Arab Times Blogs
جواد غلوم
jawadghalom@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 August 2011

بغداد الثقافة والجمال الغائب/ القسم الثالث/ مقاهٍ ادبية غير تقليدية / البرازيلية والسويسرية والكيت كات

في وسط شارع الرشيد وفي منطقة " المربعة " ببغداد ظهرت في اواسط الاربعينات من القرن الماضي مقهيان بطراز غير مألوف عند اهل بغداد هما المقهى البرازيلية والمقهى السويسرية وكانت واجهتهما الباهرتان تخلبان الالباب حيث الزجاج السميك الفاخر والمناضد الراقية التي صنعت من أعواد الخيزران اضافة الى الكراسي الوثيرة التي استوردت من اوربا خصيصا وماكينات القهوة التي تعمل بالكهرباء وتقدَّم للزبون برائحتها المتميزة ونفحتها المتميزة والتي كنا نشمّها عن بعد حتى ونحن نتسكع على الرصيف القريب وقد اختيرتا من قبل النخبة المثقفة مجلسا للفنانين التشكيليين الذين درسوا في معاهد الفن في روما وباريس وبقية مدن القارة الاوربية وكان من جلاّسها الفنان جواد سليم وأخوه نزار سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد ورفعت الجادرجي وقتيبة الشيخ نوري ؛ ويمكننا ان نقول ان المقهى البرازيلية بالذات أزهرت فيها حدائق التجديد سواء بالفن التشكيلي او الشعر او القصّ إذ كانت المنطلق الاول لنشوء الحركة التشكيلية الحديثة في العراق ، ليس هذا فحسب بل كانت ايضا المنطلق الاول لفكرة تأسيس اتحاد الادباء في العراق بعدما التئم شمل ادباء العراق المجددين واصبحوا من روّاد المقهى البرازيلية امثال عبد الوهاب البياتي وكاظم جواد ورشدي العامل ونزار عباس ثم التحق بهم عبد المجيد نوري ونجيب المانع وسعدي يوسف وغائب طعمة فرمان وفؤاد ونهاد التكرلي وقرروا تقديم طلب اجازة لتأسيس اتحاد خاص بالأدباء وقد وصل هذا الخبر الى اسماع السلطة فأوجسوا خيفةً من الامر فسارعت السلطة الى تجميع بعض وجوهها من الكتّاب والشعراء المتعلقين بأذيالها وأرخصوا لهم إجازة تأسيسه قبل ان يقدّم الطرف الاخر على طلب الاجازة وفعلا تم التأسيس عام/1952 ولكن بوجوهٍ اخرى من غير المبادرين الاوائل وفي السنوات اللاحقة انضم جماعة المقهى السويسرية " سويس كافيه " الى تلك الشّلة الثقافية – الفنيّة والتي كان من ابرز روّادها جبرا ابراهيم جبرا الروائيّ والمترجم والشاعر والفنان التشكيلي حين استقرّ في العراق بعد نزوحه من بلاده فلسطين وتبعه عبد الملك نوري منْظمّاً الى هذا الحشد من المثقفين" المتأوربين " وأسسوا تجمّعا ثقافيا جديدا غير مألوف في الوسط الثقافي البغدادي قائما على مزج الادب العربي بالأدب الغربي الذي أخذ بالانتشار السريع نظرا لانفتاح بغداد على الثقافات الاجنبية وانتشار الكتب المترجمة على نطاق واسع بفضل مكتبة ماكينزي ومكتبة " الكورونيت " ودور النشر والطباعة التي وفدت الينا من بيروت ولندن وباريس والعديد من عواصم العالم

اما مقهى الكيت كات المصممة على الطراز الإنجليزي الرفيع فقد كان موقعها امام ساحة التحرير الى جانب مكتبة النهضة العريقة ومكتبة التحرير والمكتبة العالمية وتتميز بإطلالة خلاّبة على الساحة نفسها لما تموج بها من حركة لاتهدأ وسط شريان بغداد ومركزها الضاجّ بالحركة ليل نهار ، وكان جلّ مرتاديها من المثقفين ذوي النزعة الاوربية ورجال الصحافة التنويرية والسياسيين الليبراليين الميّالين للفكر والتيارات الغربية التي كان يعجّ به الشارع العراقي وقتذاك 

 ولأنهم نخبة اقلية فقد نأوا بأنفسهم عن الاندماج مع المجتمع الصاخب العائم بالتوجه الماركسي الذي كان اشبه ب"تسونامي " فكري اكتسح معظم الساحة الثقافية واغلب الفئات العمرية الشابة والطبقات الفقيرة في المجتمع العراقي وجزءاً كبيرا من شباب مجتمع الطبقة الوسطى في الاسرة البغدادية ممن يسميهم الماركسيون بالبرجوازية الصغيرة فالشعلة الثورية في الكيت كات كان منطفئة الاّ من بقايا جمرات صغيرة تحت الرماد تكاد لاترى ولاتلسع عند بعض الروّاد من المثقفين فالكثير منهم وطنيون ديمقراطيون من دعاة المجتمع المدني وليبراليون من الطراز الاول ومنهم من الذين يتغنون بالحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يتزعمه الجادرجي ، على العكس مما كان يثار في مقاهي بغداد التقليدية والتي كانت مرتعا خصبا لنموّ النزعة الثورية المتأججة سواء لدى الماركسيين او الاحزاب القومية التقدمية التي تأثرت بشكل او بآخر بالفكر الماركسي 

 والطريف ان مقهى الكيت كات كانت تقدّم لزبائنها الحلوى الافرنجية وكؤوس المرطبات والمياه الغازية والصودا ومن النادر جدا ان ترى الشاي وأقداحه المتعارف عليها على مائدة روّادها فقد استبدلت اباريق الشاي والسماورات الشرقية بماكينات صنع المرطبات وآلات تحضير الكاباتشينو والنسكافيه ومن الطريف ان اذكر ان مناضد الكيت كات كانت توضع عليها الصحف الرصينة الآتية من عواصم اوروبا وخاصة لندن وباريس مثل التايمز ونيوزويك واللوموند والفيغارو وغيرها ليقرأها زبائن المقهى اذ كانت مكتبة " الكورونيت " الراقية الواقعة في احد محلات عمارة مرجان بالباب الشرقي بمثابة دار نشر وتوزيع المطبوعات الاجنبية والصحف العالمية وتقوم بتوزيعها دوريا وفور وصولها الى بغداد لتلبية حاجات مثقفي العراق الكثر العارفين باللغات الاجنبية وربما يصدف ان نطالعها بنفس اليوم مساءً حال جلبها من المطار خلال الرحلات المكوكية الدائمة للخطوط الجوية بين لندن وباريس والعاصمة العراقية

والحق ان جليسي المقهى البرازيلية والسويسرية والكيت كات لم يستسيغوا ان يكونوا روّادا للمقاهي الكلاسيكية المنتشرة بكثافة في بغداد وبالاخصّ مقهى الشاهبندر والزهاوي وحسن العجمي والبلدية والبرلمان وغيرها ؛ لكنهم كانوا على صلة وثيقة بأقرانهم الادباء والفنانين مهما اختلفت رؤاهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية فاختلاف الرأي ووجهات النظر لم تكن ابدا تفسد الوداد والصداقة والمحبة بينهم واذكر هنا حادثة استدراج الشاعر البوهيمي المتمرد حسين مردان للمقهى البرازيلية بدفعٍ من الشاعر بلند الحيدري حيث أوكل ساطع عبد الرزاق صديقهما المشترك وحلقة الوصل بين زمرتي الادب والفن ليقنع شاعر القصائد العارية كي يترك مقاهي ساحة الميدان بصخبها وزبائنها عتاة الصعلكة والمجون ويقعد مسترخيا على مقاعد الخيزران الانيقة الحديثة في البرازيلية ويتذوّق الترف البورجوازي وقد نجحت محاولة ضمّه الى النخبة الجديدة المثقفة بالتيارات الغربية ردحا من الزمن لكنه وهو الحليف الوفيّ لاصدقائه القدامى لم يبقَ طويلا وعاد الى مرابعه الاولى بسبب اخلاصهِ الطبقي لشلّتهِ في ساحة الميدان ومقاهي الكلاسيك النابتة في ضميره كما كان يقول هو نفسه لأصدقائه الادباء ذوي المنحى البورجوازي حين يتهكّم عليهم

وقد شهدت حقبة اواخر الاربعينات ولادة أثرى ماكتب من شعر حديث في تلك المقاهي الحديثة حيث أصدر بدر شاكر السياب ديوانه ( أزهار ذابلة ) العام/1948 ولحقه عبد الوهاب البياتي وأصدر ديوانه (ملائكة وشياطين ) كما أصدر بلند الحيدري مجموعته المتميزة ( خفقة الطين ) ثم تبعته نازك الملائكة وأصدرت ديوانها (شظايا ورماد ) الذي أثار جدلا طويلا في الاوساط الادبية وعُدّ في نظر البعض الباكورة الاولى للشعر الحرّ القائم على تفعيلة واحدة ، لكن المنازعات على الاولوية والسبق في الكتابة بهذا النوع من الشعر لم تهدأ وكثيرا ماكان النزاع بين البياتي والسياب يصل اشدّه في تلك المقاهي شفاها ووجها لوجه ثم ينعكس لاحقا في الصحافة ويدور الجدل بين المهتمين على قدم وساق وأتذكّر أنه في العام/1969 تم قبولي طالبا في كلية الآداب وكنت دائم الزيارة للمقهى البرازيلية خصوصا وانزوي في الجناح الخاص بالطلبة وأقرأ ماهو مطلوب مني ضمن مناهجي الدراسية واعكف بعدها على قراءة ماكنت اشتريه من مكتبات شارع المتنبي ومن باعة الكتب المنتشرين على الارصفة اثناء مروري في شارع الرشيد وربما ارتقي مكتبة ماكينزي واقتني رواية انجليزية لديكنز او مارك توين تثير فضولي وأجهد في ترجمتها وحدي مستعينا بالمعجم الصغير الذي كان لايغادر جيبي واقعد ساعات طوال في ذلك الجناح المخصص للطلبة وكأنه مكتبة هادئة تسعفني على المزيد من القراءة  

 والحق اني كنت أرتعب رهبة وخوفا من التقرّب من الادباء الجالسين غير بعيدين عني في ذات المقهى والذين أراهم كبارا أجلاّء وتصيبني الرهبة مثلما يخاف الطالب الصغير من معلمه حين يراه بغتة في شارع او سوق لكن أذني كانت مشدودة لحواراتهم ونقاشاتهم وكثيرا ماكنت احفّز نفسي واتشجّع وألتمس مكانا قريبا منهم لأصغي الى مايقال وشيئا فشيئا بدأت ادنو منهم وأزيل ذلك الحاجز المهيب وأشاركهم نقاشاتهم الى ان اعتدتُ على مشاركتهم جلساتهم وعرض ماكنت اكتبه عليهم لالتماس وجهة نظرهم بشأن ما أكتب اذ لم تكن هذه المقاهي ملاعب للّهو وتزجية الوقت وقتل الفراغ فقط وانما كانت منهلا يملأ عقولنا فكرا راقيا متجددا حتى في فسحة الخروج من البيت تُرى لمَ يفعل الزمن السافل بذاكرتنا العراقية ويطيح بها ؟؟

 وماعسانا نفعل نحن المثقفين الخافتي الصوت امام هدير التدمير الهائل ، وقبيل كتابتي لهذه المقالة عزمت على المرور بهذه الاضرحة الثقافية فرأيت المقهى البرازيلية وقد تحوّلت مخازن لتجميع الاقمشة والبالات ، اما المقهى السويسرية فلم اجد لها أثَراً البتّة ، والشدْو الرخيم لفيروز وموشّحاتها الذي كان يصدح في اركان الكيت كات أخرسته صيحات الباعة الجائلين وهم يفرشون بضائعهم قرب عتَبتها ورصيفها المحاذي لها فسألت البائع الواقف قبالتي عمّا آل اليه هذا المكان –وقد أشرتُ على مقهى الكيت كات- فأجابني انه تخصص في بيع الادوات الطبية للعاجزين عن الحركة مثل كراسي المقْعدين والعكازات ومايتعلّق بها فذرفت دمعةً حرّى أحسستها قد لسعت وجهي وغادرت المكان دون ان يرى البائع بكائي للموضوع صلة



(449410) 1
ماذا تنتظرون يا مثقفي العراق؟ أن تحرر أمريكا أراضيكم من الدواعش و أنتم تلطمون و تكتبون عن المقاهي
جزائري ثائر
عجيب غريب فيكم يا أهل العراق, داعش دحشت فيكم سيوفها و إحتلت أراضيكم و سبت و باعت نسائكم و قتلت ألاف جنودكم بعد أن قيدوهم كالأنعام, حتى الأنعام تقاوم قبل موتها, و أنت هنا تحكي لنا حلقتك الثالثة عن جمال مقاهي بغداد, يا حلاوة إيه ده إيه ده!!! ليش لا, لأن ماما أمريكا تحارب في داعش بدلا عنكم, و ما زلتم تعتقدون أن بغداد في مأمن من الدواعش, يا لغفلتكم و سباتكم, و قريبا سيخرج عرمرم ملايين اللطامين متجهين جنوبا إلى كربلاء لزيارة سيدنا الحسين رضي الله عنه بدلا من الإتجاه إلى الموصل لتحريرها من وحوش داعش, لأن هذه الملايين تستطيع هزم داعش بالبصاق و بعص الحصى كرمي الجمرات. إن سيدنا الحسين لا يريد طقوس اللطم و النواح و هو براء منها بل يريد منكم أن تتعظوا من سيرته و بطولته و شهادته في عاشوراء و تضحيته من أجل أن يعلو الحق و يزهق الباطل و كيف صنع معجزة بخروجه بأهله و ثلة مؤمنة صابرة لمواجهة جيش جرار أموي يتقدمه أهل الكوفة الغدارين, ماذا تنتظرون يا مثقفي العراق؟ أن تحرر أمريكا أراضيكم من الدواعش و أنتم تلطمون و تكتبون عن المقاهي, و الله زين يا عراق الكيت كات.
October 18, 2014 12:57 PM


(449479) 2
الى الأخ جزاءري ثائر
عادل التروتسكي
أولا أحيي كاتب المقال على هذا السرد الجميل لحقبة عرفناها في المقهى البرازيلي في السنك..وقد وصفه الكاتب واجاد بايلوبه السلس..أما انت اخي الجزائري الثائر فاقول لك بلطف إن هذف الدواعش التكفيريين هو سلب الثقافة ومسخها وسرقة الذاكرة الثقافية العراقية وهي جزء مهم عنصر الهوية العراقية..لقد قاوم الشعب الجزاءري الاستعمار بالسلاح وبالقلم وأرادت فرنسا تمسخ هوية الجزائر العربية ولكن بفضل المثقفين والثوريين حافظت الجزائر على هويتها للكاتب جواد غلوم وللجزائري الثائر الأحترام والشكر..
October 20, 2014 8:22 AM


(449519) 3
شكرا للكاتب
عاشق بغداد
مقاله ممتازه ورائعه ولكن ماذا نفعل نحن المثقفين بهذا الطوفان الاهوج من اللطم والتطبير وطيحان الحظ وحزب الدعوه وبقية جيف ايران من المتخلفين والجرابيع واعداء الانسانيه والثقافه .....
October 20, 2014 10:02 PM


(449532) 4
بغداد الثقافة والجمال الغائب
shaker
عاشت الايادي يا رجل والله مقالك الرائع و الجميل قد اعادنا الى ذلك الزمن الجميل حيث كانت بغداد تنافس لندن و باريس و روما في جمالها و علو شاءنا الثقافي و الحضاري و الموديلات الحديثة من الملابس و الاكسسورات كانت تنزل الى اسواق بغداد في نفس وقت نزولها في اسواق اوروبا او بيروت و ربما لانك قد ابرزت الجانب الثقافي من بغداد فلم تذكر جمال سوق النهر او مقاهي و مطاعم السمك المسكوف على شواطئ دجلة في شارع ابو نؤاس هناك الكثير الكثير ربما يحتاج السرد الى مجلدات لشرح ما كانت عليه بغداد من جمال و رقي و لكنك قد اجدت في اختيارك و تدرجك في عرض الشخصيات الثقافيه والادبيه باسلوب سلس ساحر ارجو لك طول العمر والصحة والعافية وكما قال الشاعر \ نزار القباني \ سلاما يا بغداد جئت اغنيك و بعض الغناء بكاء \
October 21, 2014 4:36 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز