Arab Times Blogs
د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

الكراهية كالاسيد تحرق الكاره قبل أن تحرق المكروه

الوطن العربي يعاني من جهل ، وامية ، وفقر ثقافي مدقع.97 مليون عربي من حوالي 400 مليون ، أي ربع عدد سكان وطننا ، أميون لا يستطيع الواحد منهم كتابة اسمه. ماذا نتوقع من انسان امي أن يفعل في هذا العالم الحديث الذي هزت أركانه العلوم والتكنولوجيا المتطورة ، واصبح بامكان كل فرد يملك تليفونا ذكيا ان يقوم بدور مراسل صحفي ، ومصور، ومنتج أفلام قصيرة يبعث الأخبار التي يجمعها ، والصور التي يلتقطها ، والفيديوات التي ينتجها الى أي زاوية من زوايا العالم خلال ثوان. التقنية الحديثة هذه فتحت آفاقا لا حدود لها للتواصل والتفاعل بين شعوب وثقافات العالم ، وأوجدت حقائق علمية وفكرية تفرض نفسها على الوجود الانساني الجمعي ، وتأثر تأثيرا مباشرا على انسان العالم وقيمه ، وثقافاته ، ومعتقداته ، واسلوب حياته.

 بالاضافة الى الأميين ، فان الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء في الوطن العربي شبه اميين حيث ان تعليمهم يتراوح بين المرحلتين الابتدائية والمتوسطة ، وهذا المستوى التعليمي المتدني لا يمكن انسان القرن الحادي والعشرين من الانتفاع كثيرا من تقنية الاتصالات الحديثه والحاسوب التي تمكنه من التفاعل مع العالم والاستفادة من ثقافاته وعلومه. أما الشريحة التي تعتبر اكثر حظا في المجتمع العربي فهي شريحة حملة الشهادات الجامعية.

 ولكن يمكن القول وبكل أسف أن معظم هؤلاء متعلمون بلا ثقافة عامة تمكنهم من معرفة الشيء وضده. انهم أميون ثقافيا. الثقافة في تعليمهم الجامعي كانت مغيبة ، والتفكير النقدي محرما وأن كل واحد منهم تتلمذ على كتب المناهج الدراسية الغثة المحشوة بالأكاذيب والمشوهة للحقائق الفكرية والعلمية ، وأنه لم يقرا في حياته رواية جيدة أو كتابا في فرع من فروع المعرفة ، أو حتى مقالا جادا في مجلة ثقافية أو علمية متخصصة. ثقافتنا العربية المتخلفة قائمة على النقل وليس على اعمال العقل.

 ولهذا فان الأمي ، وشبه الأمي ، والجامعي اكتسب معرفته من النقل عن الآخرين ، ومن القصص المدونة أو المتداولة اجتماعيا ، والمنقولة من جيل الى جيل التي تمجد تاريخنا وتتجاهل الجانب المظلم منه ، وتزودنا بمعلومات عن الدين ، وعن الخير والشر ، والحياة والموت ، والطاعة والعصيان ، والعادات والتقاليد ، والجنة والنار أو أي شي له علاقة بالمجموعة البشرية التي نعيش معها... تاريخ أي شعب وتراثه الثقافي والحضاري فيه ما يكفيه من حقائق واكاذيب ، ومن انتصارات وهزائم ، ومن ظلم وعدل ، وفي ذلك "مفيش حد احسن من حد"... هذا التخلف المعرفي والثقافي التراكمي اوجد المشكلة الكارثية التي نعاني منها الآن: وهي مشكلة الحقد والكراهية التي اصبحت العدو الأول لمجتمعاتنا.

 لقد انتشرت هذه الكراهية بأبعادها الدينية ، أو السياسية ، أو الأثنية ، أو القبلية بين مكونات مجتمعاتنا لأننا لا نفهم لغة الحوار واهميته ، ولا نثمن قيمة المشاركة البناءة فيه بعقول منفتحه تحترم انسانية الانسان الآخر وعقله ، ودينه ، وقناعاته السياسية والفكرية.اننا نستهتر بمن لا يوافقنا الراي فنقصيه ونحتقره ، ونكرهه ونبطش به اذا امكننا ذلك.اننا لا نفهم معنى المواطنة والولاء للوطن. الوطن هو بيت الجميع وسيد الجميع وليس ملكا لعصابات سياسية ، أو دينية ، أو قبلية كما اصبح الحال الآن. عندما كنا نحترم الوطن ، ونعتبره وطن الجميع ، ونحلم بوحدته وازدهاره ، كانت مشاعرنا واحدة ، واحلامنا واحدة ، وكانت حمايته من الأعداء قناعة مجتمعية ، وكنا جميعا وبغض النظرعن دياناتنا المختلفة ، مستعدون للتضية والموت من اجله ، ففي عام1916 ، أعدم السفاح جمال باشا التركي 21 شخصيه من المسيحيين والمسلمين الذين كانوا يناضلون معا من اجل كرامة الوطن واستقلاله في ساحة المرجة في دمشق ، وساحة البرج في بيروت. وفي عام 1956 كان المسيحي السوري جول جمال اول شهيد عربي انتحاري يفجر نفسه دفاعا عن مصر وشعبها خلال العدوان الثلاثي.

 دفع اولئك الأبطال ارواحهم ثمنا لمستقبل الوطن الواحد ودفاعا عن الأمة العربية كلها. في ذالك الزمن الجميل كانت القاهرة ، ودمشق ، وبغداد ، وبيروت مراكز للاشعاع الفكري المستنير المبشر بمستقبل عربي افضل. أنظروا الى الوضع الذي نحن فيه الآن: السني ، والشيعي ، والمسيحي ، والدرزي ، و مئات الشيع ، والقبائل ، والمنظمات ، والأحزاب تتحكم بنا وكل تمترس دفاعا عن قبيلته ، وتقوقع على نفسه ، واصبح لا يثق في الاخر بل يكرهه لكونه يختلف عنه. ماتت فكرة الوطن الواحد ، وحلت مكانها افكار الدعوة الى الانقسام والشرذمة.اشتعلت الحروب العربية الطاحنة بين دول القبائل ، وقتل مئآت الألوف من الأبرياء ، واصبح الوطن الذي كان من الممكن ان يكون واحدا ، اوطانا قبائلية لا احد يعلم كم سيكون عددها في المستقبل القريب. مجتمعنا لم يعرف هذا النوع من الكراهية قبل ان زادت العمائم وتحالفت مع الطغاة من شيوخ القبائل العربية ، واصبح هذا الثنائي يتحكم بالقرار السياسي ، والديني ، ويفتي كما يشاء ، ويكفر من يشاء ، دون ان يقف في وجهه أحد.

 تحكم هؤلاء بصناعة القرار ، فخلط الأوراق ، واضعف دور المثقفين العرب ومحاولاتهم لخلق آفاق فكرية ملائمة تضعنا على خارطة الأنسان الواعي ، المتحضر ، والعامل من اجل الخير العام. الأديان وبالرغم من تناقضاتها ، تدعوا الى نبذ الكراهية على الأقل بين اتباعها.أما التجربة الانسانية فانها تقول ان الحقد لا ينصر قضية وان القضاياالعادلة هي التي ستنتصر.

  رجال الدين الجهلة الذين لا علاقة لهم بالعلماء الأجلاء ، هيمنوا على الفضائيات والكثير من وسائل الاعلان(الاعلام) ، ليبثوا سمومهم باسم الدين وجعلوا الأمة أمم متقاتلة ، فاصبح الكل يكره الكل ، وغاب العقل ، وساد الجهل ، وعم القتل ، ومزقت الوطان ، واصبح العربي تائها في دنيا الله بلا امل وبلا مستقبل.

 وضعنا الحالي اكثر سوأ من وضع أوروبا في القرون الوسطى عندما كانت الكنيسة تتحكم بكل شىء ، وعاثت في الأرض فسادا حتى ثار الانسان الأوروبي ضدها وجردها من سلطاتها الدنيوية ، والزمها على حصر مهامها في الشؤون الدينية والروحية. هل سيأتي اليوم الذي سيظهر فيه صناع تاريخ عرب عظماء من امثال مارتن لوثر ، ومايكل انجلو ، وجاليليو ، وديفد هيوم ، وجان جاك روسو وغيرهم من صناع التاريخ الاوروبي ليساعدونا على التخلص من أباطرة الطبقة الدينية ، الذين باعوا انفسهم للسلطان ومتع الدنيا ، فامعنوا في الكذب والنفاق لخداع البسطاء واستغلالهم. هؤلاء المخادعون من رجال الدين واسيادهم الطغاة ، هم الذين زرعوا ، ورعوا ، ومولوا الحقد الذي يعصف بالمجتمع العربي ، ويشتته ، ويمزق نسيجه الاجتماعي الآن. لقد جندوا الملايين من اشباه الأميين اللذين لا يعرفون عن العالم شيئا ليلقوا خطب الجمعة المكرره في محتواها والتي لا علاقة لها بمشاكل الانسان الحاليه ، وليعظوا العامة ويفقهوهم في امور الدين التي لا يعرف المفقهون عنها شيئا وفي هذا الجهل يتساوى المفقه والمراد تفقيهه. لقد نجح هؤلاء في ارجاعنا الى عصر من الظلام الدامس ، والشك ، والتكفير ، والتخلف الحضاري لا يمكن السكوت عنه ويجب علينا مقاومته بقوة.

 علينا كمسلمين ، ومسيحيين ، وعلمانيين وكل الآخريين ان نتحد ضد هؤلاء لايقاف موجة الكراهيه التي يعاني منها مجتمعنا ، ولكي نعيد الديانات التي خطفوها منا الى سموها ، وجمالها ، وتسامحها ، وانسانيتها ، واهدافها الروحانيه التي تمد جسور الاخوة بين البشر ، وتقرب الانسان من خالقه بالطريقة التي يختارها الانسان دون حاجة الى مواعظ وارشادات مشوهة تلوث كل ما هو انساني وجميل.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز