Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

بغداد الثقافة والجمال الغائب/ ج5 إحياء مسرح بغداد وفرقة المسرح الفني الحديث

يكاد يجمع اغلب المهتمين بالثقافة والفن بان المسرح يعدّ من اهم الفنون رقيّا وسموّا والتصاقا بالمجتمعات فمن يملك مسرحا متطورا يملك شعبا واعيا مثقفا مدركا لحقوقه وواجباته ويعرف مسار تقدمه الصحيح والسليم ... لنعد الى تاريخ الفنّ قليلا ونرى كيف ازدهر الفكر الاغريقي واتسع عقل الانسان وحلّق بعيدا في ميادين الفلسفة والرياضيات والآداب والعلوم البحتة والطبّ ، كل هذا النموّ المذهل يكمن في ان احد اسباب صعوده هو المسرح الذي كان احد معلّمي الاغريق وهو الحافز على النموّ والتطور العقلي وأحد ادوات التنوير ، فمن لايمتلك مسرحا راقيا تضيق به مدارج التحضر ويقع في هوّة التخلف والجهل ، ومازلت اتذكر مقولة هنريك أبسن الذي لُقّب بأبي المسرح الحديث حين تقدّم منه احد الصحافيين على بوابة المسرح حينما عرضت مسرحيته الشهيرة " بيت الدمية " وسأله عن حال الشعوب التي لاتأبه بالمسرح فردّ عليه قائلا : ان القدَر اذا اراد ان يحطّ قوما ويطيح بهم حرمهم من المسرح لكننا ونحن العاقّون بشأن معالمنا الثقافية المبهرة التي كانت يوما ما مقصد الباحثين عن المتعة والفائدة وبثّ البهجة في النفس قد أسأنا كثيرا لأرثِنا المسرحي ، فهل يعقل ان مسرحا باهرا مثل مسرح بغداد الذي يقبع في وسط بغداد وفي شارع السعدون بالذات يكون مكبّا للنفايات ومأوى للحيوانات الشاردة السائبة ومرتعا للسكارى والهائمين والبائلين في الخرائب ؟؟ 

 أيعقل ان تكون ابهى الامكنة الراقية خرائب مهملة يتقزز منها المارّة ويحيدون النظر عن مشاهدها المحزنة المبكية ، أنظل نقتات على ذاكرتنا العراقية الضائعة ويتلاعب بها الاهمال والنسيان ونحن ساكتون نعتصر أسىً ونضرب كفّا بكفّ ؟؟ مئات المرات سألنا المعنيين : لماذا لايتم تأهيل هذا المسرح وإعادة ترميمه وتصفية المشاكل والمعوقات مع مالك العقار ، ألستم قد احتفيتم ببغداد عاصمة الثقافة السنة الماضية /2013 عاصمة للثقافة العربية لكنكم لم تلتفتوا الى هذا المسرح العريق خاصةً وان البناء الخاص بالمسرح لايحتاج كثيرا الى عناية مفرطة بل الامر يستدعي حملة واسعة لتنظيفه وإدامته واجراء صيانة ليست كبيرة وتسوية الخلافات القائمة مع مالك العقار وحبذا لو يتم استملاكه لمؤسسة السينما والمسرح ليكون صرحا ثقافيا ومزارا مقصدا للزائرين اذا تعذر اعادة نشاطه المسرحي كان الرومان اذا بنوا وخططوا لأعمار مدينة ما 

 يشمّر مهندسوهم عن سواعدهم ويعزمون على تشييد المسرح اولا وقبل أيّ مرفق آخر وكان موقع المسرح يشيّد أول الامر بالخشب لسهولة نقله من موقع الى اخر وبعد ثبات المدن الرومانية واستقرارها عملوا على بنائه بالحجر وصمم دائريا بمدرجات يستطيع المتلقي اينما قعد ان يتابع الممثلين بحركاتهم واقوالهم وانفعالاتهم ومدى تجسيدهم للشخصيات التي يمثلونها فكيف بنا ونحن نمتلك مثل هذه المسارح الجاهزة البناء ونعمل على هدمها لتصبح اطلالا مهملة وآثارا منسية ؟! لاننكر ان وزارة الثقافة بالتعاون مع منتدى المسرح قد استضافت العام الماضي الاستاذ يوسف العاني وتحدّث على مدى ساعتين عن ذكرياته مع فرقة المسرح الفنيّ الحديث وأثار المواجع وفتق الجراح وعرض بإسهاب مايعانيه مسرح بغداد اليوم والثقافة عموما من تهميش واضح بسبب الرؤى السياسية العقيمة وموقف البعض من ساستنا ومسؤولينا بشأن الفن عموما والمسرح خاصة باعتباره من " المحرّمات " وانه يُشغل الناس عن العبادات وضرورة صرف الوقت في طاعة الله وما الى ذلك من الكلام السقيم والمبررات الواهية التي هدفها التهرّب من المسؤوليات بذرائع دينية لم تثبت صحّتها اطلاقا ومعظمها قائمة على المزاج والهوى والتخرصات الضيقة الافق 

 وما ان انتهت المحاضرة قال العانيّ بالنص ( اذا اراد المسؤولون تكريمي حقا عليهم اولا وقبل كل شيء ان يعيدوا مسرح بغداد وهذا كلّ ما أطلب )، لكن شيئا من هذه المطالب لم يتم ولم تتخذ اية اجراءات بشأن تأهيله لانريد هنا ان نستعرض تاريخ فرقة المسرح الفني الحديث منذ تأسيسها في الثالث من نيسان/1952 على يد الاستاذ الكبير الفنان ابراهيم جلال رئيسا لها والفنان يوسف العاني سكرتيرا فهي من دفعت المسرح العراقي للارتقاء وجعلته في مصاف المسارح العربية الراقية وذاع صيته في كل الدول العربية وزارها عمالقة الفن المسرحي الغنائي امثال السيدة فيروز بصحبة الاخوين رحباني والممثلة القديرة امينة رزق وسناء جميل والكاتب المسرحي السوري اللامع سعد الله ونوس ناهيك عن مسرحيينا الكبار الذين اعتلوا خشبته وقدّموا ابهى العروض التي لاتزال شاخصة في اذهاننا امثال خليل شوقي وزينب وناهدة الرماح وآزادوهي صاموئيل وسامي عبد الحميد وعبد الجبار عباس وفاضل خليل وفاروق فياض ومي شوقي واحلام عرب وقاسم محمد/ مخرجا وممثلا وغيرهم الكثير مما لايسعنا ذكرهم في هذه المقالة القصيرة وليعذرني بقية فناني مسرح بغداد لسوء ذاكرتي وعدم اشارتي لأسمائهم ويكفي الفرقة فخرا انها قد مثّلت بلاد الرافدين بعراقته وإرثه الزاخر وأخذت تقدّم عروضها في لندن وباريس وبعض العواصم الاوربية وعرّفت العالم بالمسرح العراقي الثابت الخطى وكان له الفضل الاكبر في نقل المسرح من لغته التبسيطية في معالجة حكايا تراثنا الى وضع اللمسات الفنية الحديثة والثريّة من اجل نموّ مسرح عراقي ناضج الملامح يرقى الى مصاف المسارح العتيدة فلم يكتفِ بمعالجة اوضاع مجتمعنا حصرا بل اتسعت نشاطاته وعمل على تعريب وتعريق كبار المسرحيات العالمية الخالدة اذ رأينا على خشبته معظم مسرحيات بريخت وأبسن ووليم شكسبير وموليير اضافة لعشرات المسرحيات العراقية التي خلّدها في ذاكرتنا العراقية مثل النخلة والجيران وبغداد الازل بين الجد والهزل والملا عبود الكرخي والخان والبيك والسائق وغيفارا عاد وكثير غيرها وربما تربو عددها على الثمانين مسرحية طوال مدة نشاط تلك الفرقة اذ كانت انموذجا للمسرح الاصيل المعبّر عن أحلام وتطلعات الناس وآمالهم التي ينشدونها وقد تخرّج من صفوفها خيرة المسرحيين العراقيين يوم كانوا شبابا خلال سنيّ الستينات والسبعينات والذين مازالوا بين ظهرانينا كالأستاذ عقيل مهدي ومقداد عبد الرضا وجواد الاسدي ورياض شهيد وفاضل خليل وعواطف واقبال نعيم و....و

ولشد مايثير اعجابنا ان كثيرا من المناشدات لانقاذ مسرحنا هذا قد ذهبت ادراج الرياح فلا احد يصغي لمطالبنا المشروعة فهذا كبيرنا الفنان القدير سامي عبد الحميد كتب كثيرا وقابل العديد من المسؤولين في وزارة الثقافة والعاملين المتنفذين في منتدى المسرح وتساءل مرارا : لماذا هذا الاهمال المقصود ؟؟ 

 وانضم السيد فاضل خليل اليه وقاما بحملات تهدف الى اعادة الحياة اليه وساهمت صحافتنا في تلك الحملة لكن لم تظهر اية بوادر للتحرك سوى الجلسات على المقاعد الوثيرة التي لاتغني ولاتثمر ونصيح ملء افواهنا وكأننا ننفخ في قِربة منخورة ويبدو ان هناك من يتعمّد تعطيل وتسويف تأهيله بشكل مقصود ليبقى المسرح خرِبة ووكرا للنفايات لتحطيم معالمنا الجميلة وتدمير حتى نفوسنا التي تهفو الى ذلك اليوم الذي تمتد اليه ايادي الاعمار فنعلق بآمال كاذبة ووعود فاقت مواعيد عرقوب في التسويف والتأجيل والمماطلة والاّ فما قيمة " ملاليم " تصرف لإعادة مجدِ المسرح العراقي وترميم جزء مهم من ذاكرتنا الجمعية وإرثنا وهويتنا العراقية حيث كان المسرح شاهدا على مدنية ورقيّ عاصمة الرشيد وملاذا للعوائل العراقية التي كانت تستمتع بعروضه المتميزة اذ لم تقتصر العائلة العراقية المحبة للفن الراقي الناضج على استمرارية زيارة ذلك المسرح العتيد بل كانت الاسر تأتيه من محافظات العراق القريبة والبعيدة لترى مايقدمه مسرحيو فرقة المسرح الفني الحديث ناهيك عن افواج الشباب المثقف الآتي من كل حدب وصوب لتقصد عرض بغداد الازل وتستمتع بوقفة يوسف العاني وهو ينشد البيت الشهير محوّرا ببعض مفرداته : أنا ابن جلى وطلاّع الثنايا .... متى أضع السدارة تعرفوني ... وبشعر الملا عبود الكرخي حين كان العاني يلهجها بلسانه المعسول وطرافته الكوميدية وحركاته التي تبعث البهجة والسرور في نفوسهم وتنبهر بعفوية عبد الجبار عباس وفطريته التمثيلية التي لانظير لها وشهقة زينب حين ترفع يديها وتنادي بقلبها ولسانها : انا أمّك ياشاكر

وهل ننسى الموقف الرهيب للسيدة ناهدة الرماح حين فاجأها العمى وهي في غاية الاندماج بأحد أدوارها التمثيلية فقد رسخت كلماتهم وحواراتهم وحركاتهم التمثيلية وأحدثت اثَرا وشرَخا في ذاكرتنا ويصعب جدا نسيانها كما لو انها حفرت نقشا في خشبة هذا المسرح الذي سحرَنا يوما ما ولازال تأثير ذلك السحر محفورا في نفوسنا لسبب بسيط جدا ، انه الذاكرة الكلية لأهل وادي الرافدين ومحبّي بغداد ، انه اسطورتهم الباقية التي تتمثل بالتاريخ والتراث والهوية لم يكفِهم انهم سرقوا اموالنا وثرواتنا ونصَبوا شراكا طائفية لاصطياد اولادنا وغسل ادمغتهم وحشدوا اذنابهم وحاشيتهم احزابا ضيقة الافق تأتمر بعقل قاصر وطامعٍ أشِر وموتورٍ يتصيد عدوّه بفعل غادر وشكّلوا كيانات عزلت نفسها عن الوطن وتظللت بالقبيلة واحتمت تحت عباءة مشايخ زعيم العشيرة وانضوت بمواكب المذهبية الفرعية ونسيت بلادها على سعتها ، لم يكفِهم هذا بل رفعت معاولها لهدم اضرحتنا الفنية الثقافية وتشويه معالمنا الزاهية وطمس آثارها ومحوِها من الارض واخفاء أثَرها تمهيدها لطمرها وقبرها هؤلاء هم لصوص التاريخ وماسحو الذاكرة ومزوّرو التراث الزاهي وهادمو الجمال ومدبِّرو المكائد الذين يريدون وأد بلاد الرافدين وسرقة إرثه مثلما سرقوا ثرواته وكنوزه وحطّموا تماثيله وأبدلوا سمات الابداع في شوارعنا ومياديننا بتماثيل غاية في القبح والدونية والانحدار الفنيّ سأوقظ فنان نصب الحرية جواد سليم من مهجعه وأدعوه لسحب الشعار الرائع الذي صمّمه لفرقة المسرح الفني الحديث فقد أباح لي أحدهم انه رآه مرميا في النفايات بالقرب من مدخل المسرح ومن ثمّ سأعرج على اسماعيل الشيخلي وصديقه النائم الى جنبه الفنان كاظم حيدر وأقول لهما : " ان الديكورات والملابس والاضاءة التي صنعتماها بأيديكما للفرقة قد غدت حطاما وعفا عليها الزمن الوغد وغطّاها التراب وأبادها النسيان ورميت في النفايات ايضا ؛ فأولادكم وأحفادكم لم يحفظوا الامانة ولم يصونوا إرث اهليهم وغدت نسيا منسيا فلاتهنوا ولاتحزنوا فانتم الاعلون مهما فعلت بكم اصلابكم وأخلافكم ناكرو الجميل والاحسان لنا حديث مقبل عن بقية مسارحنا المهملة وعن الفرق المسرحية الاخرى التي طمرها غبار النسيان فلازال مسرح الرشيد هو الآخر مليئا بالأنقاض ويكاد يبكي أهله الذين نسوه معفّرا بالتراب وتضيق بصدره الحجارة والصخور للحديث صلة



(449922) 1
We are reading,continue.
Khawaja

Your nostalgic reminiscence is extremely interesting.
October 29, 2014 10:25 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز