Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

بغداد الثقافة والجمال الغائب ج6 صناعة الموسيقى والالحان في تسجيلات جقماقجي
حين عزمت على كتابة انطباعاتي عن المراكز والمعالم الثقافية والفنية الغائبة في بغداد والتي كانت زادنا الروحي وضرعنا الذي ننهل منه الجمال والابداع ؛ قررت مع نفسي ان ازور ماتبقّى من أثَر لها وأمرّ على اماكنها وربما اطلالها واكتب عنها ما يختلج في نفسي وأتذكر ايام الفتوّة والصبا وملاعب الشباب الباحث عن المعرفة والفن الراقي . لااخفيكم انني بكيت بكاءً مرّا عندما وقفت على طلل محلات چقماقچي المنزوي في اخر شارع الرشيد وعلى بعد بضع خطوات من مدخل شارع ابي نؤاس ، تطلّعت من خلال الزجاج الامامي للمبنى الذي كان غائما بسبب التراب ومغلقا بمشابك حديدية لكني استطعت ان ارى بوضوح آلة الكرامافون الرابضة على احد المناضد وقد علاها الغبار الكثيف ويبدو ان لا احد قد همّ بفتح المكان منذ عدة سنوات بسبب الصدأ المتراكم على الاقفال والأتربة والأوساخ التي طغت على الاجهزة المتبقية في المحل والتي لم تمتدّ اليها ايدي العناية منذ امدٍ طويل جدا لكنني اصررت على طبع قُبلة على ضريح تلك الموسيقى والغناء الذي أطربنا وأسعدنا يوما ما ، وكانت قبلتي من وراء زجاج المبنى غير انها لامست كل مشاعري وحرّكت كل شجوني واعادتني الى بيتنا القديم وطاولة ابي الذي وضع كرامافونه تماما كالذي اراه الان وانا اتطلع الى مثوى چقماقچي وقبره المنسي وتساءلتُ مع نفسي ؛ ما الذي تفعله اسطوانة چقماقچي امام القفزة الهائلة في عالم التسجيلات بدءاً من الكاسيت الى البلوتوث مرورا باقراص السي دي سوى ان تقبر نفسها منزويةً في اخر شارع الرشيد وتتطلع الى مياه دجلة باكية ناحبة ، وقد عافها مريدوها الاوائل وصارت نسيا منسيا ؟؟ وللحديث عن تأريخ شركة چقماقچي نذكر ان بداية تأسيسها كانت العام/1918 ولكنها لم تكن تتخصص بالفن والموسيقى والغناء اول الامر ؛ انما كانت تقوم باستيراد بعض المواد التي لها علاقة بالغناء والموسيقى وبيع اسطوانات شركة "بيضافون "الشمعية في اول الامر والتي صنعها العالم الالماني "برلينر "في العام /1888 ويطلق عليها اسم " الفونوغراف " وهي في الاصل من مبتكرات توماس اديسون وملحقاتها من الإبر المدببة التي توضع على سطح الاسطوانة لتصدر صوتا ولحنا شجيّا وهذه الابر يتم تبديلها بين حين واخر كلما امّحى وتلف رأسها المدبب لئلا يأتي اللحن الى المسامع ناشزا ولم يتمّ القيام بعمليات التسجيل التي برعت بها الشركة إلاّ لاحقاً ثمّ تطورت وقامت ببيع الحاكي ( الكرامافون ) الذي يعمل بواسطة تدويره باليد لكي يواصل الكلام او الغناء مما نسميه في العراق بلهجتنا الدارجة " التكويك " ومن ثمّ عملت على بيع اجزاء اخرى من الاجهزة الكهربائية البسيطة التي وصلت العراق في اول عهده بالكهرباء كما قامت باستيراد الاسطوانات التي توضع وتركّب على الحاكي وعلى نطاق واسع والتي بدأ الغرب يصنعها من الحجَر وهو الابتكار الاول في عالم صناعة الاسطوانات حيث الحجر الاصمّ الصلد يتفتق ويصدر الحانا عذبة وشجية ترخي الاعصاب وتبعث السعادة والهناء والاسترخاء والخدَر في النفوس فلا عجب ان جذوة الجمال وحرارة الشدو يُصهر حتى الصوان ويجعله يقطر عذوبة واغانيَ شجية مثلما فطرَ قلب مالك الشركة الحاج فتحي چقماقچي وجعلَه يعشق الغناء والوتَر الساحر وهو الذي كان قد تمرّس بإصلاح وصيانة الاسلحة القاتلة الفتّاكة يوم كان يعمل في الجيش العثماني ويقوم بإدامة وصيانة البنادق والمدافع والمسدسات البدائية الصنع فهذا المنعطف الغريب في حياته نحو مواطن الوتَر السحري والجمال جعله يستثمر ماعنده من مال ليتجه الى صناعة الموسيقى وبثّ الغناء والشدو وترك ادوات القتل والدمار والموت ليعيد الى الناس الحياة والبهجة والمسرات ، كيف لا وهو ابن الموصل الحدباء ومن منبت ابراهيم الموصلي ومحتد عثمان الموصلّي عبقريا الغناء والالحان الخالدة وصاحبنا فتحي چقماقچي هذا شدّ رحاله الى بغداد مع اسرته ليعيد اليها شيئا من العصر الذهبي يوم كان زرياب يصدح مع مغنيات عصرِ بني العباس ويملأ الاركان غناءً يلهب الروح ويرعش البدن وسرعان ماذاع صيته واقبل الناس على شراء اسطواناته وعمل على تأسيس استوديو خاص به في منطقة " البتاويين " وكان هذا الاستوديو اكثر سعة وتقنية من الاستوديو الصغير الذي أنشأه اول الامر في ( عقد النصارى ) وتم استئجاره بالتعاون مع احد مهندسي الصوت العاملين في دار الاذاعة العراقية وهو السيد ناجي صالح وبصحبتهما الموسيقار المبدع جميل بشير بعد ان فتح محلا صغيرا في منطقة الحيدرخانة في العام/ 1948 ويجذب اكثر المطربين ويسجّل اغانيهم باسطواناته التي كانت تباع بكميات كبيرة . ومن ذلك الاستوديو صدح صوت مطربي بغداد مثل محمد القبانچي ورشيد القندرچي وسليمة مراد وزكية جورج ومنيرة الهوزْوز وانصاف منير ورضا علي وناظم الغزالي وغيرهم الكثير مما يصعب حصرهم كما سجّل اغاني مطربي الريف العراقي امثال داخل حسن ومسعود العمارتلي وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم ولميعة توفيق ووحيدة خليل وزهور حسين ومطربَي المقام العراقيّ فلفل كرجي وصالح الكويتي بالرغم من ان العراق كان سبّاقا للكثير من الدول العربية وغير العربية في التأسيس المبكر لدار الاذاعة اللاسلكية وانتشار موجات الراديو وسماعها في اكثر بقاع بلاد الرافدين حتى البعيدة منها والذي كان لايخلو من نشر العديد من الاغاني والموسيقى الى السامعين في اوقات متفرقة بالاضافة الى الاخبار والتمثيليات الاذاعية والنشاطات الاخرى لكنه لم يكن بديلا ومنافسا لشركة چقماقچي وعجز عن تحويل انظار الناس عنها بل كان شريكا وفيّا لها في تغذية ارواح السامعين وفتح آفاق عقولهم وتنويرهم وإمتاعهم بالالحان الشجيّة لم يكتفِ العمّ فتحي بجمع مطربي العراق ونشر ابداعاتهم الغنائية وكان ولداه نجم الدين وعبد الله هما جناحاه الطائران الى القاهرة وبيروت ودمشق وحلب بين حين واخر ليجلبا احدث الاسطوانات لأشهر المطربين من مصر وسوريا ولبنان والتي كانت تلك الاسطوانات الحجرية تطبع في اليونان وبعض دول اوروبا بعد ان يتم تسجيل الاصوات في استوديوهات تلك المدن اولا ثم ترسل الى الخارج لأجل طبعها . وأتذكر ابي يوم كان يقصد مبنى الشركة في بغداد وبحوزته اسطوانات سيّد درويش ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم وبديعة مصابني وفريد الاطرش واسمهان وعبد الغني السيد ومحمد عبد المطلب ووديع الصافي وحليم الرومي مع تلاحين الاخوين رحباني المجددين لروح الغناء العربي وقتذاك ، ليس هذا فحسب بل اهتمت شركة چقماقچي بتسجيل اصوات خيرة المنشدين وقرّاء القرآن الكريم والموشحات ويندر جدا ان يخيب سعيك حينما تطلب اسطوانة منه ولو كانت للمطربين قليلي الشهرة حتى ان دار الاذاعة العراقية كثيرا ما كانت تستعين بها حينما لم تجد في ارشيفها - رغم سعته – عند تقديم بعض برامجها الغنائية كما كانت مرجعا لطلبة المعاهد الموسيقية كمعهد الدراسات النغمية اذ كان خزينها الموسيقي هائلا وتحتفظ بأكثر وأنفس التسجيلات غير المتداولة وقد شهدت تسجيلات چقماقچي تطوّرا ملفتا للانظار بعد ان آلت ادارتها الى السيد سمير الحفيد الوفيّ للجد فتحي بسبب تعلّقه بالموسيقى الغربية وبالاخص الكلاسيكية منها الى جانب الموسيقى الشرقية والعربية على الاخصّ ، ففي السبعينات والثمانينات بدأنا نسمع السيمفونيات الباهرة للعمالقة باخ وبيتهوفن وهايدن وچايكوفسكي وأخذتنا السوناتات الى عالم آخر لم نألفه من قبل ولم تعتدْ عليها اسماعنا فصرنا نهيم ببحيرة البجع وشهرزاد الف ليلة وليلة وحلاّق اشبيلية ومعظم سيمفونيات صانعي الموسيقى الغربية بعد شيوع عالم الكاسيت الصغير وانتشار اجهزة التسجيل حيث واكبت هذه التطورات في اتساع الثقافة الموسيقية ولم تعد تقتصر على النخبة وكانت شركة چقماقچي في الصدارة لمواكبة تلك القفزات السريعة في نشر الابداع الموسيقي على اوسع نطاق ونظرا لاهمية هذا الصرح الفني الذي حفظ الكثير من الكنوز الغنائية منذ تأسيسها المبكر فقد عرضت الحكومة الكويتية اواسط السبعينات شراءها وقدّمت مبالغ مغرية للغاية للسيد سمير چقماقچي لكنه رفض هذا العرض وفضّل عدم اضاعة تلك الثروة الموسيقية الهائلة باعتبارها إرثا حضاريا موسيقيا يخصّ العراق عموما وعائلة چقماقچي بالأخصّ وفي اواسط التسعينات من القرن الماضي بدأ النزع الاخير يدبّ في اوصالها ولم تعد تقف على قدميها امام السيل العارم من دكاكين الموسيقى واتساع ثورة الكاسيت بغثّها وسمينها فتمّ اغلاقها وتصفيتها . والحق انها كانت بمقدورها ان تستمرّ وتواصل عطاءها لولا الاهمال المتعمد من لدن القائمين على حفظ التراث الموسيقي العراقي الاصيل بمقاماته والذي أرسى اسس الموسيقى العربية وتعلّم منها كبار موسيقيي العرب والموسيقى الشرقية عموما اجل سفحت دمعة حرّى يوم زرت اطلال شركة چقماقچي وانا اقوم بإعداد هذه المقالة وبكيت قبلها أيضا يوم احتلت بلادي العام/2003 ونهبت آثارها ولا اعلم هل سأبكي ثالثة على اثَرٍ عزيز ضائع في مقبل الايام في هذا الزمن الوغد العاثر ، من يدري !!؟...... للحديث صلة


(450265) 1
بغداد الثقافة والجمال الغائب ج6 صناعة الموسيقى والالحان في تسجيلات جقماقجي
طارق حسين
لقد ادميت قلبنا وابكيتنا معك ايضاً ... انها فعلا كانت ايام الزمن الجميل، كان جسمنا يرتعش عند سماعنا الموسيقى والاغاني التي يجلبها جقماقجي، واصبح الان يرتعش عند سماعنا لاسم داعش، وشتان ما بين الرعشتين .... تحياتي
November 4, 2014 4:34 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز