من عالمنا عالما مختلفا تماما ولا يمكن مقارنته بما كان عليه في زمن آدم وحواء.

كل ما نراه حولنا في عالمنا المعاصر من بنيان ، وصناعة ، وزراعة ، وعلوم ، ووسائل حياة حديثة وترفيه ، وعناية صحية ، وأنظمة وتنظيم الخ ...كان من المستحيل تحقيقه بدون عمل الانسان الدؤوب ، وكفاحه ، وتضحياته ، وتفكيرة واصرارة على تحدي الصعاب ، والنجاح في خلق عالم انساني رائع يجل العقل ، ويلبي دعوة الله للعمل من اجل الخير العام الذي يعود بالنفع على كل بني الانسان مهما كانت دياناتهم ومعتقداتهم وحيثما كانت أماكن اقامتهم .

بما أن العمل يفيد الكل والشر يضر الكل ، فاننا كأفراد نعيش في هذا العالم الحديث الذي تشتد فيه المنافسة بين البشر يوما بعد يوم ، مطالبون أن نعمل بكل جهد لنتمكن من أن نفي بمستلزمات أسرنا ، ونتقدم في عملنا ، ونطور معرفتنا ، ، ونتعلم ، ونتاجر، ونحسن وضعنا الاجتماعي والمعيشي والثقافي ، ونعيش في بيت مريح ، ونملك سيارة جيدة ، ونساهم في أعمال الخير ، ونساعد الفقراء والمحتاجين ، ونعلم أبناءنا في جامعات جيدة ، ونحاول أن نميز انفسنا عن الآخرين بنجاحنا الذي نستفيد منه ونفيد به الكثير من الناس ، ونسافر لنتعلم ونكتشف أشياءا جديدة عن المجتمعات والثقافات الأخرى الخ.

 .. أما اذا لم نحاول أن نتقدم ولا نبذل الجهد المطلوب ، فان الله لن بفعل لنا شيئا . ماذا يفعل الله لانسان كسول ، خامل ، ميت وهو حي ولا يعرف الطموح ؟ كيف يساعد الله في تغيير حياة انسان للأفضل اذا رفض الانسان نفسه أن يتغير ؟ كيف يساعد الله انسانا يقبل العبودية أن يكون حرا طليقا أبيا ؟ كيف يساعد الله انسانا جاهلا في التخلص من جهله اذا لم يحاول أن يتعلم ؟ الدول عليها مسؤوليات كبيرة لخدمة الوطن والشعب .

 ولتكون الدولة ناجحة ، لا بد لها أن تحترم انسانية الانسان ، وتضمن حريات الشعب التي أباحها القانون ، وتساوي بين الناس ، وتطبق القانون على الجميع ، وتحارب الفساد ، وتبني جيشا قويا لحماية الوطن والمواطن ، وتبني اقتصادا قويا، وتصنع ، وتعلم ، وتزرع ، وتعالج المرضى ، وتتداول السلطة ، وتدافع عن شعبها ومصالحه على الساحة الدولية الخ...الله يامر باقامة العدل بين الناس وحمايتهم من الأعداء " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة " أي أن ما سبق ذكره من متطلبات لا يمكن تحقيقه الا بالعمل الشاق اليدوي والممنهج القائم على العلم ، والمعرفة ، والتضحية الانسانية . وهنا يمكننا أن نتسائل هل من الممكن أن يساعد الله دولة في ظلم مواطنيها ؟ كيف يعطي الله الحرية لمن لا يريدها ولا يطلبها ولا يضحي من أجلها ؟ كيف ينصر الله جيوشا متهالكة قادتها أميون ؟ كيف يساعد الله شعوبا تقبل أيادي حكامها ولا تعترض على ظلمهم لها ؟

 كيف يزيل الله الدول القائمة على التفرقة العنصرية ، والقبلية ، والتفرقة الدينية ، والرشوة ، والفساد المالي والاداري الا اذا ثار أبناء شعوبها المظلومة ضدها ؟ كيف يساعد الله أمة تتصور أنها أفضل أمة وهي في الحقيقة عكس ذلك تماما ؟ كيف يحمي الله دولا وشعوبا لا تعمل من أجل حماية نفسها ؟ كيف يقيم الله العدل والمساواة في دول تحتقر العدل وتفرق بين المواطنين ولايعترض المظلوم على ذلك بمقاومته لظالميه ؟ هل يعطي الله الحرية لشعوب لم تجربها ، ولا تعرف معناها ، ولا تضحي من أجل الحصول عليها ؟ هل يعطي الله الكرامة لشعوب اعتادت على الذل والاستسلام للقدر والعبودية ؟

 كيف يمكن أن يساعد الله أمة تقتل أبنائها ؟هل يمكن أن يساعد الله أمة تدمر مدارس أطفالها وجامعاتها ؟ هل يمكن أن يساعد الله أمة تدمر المستشفيات فوق رؤوس المرضى والأطفال حديثي الولادة ؟ هل يمكن أن يساعد الله أمة تتسابق في النفاق لحكامها المستبدين الذين أهانوها ودمروا مستقبلها وحرموها من انسانيتها ؟ الله لا يريد ذلك ولا يقبله لمخلوقاته . الله يرفض الظلم ولكنه لا يزيله عن عباده الا اذا رفض عباده الظلم وتصدوا للظالمين . ان الله لا يمكن أن يساعدنا كعرب في الخلاص من واقعنا الذي لا نحسد عليه الا اذا انتصرنا لأنفسنا .

 الأفراد الفاشلون مثلنا نحن العرب مبدعون في تبرير فشلهم ، وكسلهم ، وجهلهم ، وهزائمهم ، وتدمير أوطانهم ، وخداع انفسهم . اننا كمواطنين عرب لا نفهم بوضوح أن الوضع العربي القائم لا يمكن أن يتغير الا اذا استيقظ الانسان العربي من سباته المزمن الذي زادت سنينه عن سنين أهل الكهف ، وعمل بكل طاقاته لاصلاح وضعه بجهوده وعمله . نحن أمة اتكاليه وخلاقة في الهروب من الواقع وتبرير مساوئه ، ولهذا فاننا دائما نربط فشلنا بغباء ما مثل القول " هذه ارادة الله ، هذا نصيبنا ، هذا مكتوب لنا ، هذا قدرنا ، هذا حسد ، هذه موامرة ، هذا ما خططت له امريكا أو بريطانيا أو جزر الواق واق " هذه العبارات البائسة التي لاعلاقة لها بالله ، ولا بالدين ، ولا بالعقل ، ولا بالمنطق من اكتر التعابير رواجا في تبرير تخلفنا ، وجهلنا ، وانهزامنا ، وعدم قدرتنا على التصدي للواقع وتغييره. لقد أعطى الله الانسان العقل ، وحرية الاختيار ، وطلب منه يعمل دائما لاصلاح دينه ودنباه ، وأمره برفض الظلم ، والانتصار لنفسه من ظالميه ومستغليه.

 الله يحب الناجحين ويريد لنا النجاح لا الفشل ، ويريد لنا النصر وليس الهزيمة ، ويريد لنا المعرفة والثقافة وليس الجهل والتخلف . الله يريد لنا السعادة ، وليس الحزن والتعاسة ، ويريد لنا الغنى وليس الفقر والحاجة ، وبريد لنا الكبرياء وعزة النفس وليس الذل والخذلان والاستسلام لحكام ظغاة لا يخافونه . الله يريدنا أن نبني ولا نهدم ، وأن نعمر الأرض وأن نتمتع بالحباة . ألله يعطينا ما نستحق . لو كنا شعوبا حية تتمرد على البؤس الذي تعيشه لساعدنا الله على الخلاص من ظغاتنا . تحقيق كل ما ذكر سابقا بحاجة الى معرفة وعمل دؤوب وتضحيات من كل فرد في المجتمع .

 ولهذا فان الديانات والفلسفات كلها تعتبر العمل الانساني الذي يهدف الى اقامة العدل بين الناس نوعا من العبادة ، وترفض ظلم البشر واضطهادهم ، وتطلب من الضطهدين أن يتحركوا لنيل كرامتهم وحقوقهم ، وترى في هذه التصرفات الانسانيىة طاعة لارادة الله ، وفائدة لكل البشر مهما كانت دياناتهم ، وترى الكسل والجهل وعدم القدرة على التغيير للافضل ، آفة تضر الناس جميعا وتعيق التقدم والازدهار الانساني . الله سيساعدنا عندما نساعد انفسنا ويتأكد أننا نستحق مساعدته ورعايته لنا وانقاذنا من المآسي التي نعيشها نحن واوطاننا .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز