Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

بغداد الثقافة والجمال الغائب ج7 قاعة الحصريّ في كلية الآداب / جامعة بغداد

شهدت قاعة الحصري في كلية الآداب منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي نشاطا ادبيا ملحوظا فكانت محطّ كبار الشعراء العرب والعراقيين وملتقى النقّاد والكتّاب العرب المتميزين اضافة الى كونها منصّة ثقافية لمناقشة الكثير من اطروحات طلبة الماجستير والدكتوراه ورسائلهم وبحوثهم وإقامة المهرجانات الشعرية والندوات الثريّة التي امتدت اصداؤها الى كافة أقسام جامعة بغداد والجامعة المستنصرية فكانت حشود المثقفين تتوالى من كل حدب وصوب للإصغاء الى مايقدّمه الشعراء من قصائد تبهر الاسماع وتطرب القلوب والاستماع الى مناقشات رسائل الدراسات العليا والاستفادة من طروحات الاساتذة المناقشين ووجهات نظر الطالب بشأن الملحوظات التي يطرحها الاساتذة المناقشون لإثراء عقولهم وتنمية مهارات الطلبة والمستمعين وفتح آفاق فكرهم وتعلّم اساليب المناقشة والتنظير عندما يتمّ التحاور بين اللجان المشرفة وطالب الدراسات العليا والحق انه يصعب جدا حصر كل نشاطات قاعة الحصري بهذه المقالة القصيرة ولكني سأورد بعضا منها والتي كنتُ حاضرا معظم مهرجاناتها الادبية ومحاضرات الاساتذة الاجلاّء مذ كنت طالبا اتابع معظم مايدور فيها بعد ان تمّ قبولي في قسم اللغة العربية العام 69-70 من القرن الماضي فقد اعتادت عمادة كلية الآداب سنويا ان تقيم مهرجانا شعريا يشارك فيه خيرة شعراء الكلية من خلال لجنة تضم اساتذة كبارا مهمتهم انتقاء القصائد المتميزة لإلقائها امام آلاف المدعوين من الساسة الكبار في الدولة والأساتذة ومحبّي الشعر الذين احتشدوا في القاعة الكبيرة ومنهم من يبقى واقفا بسبب الزحام الشديد وكثرة المدعوين 

 وأتذكر انه في سنة /1971 نشرت صحيفة الثورة البغدادية مقالا استفزازياً مثيرا بعنوان (الادب يحتضر في كلية الآداب ) وفيه يعرض الكاتب الذي لايحضرني اسمه خفوتَ اصوات الشعراء في ذلك الصرح الثقافي الكبير الذي انجب السياب والبياتي ونازك الملائكة روّاد الشعر الحديث خريجي دار المعلمين العالية ومابعد الروّاد خريجي الآداب وردّا على ذلك المقال المجحف فقد أعدت كلية الآداب العدّة لتنظيم المهرجان الشعري واختارت من عيون الشعراء لكي يلقوا قصائدهم امام نخبة من متذوقي الشعر والاساتذة الكبار ودعت ايضا القيادي البارز في الدولة آنذاك صالح مهدي عمّاش للحضور حيث كان هو الاخر شاعرا يشار اليه بالبنان من قبل السلطة ، وكان من جملة الطلبة الشعراء المشاركين الشاعر حسن المرواني في قصيدته الغزلية المشهورة /أنا وليلى والتي أثارت جدلا طويلا في حينها وادّعى الكثيرون نسْبتها اليهم جزافا وإدّعاءً حتى الوقت الحاضر لكني اؤكد جازماً ان هذه القصيدة كتبها الاستاذ حسن المرواني بأنامله الشعرية اثر صدمة عاطفية ألمّت به وعلاقة حبّ غير متوازنة بسبب الفروقات الطبقية ، اذ كنت شاهدَ عيان في مرابع الآداب ونعرف كل شاردة وواردة يتعرض لها زملاؤنا الشعراء وأقول جازما أن المرواني كان ومايزال شاعرا بارعا نتودد اليه رغم انطوائيته وحبّه للعزلة وقليلا ما كان ينضمّ الى الشّلّة واعترف انه كان مقلّا جدا في كتابة قصائدهِ وهذا القليل الذي يكتبه لايقلل من شاعريته البائنة الراسخة اذ حصلت قصيدته /انا وليلى على الجائزة الاولى وأهداه عماش بدلة رجالية أنيقة تثمينا وإكراما له مع مجموعة من الاقلام نوع باركر الثمينة ولم أشأ ان اذكر بعضا من ابياتها فالقصيدة مشهورة جدا والجميع يحفظ منها الكثير من مقاطعها الآسرة الجمال اضافة الى انها مغناة من قبل مبدعنا المطرب كاظم الساهر مثلما يحفظها أدعياء الشعر الذين نسبوها لأنفسهم ميْناً وزلفى 

 كما شارك زميله الشاعر عبد الإله الياسري في قصيدته الاحتجاجية الجريئة / قافلة الاحزان وفيها من التعريض والنقد الواضح للدولة وقوبلت بتصفيق حاد من قبل الجمهور الحاضر وأثارت الكثير من الهياج والحماس مما أزعج ممثل الحكومة السيد عماش قليلا لكنه أثنى على بناء القصيدة وصياغتها وأهدى للياسري قلم باركر / 51 تقديرا له وقد نالت هذه القصيدة الجائزة الثانية بالرغم من غضب الدكتور محمود غناوي الزهيري/ عميد الكلية وقتذاك والذي صعد الى المنصة وحاول تهدئة الموقف الصاخب اذ كال الاتهام الى الشاعر الياسري واعتبره مدفوعا من البعض ذوي الافكار اليسارية وماقاله في قصيدته لايعتدّ به في إشارة الى مواقف قسم من الطلبة الشيوعيين الذين حثّوا الشاعر ودفعوه الى ان يقول ابياتا استفزازية تحريضية وأتذكر بعض أبياتها التي مازالت راسخة في خاطري :

خذي الحزنَ من عينيَّ يقصصْ حكايتي
وينبئْك كيف الريحُ ألوتْ بأعلامي هـبيــني رصــيفــاً تــستــكــنّ حـقائبــي
عليه فـقد ماتــت من السير أقـدامي أنـا القــريـةُ الخــضـراءُ قــحـْطٌ أذلّـنـي
فأطفأتُ فانوسي وأخـفيتُ إكرامي فـذي دجـلةٌ عـطشى وتـلك حــدائــقـي
تجفّ وغصني يلتوي وردُهُ الظامي أنـا قــصةُ الجــوعِ العــراقيّ أخـتـبـي
بضحكــتيَ البـلهاء أقــتاتُ أسـقامـي أنا المُغرمُ الهيـمانُ شعبـي حبيبتي

وأنــفاسُـهُ لـحـنـي وعــيـنـاهُ إلـهـامـي أتذكر ايضا في العام /1971 ألقى الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري قصيدته الشهيرة التي رثى فيها الشهيد المناضل الماركسي السوداني عبد الخالق محجوب الذي تمّ اعدامه من قبل جعفر النميري /رئيس جمهورية السودان وقتذاك بتاريخ 28/يوليو/1971 في محكمة صورية اثر فشل الانتفاضة اليسارية التي قادها " هاشم العطا " ورفاقه اليساريون في الجيش السوداني والتي نجحت اول الامر واستلمت السلطة لمدة ثلاثة ايام فقط لكن نظام القذافي وبعض القوى المعادية لليسار العربي انتصر للنميري وسانده بالطائرات والقوات وأعاد نظام النميري للسلطة وتم على اثرها اعدام خيرة الضباط والمفكرين اليساريين الذين ساهموا في الانتفاضة فكان الفيتوري ببراعة إلقائه وانفعاله وبروز تقاطيع وجهه وجحوظ عينيه قد سلب ألباب الحاضرين وانْشَدّت مسامعهم اليه وهو يقول على لسان محجوب : لاتحفروا لي قبرا سأرقدُ في كل شبرٍ من الارضِ أرقدُ كالماء في جسد النيلِ أرقدُ كالشمس فوق حقول بلادي مثلي انا ليس يسكن قبرا قتلوني وأنكرني قاتلي وهو يلتفّ بردان في كفني وأنا مَن ؟ سوى رجلٍ واقفٍ خارج الزمنِ كلما زيّفوا بطلا قلت : قلبي على وطني بعدها ألقى الشاعر العراقي خلدون جاويد قصيدته النونية الطويلة في رثاء الانتفاضة السودانية ايضا ولكنه عرج على هموم العراق وتمجيد بلاده مشيرا الى مدينة الناصرية التي كانت اول بذرة زرعها (فهد ) في روضة الحزب الشيوعي العراقي ومازلت أتذكر بعض ابياتها الذي أشعل الجمهور حماسا وهو يقول :

وإن ماتـت السودانُ يوما تعشْ على
يديْ ألفِ محجوبٍ غداً ألف سودانِ وحقك لامحجوب قـد شـدّ صهوتـي
ولا نهضت خيلي ولا هبّ فرسانـي ولا فــهـــد الجـبـار هــدّم نـــقـــرةً.
.يـسمـونها بـالأمـسِ نــقرة سلــمــان وان صاح ظهري فاجلديه وعذّبي
.كـمـا يجـلد السلـطان ابـنـاء أوطانـي وشعبي ومهـما دوّسـت عـجـلاتـه
على جثـتـي يمطرْه بالقـمح خذلاني بـلالٌ انا وحــلُ الفــراتيـن قبْـلتي
.وبـعض تـراب الـناصريــةِ قــرْآنـي رغيفاً خذي وجهي وغصنا وجَرّةً
.بـها نثْـنـثي مـاءً على كـلّ عـطشانِ

وفي أواخر الستينات من القرن المنصرم كان التنافس الشعريّ على أشده بين شعراء الآداب ( التربية الملغاة كما سميت وقتذاك ) ومازلت أتذكر السباق نحو الاولوية بين الشعراء يقضّ مضاجع زملائنا ويخطر ببالي التنافس الحميم بين الشاعرين نبيل ياسين وشوقي عبد الامير وبعض الشعراء الآخرين لكن احتدام المنافسة بين الاثنين وصل الى حدّ التحدّي ، فقد اعتلى نبيل ياسين المنصّة بوسامتهِ الظاهرة وطولهِ الفارع وشَعرهِ الناعم الطويل الذي يصل كتفيهِ وقرأ قصيدته المسماة " مراثي الاحزان " التي كانت عصماء حقا ؛ وأدرجُ هنا قسما من ابياتها الرصينة السبك مبنى ومعنى وهي من مجموعته الشعرية الاولى " البكاء على مسلّة الاحزان " :

تباركتُ من عينيك في كلّ احزاني
وأودعتُ في كفّيك أسفار أشجاني وجئـتــكِ يانــوّار أحمــل جــثــتي
.بلوحٍ من الاحزان في ليل هجراني أتـيتـك والايــام تــنكـر خطــوتي 
ويهجرني في الليل صحبي وخلاّني أنا راحلٌ ، رمل الصحارى يضمّني
ونسرُ الهـموم السود يقتات أجفـاني سأغمد في صدر السنين أصابعي
.وأغرز في ارض المخاوف عنواني

  أما قصيدة الشاعر شوقي عبد الامير فقد بحثتُ عنها أمَداً طويلا غير اني لم أجدها حتى انني اتصلت به لعله يسعفني بها أو ببعض ابياتها التي صفّقنا لها كثيرا حينذاك وتبيّن انه هو الآخر نسيها ولم يحفظ منها شيئا كما أخبرني هو بنفسه مع انها حظيت بالمرتبة الاولى في مهرجان قاعة الحصريّ مناصفةً مع الشاعر نبيل ياسين واهديتْ لهما هدية هي عبارة عن قلَمي حبر باركر /51 وبعيدا عن الشعر وهيجانه الثوري لابد لي ان اذكر من طرائف ماحدث في قاعة الحصري ؛ ان كلية الآداب قد وجهّت دعوة في العام /1972 للناقد المصريّ الكبير محمد النويهي استاذ النقد الادبي في جامعة القاهرة لإلقاء محاضرات نقدية اتذكر منها محاضرة هامة ترددَ صداها بين الطلبة والاساتذة والمهتمين بالادب ، كانت المحاضرة تُعنى بمسألة "الايقاع في الشعر الجاهلي وتأثيره على نفسية ودواخل الشاعر " حيث اعتلى النويهي منصّة القاعة وبدأ بمقدمة ممتعة أثارت كل من كان في القاعة المكتظة بالسامعين واستشهد ضمن حديثهِ الشيّق ببيت اعشى قيس الشهير وهو يتمايلُ سُكْرا :

  وقد أمرّ على الحانوت يتبعني .......شاوٍ شلولٌ مشِلٌ شلشلٌ شوِلُ ولكي يضفي التجسيد الحيّ ويقنع المتلقي ويخلب ألبابه ويشدّ انتباهه اليه وقف على خشبة المنصّة وهو يتمايل كالسكران فاقدا توازنَه ويميل يمنة ويسرة متمثِّلا صورة الاعشى الشاعر المخمور الذي دبّت الخمرة في أوصاله وهو يدندن : شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شوِلُ .....حتى وقع استاذنا النويهيّ على ارضية الخشبة مغشيّا عليه -- أو هكذا خُيّل الينا -- فسارعنا انا ومجموعة من الطلبة لإنهاضه ورفعه وإعادته الى كرسيّه لكنه نَهَرَنا وواصل قراءة نماذج اخرى ، وايقنّا نحن الحاضرين انه أراد توصيل فكرته من خلال تقمّص شخصية الشاعر الذي لعبت الخمرة في عقله وجسده فكان هذا الناقد البارع ساحرا بحقّ وهو يوصل المعنى الى سامعيه حتى لو تعرّض بدنه الى الأذى ومن المفارقات التي لايمكنني نسيانها فقد تناهى الى اسماعنا ان نزار قباني /شاعر الغزل الجميل سيحلّ ضيفا على بغداد وسيقوم بإلقاء قصائده في قاعة الحصري وتأهب العشاق لترقّب ساعة وصوله للاستمتاع بحلاوة شعره وشاع الخبر بين صفوف محبّي الشعر في كل كليات ومعاهد جامعة بغداد وفعلا حضر شاعرنا الكبير متأبطا حقيبته الملأى بقصائده وبدأت الجموع تتسارع نحو كلية الآداب لحجز مقاعدها في قاعة الحصريّ وسط الزحام الشديد وما أن بدأ الشاعر بالظهور وقبل ان يلقي ايّ حرف من قريضه الآسر حتى علا التصفيق ترحيبا وتهليلا ، وبعد فترة قصيرة ساد الهدوء ترقّباً لما سيقول ونحن كلنا نعرف ان نزاراً اذا قال الشعرَ غنّاه ترنّماً بإلقائه الساحر وظهر نزار واقفا حزينا ، وكم كانت المفاجأة صادمة حين بدأ بقراءة بعضٍ من قصائد ديوانه " هوامش على دفتر النكسة " مذكّرا ايانا بأيام 5/ حزيران الكالحة ونكسة الفشل في الحرب وهو يعرّي حكامنا وشعوبنا بمأساتهم وخساراتهم وشجونهم وكأنه يحمل سوط الشعر ليجلد به ظهورنا ويظهر عيوبنا وانتكاساتنا ولم يجرؤ كل هذا الحشد الجالس والواقف ان يطلب منه شيئا من غزلياته فقد صدمتنا قصائده الموجعة التي لم نعتد عليها منه وما ان انتهت القراءات الشعرية عدنا محملين بخيبة بانت على وجوهنا بوضوح ولاسيما العشاق الذين كانوا يأملون من نزار ان يسعدهم بقصائده الغزلية الجميلة ويطير بهم الى مدن الاحلام والعشق حتى اخذ بعضنا يردد شطر بيت المتنبي بعد تحويرهِ : تجري الرياح بما لايشتهي الغزلُ هكذا تركَنا شاعر الياسمين الدمشقيّ حزانى مهمومين وخرج منسلاّ بين الحشد الهائل دون ان يلوّح بيديه مودّعا


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز