Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

لا مستتقبل للوطن العربي ما دام يحارب الابداع والحرية والديموقراطية

المبدعون هم ابناء البشرية جمعاء ، وطنهم هو العالم بأسره ، والمواطن عندهم هو أخيهم الانسان أينما وجد ، رسالتهم انسانية شمولية لا تستثني أحدا ، دينهم هو البحث عن الحقيقة والنطق بها والدفاع عنها ، وهدفهم هو محاربة الجهل ، والظلم ، وتغيير العالم ، واصلاحه وتطويره .

 يريدون ايجاد عالم أكثر انسانية وأكثر ازدهارا وتقدما . يتجاوزون بتفكيرهم العصبيات الدينية والسياسية لأنهم اكبر وأعظم بعقولهم وأفكارهم من السياسة والسياسيين ، وأكثر فهما لمعنى الدين والتدين من رجال الدين ، الدين عندهم علاقة شخصية بين المؤمن وربه ، والايمان، والتدين ، والاختلافات العقائدية والفلسفية في الممارسات الدينية والغير دينية حق للكل الانساني لا جدال فيه ، يدافعون عن المستضعفين في أي زاوية من زوايا الأرض ، ويطالبون بالمساواة ، والعدالة ، والأمن ، والسعادة ، والسلام للجميع. ولأنهم عظماء فان الابداع عندهم يعني خلق أفكار جديدة خلاقة تناقض ما هو سائد وترفضه ، وتعمل على احداث تغييرات هامة أو جذرية في مكونات المجتمع العلمية ، والدينية ، والسياسية ، والثقافية.

 ولهذا فان أفكار المبدعين وضعتهم دائما في مواجهة مباشرة مع القوى السياسية ، والدينية المتخلفة والمهيمنة على الأوطان ، والمتحكمة في مصائر الناس والتي ترفض التغيير وتحاربه. وعى الرغم من الاقصاء ، والسجن ، والظلم ، والنفي ، وحتى القتل الذي تعرضوا له في أحيان كثيرة ، الا أن هولاء الأفذاذ صمدوا وكانوا دائما مستعدون لتقديم أرواحهم دفاعا عن افكارهم ومعتقداتهم. ولهذا احترمتهم كل الأمم ، وكرمتهم ، ودونت أسمائهم في تواريخها ، وحافظت على أعمالهم الابداعية في العلوم ، والآداب ،والفلسفة ، والفنون واعتبرتها جزأ من تاريخها ومن تراثها الثقافي .آلاف من هولاء العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ ورحلوا عن عالمنا منذ آلاف ، أو مئات ، أو عشرات السنين، ما زالت أسماؤهم خالدة ، وما زالوا يعيشون معنا بأعمالهم وافكارهم النيرة .

انهم وبدون شك أبناء وأبطال الانسانية جمعاء ، لأنهم علمونا قيمة التضحية وأناروا لنا طريق الحرية والتقدم والازدهار.

التاريخ يثبت بدون شك العلاقة الوثيقة بين الابداع والحرية. لو أخذنا أوروبا كمثال على أن الحرية هي أم الابداع ، لتبين لنا أنه بعد دمقرطة القارة في القرون الثامن عشر، والتاسع عشر ، والعشرين ونتيجة للحرية السياسية والفكرية وجهود المبدعين ، حدث توسع هائل ، وتقدم مستمر في التعليم بجميع مراحله ، وفي الصناعة ، والزراعة ، والصحة ، والبنية التحتية ، والادارة ، وحقوق الانسان ، ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات .

كذلك فان الابداع الأوروبي ، والأمريكي ، والياباني خاصة في القرن العشرين ، والذي شمل كل نواحي الحياة ومتطلباتها ، قد غير عقل الانسان ونمط تفكيره ، وأسلوب حياته ، وخلق عالما جديدا يختلف اختلانا جوهريا عن العالم الذي كان موجودا قبل ثلاثين سنة ، وأنه اذا لم تحدث كارثة عالمية توقف استمرار الابداع الانساني ، فان المبدعين سيتمكنون خلال نصف قرن من الآن من خلق عالم لم تعرف البشرية مثيلا له في تاريخها .

واذا أخذنا جائزة نوبل التي تعتبر الأعظم في العالم لتكريم المبدعين كدليل على العلاقة بين الحرية والديموقراطية والابداع ، يتبين لنا أن الأغلبية الساحقة من الذين حصلوا على تلك الجائزة كانوا من الدول الديموقراطية التي تحترم العقل ، والاختلاف في الراي ، وتحمي الحرية الفكرية والمفكرين ، وتشجع الأفكار الابداعية وتدعمها ماديا . ما يتبع يوضح ما سبق ذكره بالأرقام ، أي أنه من بين ال 900 مبدع فان الدول العشرة الأولى في العالم بعددالحاصلين عليها هي : الولايات المتحدة 353، بريطانيا 125،المانيا 105، فرنسا 61، السويد 30، سويسرا 25، اليابان 24، كندا 23، النمسا 21، ايطاليا 20.

 بالقاء نظرة على تلك الارقام ، يتضح لنا أن جميع هذه الدول ديموقراطية ، وأن السويد التي لا يزيد عدد سكانها عن عشرة ملايين قد حصلت على ثلاثين جائزة ، وسويسرا ثمانية ملايين قد حصلت على خمسة وعشرون جائزة ، بينما مصر بعدد سكان يبلغ تسعين مليونان، لم تحصل الا على اربع جوائز، اثنتان منها للسلام أعطيت لأنور السادات ، ومحمد البرادعي ، وواحدة في الآداب حصل عليها نجيب محفوظ ، والأخرى حصل عليها محمد زويل في الكيمياء. أما العالم الاسلامي والبالغ عدد سكانه مليارا ونصف ،أي خمس سكان العالم ، فكان ما حصل عليه 13 جائزة ، 7 منها للسلام أي أن ما حصل عليه العالم الاسلامي بأكمله اقل من نصيب الدنمرك التي يسكنها اقل من ستة ملايين مواطن والتي حصلت على 14 جائزة.

تخيلوا لو أن الدول الديموقراطية والصناعية الكبرى ألأكثر تقدما في عالمنا هذا ، كانت دولا تسلطية ديكتاتورية يحكمها جهلة ولصوص ، وألغت العقول ، وأقصت المبدعين ونفتهم واضطهدتهم كما حدث ويحدث في الوطن العربي ، ما الذي كان يمكن ان يتحقق؟ لو أن ذلك حدث ، لكان العالم ما زال يعيش حياة مشابهة لحياة ما قبل القرون الوسطى بلا صناعة ، ولا زراعة ، وبدون تعليم ، ولكانت الكرة الارضية تشبه ما كانت عليه في القرن السادس الميلادي.

المبدعون جعلوا للحياة قيمة بتجديدها وتطويرها وانسنتها. أصلحوا الزمان والمكان ، وغيروا الانسان بانتاجهم العظيم في العلوم والصناعة والزراعة والفكر، وحاربوا الطغيان والجهل ، وجعلوا حياة الانسان ممتعة ومثمرة وتستحق أن تعاش. لقد غيروا العالم بعقولهم وتضحياتهم ، وأثبتوا بانجازاتهم العظيمة أن البحث العلمي والتفكير الانساني يجب أن لا يقيد بأفكار سياسية ، أو دينية ، وأن الحرية هي أساس التقدم ، والازدهار، والتغيير للأفضل لأن الحرية للعقل كالأسجين لا يستطيع أن يعيش ويبدع وينتج بدونها. شهد العالم الاسلامي خاصة في العصر العباسي تطورات علمية وثقافية هائلة ساهمت مساهمة فعالة في تطويره وأثرت في حياة وثقافات شعوب العالم في ذلك الوقت .

لقد حدث ذلك لأن العباسيين ، وعلى الرغم من خلافاتهم وصراعاتهم على السلطة والمراكز ، اكتشفوا أهمية العلم القصوى في بناء الأمم ، فشجعوا الابداع وأكرموا العلماء وحموهم ، واحترموا حريات الآخرين من أتباع الديانات الأخرى . العباسيون والعالم بأسره لم يعرف الديموقراطية العلمانية في ذلك الوقت، ولا عرف المساواة بين البشركما نعرفها الآن ، لكن العباسيين كانو الأقل ظلما والأكثر انفتاحا وتشجيعا للعلم والعلماء والتغيير الاجتماعي.

انفتاحهم على العالم ، وواقعيتهم في التفاعل والتعامل معه ، أتاحت لهم الفرصة للاستفادة من التراث العلمي والثقافي للشعوب الأخرى ، وشجعت الانسان في دولتهم على المشاركة في الابتكار والبناء ، ومكنتهم من بناء دولة عظيمة امتدت حدودها لتشمل أجزاء مختافة من الكرة الأرضية. لكن هذه الدولة المترامية الأطراف ، بدأت تنهارعندما زادت الصراعات بين حكامهاعلى السلطة ، وعندما قيدت الحريات ، واقفلت باب الاجتهاد ، وحاربت الحرية الفكرية ، وقتلت ونفت العلماء ، وظلمت الناس ، ونهبت ثروات الأمة. ما يحدث اليوم في وطننا العربي من ظلم ، وتخلف ، ودمار نتج وبدون شك عن التسلط وغياب الحرية . الانسان العربي لم يجرب الحرية ، ولم يتذوق قيمها السامية وجمالها طيلة تاريخه .

 لو كان العربي حرا في تفكيره ، وسيدا في وطنه ، لما سمح لوضع غير انساني كهذا أن يوجد . غياب الحرية قتل الارادة الابداعية عند المواطن العربي ، وأذله ، ودفعه الى الاستسلام لجلاديه والقبول بظلمهم له. وكما قال احد الحكماء ( من الصعب جدا أن تحكم شعبا مثقفا ومن السهل جدا أن تحكم شعبا جاهلا) الشعب المثقف يفهم ما يفعله الحاكم ويحاسبه على أخطائه ، أما الشعب الجاهل ، وبسبب تخلفه الثقافي والمعرفي ، لا يستطيع أن يكتشف اخطاء وتجاوزات الحاكم ليحاسبه عليها ، وانه من السهل جدا خداعه وتضليله بالأكاذيب والكلام الأجوف كما يحدث في عالمنا العربي الآن .

 السؤال الذي أود أن اطرحه هنا هو: هل يمكن لشعب كالشعب السويدي أو الشعب السويسري أن يقبل أن يحكمه دكتاتورا أميا جاهلا، وظالما ، ولصا ، وسفاحا من الذين يحكمون الوطن العربي؟؟ ألجواب هو بالتأكيد لا وألف لا ، لأن الانسان السويدي أو السويسري الحر الواعي السعيد الأمين في وطنه ، لا يمكن أن يقبل الظلم والتسلط وسيكون شعاره كما يقول الأمريكيون ( اعطني الحرية أو اعطني الموت) أما العربي فانه للأسف يعيش في عالم لا علاقة له بالحرية كما يفهمها العالم، العالم العربي محاط بأسوار من الجهل ، والقهر ، والفقر، والاضطهاد ، انه يذكرني بحقيقة هي أنه لا يمكن للانسان أن يكون جاهلا وحرا في نفس الوقت.



(473680) 1
All is by design
Arabi
Most of Arab leaders,officials,politicians,religious or not are the true enemies of the Arabs. All is by design
February 4, 2016 5:22 PM


(473682) 2

hamed
one of the serious vices when there are a constructive and serious article , we find ourselves inhibited t collaborate to add something more, or to give another conceptual alternative We are indoctrinated over the negative . supporters/ detractors or underestimate ,Of course it is necessary the freedom . the democratic constitution and the transparency, but this is not sufficient but is needed to reeducate the society to emancipate her from the yoke of the repression and the persecutions to begin to depend over herself and to overcome gthe trivialities and the small talk in which the politician /religious leaders indoctrinate the society ,To use all the means of communication for the reeducation of the society Our honest and committed intellectual have to begin to liberate themselves from their chains and taboos and the one subject , it is necessary the diversification we have thousand of problems not only” the enemy want to divide us “ making the ridiculous without drawing a plan to frustrate his intentions , waiting the divine power to solve our problems
February 4, 2016 6:04 PM


(473693) 3
Thank you
Mohamad
Excellent article. Now who we should blame. ? the people are to be blamed first . they are the ones who accept the humiliations , slavery and the dictatorships. Until the people wake up from their deep sleep nothing will change. more wars, more poverty, more illiteracy,
more slavery, and the list goes on and on.
February 5, 2016 6:50 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز