Arab Times Blogs
د. زهير الخويلدي
zouhair_yasser@yahoo.fr
Blog Contributor since:
23 January 2011

قيام المقاومة تباشير من أجل فلسفة المستقبل

"الأنا تضع نفسها حين تقاوم" [فخته][1]

"فأينما توجد سلطة توجد مقاومة " [فوكو][2]

إذا كان غرضنا هو صنع المستقبل والتشجيع على الصبر والوعي والإبداع والدفاع عن حق الأمة في الوجود بالاستماتة والاستثبات فانه من اللازم أن تكون فلسفتنا المنبعثة من ركام القرون الوسطى وحطام الاستبداد ورحم الاستعمار فلسفة مقاومة ونظرية في الثورة والنضال تتقن لعبة السياسة وتضع يدها على سياسة اللعبة العالمية وذلك بالاقتدار على الجمع بين حنكة السياسيين وأخلاق العلماء وشجاعة المحاربين من المدافعين عن الكرامة وكذلك بإعادة تعريف السياسة تعريف راشدا والتوجه على التو نحو الممارسة والفعل من أجل تحرير الأرض وصون العرض والذب عن الأوطان.

ما يسترعي الانتباه أنه قد شاع رأي فاسد حول المقاومة مفاده أنها مجرد رد فعل ورجع صدى، فسلطة الاحتلال هي الوجه والفعل والمقاومة هي القفا والشكل الأقصى للانفعال،وبالتالي نعثر على تسلط وتوسع لإرادة الطغيان من جهة يقابله رفض وعصيان وتمرد على هذه السلطة الغاشمة من جهة أخرى.

على هذا النحو يزعم مروجو هذه الدعوى أن المقاومة تشكل بالنسبة للسيطرة الاستعمارية الامبريالية والتوسع الاستيطاني الصهيوني وجهها الآخر المنفعل على الدوام والمعرض للهزيمة اللامتناهية ومعنى ذلك أن مجهود المقاومين ليس بالضرورة سيكلل بالنجاح حتى وإن توفرت فيه مجموعة من الشروط والمبادئ.

وقد عزز أصحاب هذا الرأي موقفهم بمجموعة من الحجج والبراهين التاريخية والفكرية مثل:

- نهاية التاريخ وموت الآلهة.

- ميلاد الإنسان الأخير وخلع الفرد الواعي من عرشه وتبعيته لللاوعي.

- لا نقدر على الإفلات من قبضة العولمة الاختراقية، فالعالم أصبح قرية صغيرة.

- لا وجود لخارج مطلق بالنسبة للسلطة وحتى المقاومة لابد أن تكون من داخل هذه السلطة ومن

أجل إكسابها المزيد من المشروعية.

- الاستعمار هو مكر العقل الكلي على مسرح التاريخ وهو المكر الذي لا راد له.

- دخول عصر إمبراطوري يتميز بانتكاسة مفهوم الدولة الأمة وسطوع نجم اللاوطنية الجذرية وانتشار إيديولوجيا ما بعد القومية.

فهل يعقل ألا تقوم مقاومة من طرف أمة تتعرض للعدوان وتستهدف بناها التحتية من طرف الاستعمار؟ من ينهي سلطة الاحتلال؟ هل هو الضحية الذي وقع عليه الفعل بإيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وبإيمانه بحقه المشروع في المقاومة أم الجلاد المعتدي عندما يوبخه ضميره يستيقظ فيه صوت الروح ويعود إلى رشده ويستعيد ما في جبلته من إنسانية؟

 لماذا تريد الامبريالية وربيبتها الصهيونية أن تربط اسم المقاومة لدينا بتهمة الإرهاب؟

أليس الإرهاب مجرد كلمة اخترعتها الفئات المسيطرة من أجل الهيمنة على الآخرين؟

هل نتنصل من المقاومة كي لا نتهم بالإرهاب أم ينبغي الإشادة بها وإسنادها بالفلسفة التي تنقصها؟

 ولكن أليس من اللائق بالنسبة الينا أن نعلن دون مواربة ولا تردد أنه: حيث تكون سلطة استعمارية استيطانية تقوم مقاومة وصمود وتصدي؟

ما يجدر ملاحظته هو اقتران خطر الاستعمار بقيام نقاط مقاومة كثيرة تناهض هذه العولمة وتقوض أركان المعتدين وتكيل لهم الصاع صاعين ويحركها المبدأ الحقوقي الكوني: العين بالعين والسن بالسن والبادء أظلم، وتلعب نقط المقاومة هذه في العلاقات السلطوية الدولية دور الخصم والهدف والدعامة والمتكأ وتؤدي مهمة الدليل والمرشد والسند الشرعي والسبب الموضوعي للشعوب المضطهدة والمظلومة، ترفض منطق الغطرسة وتحاول فرض قوة المنطق وترى أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، تفكك علاقات المصلحة والهيمنة وتستبدلها بعلاقات التعايش وحسن الجوار وأخلاق الضيافة على أساس احترام متبادل وإنصاف.

اللافت للنظر أن المقاومة ليست خديعة أو وعد لا ينبغي أن يوفى به بل هي ترتسم كالمقابل العنيد الذي لا يمحي للاحتلال وتشكل الطرف النقيض في علاقات الهيمنة والقوة الضاربة للذين اغتصبت ديارهم واكتووا بنار العولمة الملتهبة. إذ يقول روجي غارودي في هذا السياق:

 "لم تنجح إرشادات الكنيسة والثورات الاقتصادية والسياسية في تغيير الإنسان والعالم فقد مر مبشرون سماويون عاجزون وثوار كثر أرادوا تغيير كل شيء إلا أنفسهم ويجب أخيرا تصور ما بعد العصرية. العصرية تقوم على الظن بان العلم والتقنية هما معيارا التقدم الوحيدين (...)

نحن نعيش تحت احتلال جديد احتلال غريب بالنسبة للإنسان: انه احتلال وسائل الإعلان والتلفزيون. يجب تنظيم شبكات مقاومة لللامعنى وتحويل جهود كل الذين يريدون أن يكون لحياتهم معنى. حياتهم كلها: العمل، الانتاج، الخلق، الفنون."[3]

والحق أنه لا توجد مقاومة واحدة بل عدة مقاومات:

1- هناك المقاومات الممكنة التلقائية المنعزلة والمستكينة والميالة إلى الصلح والمتضاربة وهي المقاومات السلمية الهادئة الثقافية والاجتماعية والسياسية(المعارضة) بالمشاركة من خلال الهوية السردية في صنع العالمية.

2- وهناك المقاومات الضرورية المشروعة، غير المحتملة والعنيفة في نظر الدوائر الأجنبية والهادفة إلى مصلحة محددة سلفا وهي طرد الاحتلال ومناهضة العولمة بكل ما أعدت لها من قوة.

نقط المقاومة هذه حاضرة في كل مكان من شبكة السلطة الغازية، فلا وجود لمثلث واحد للموت أو مكان وحيد منعزل رافض لتواجد الأجنبي هو مكان التمرد المطلق وإنما روح الصمود متغلغلة في كل الأنفس وبوصلة المقاومة تمثل المعين الذي لا ينضب للانتفاضة، تهذب جميع التمردات وتجعل أشكال النزاعات توطئة من أجل ثورة شاملة.

ثمة مقاومات الآن في الحضارة المهددة بالاندثار لحظة القطيعة الكارثية وليس مجرد مقاومة واحدة، إنها حالات واستراتيجيات تنتمي إلى أنواع كثيرة وتقوم بها أطياف عديدة ولا تتوخى أسلوبا واحدا ولا تتبع منهجا مشتركا بل إنها لا تمتلك هدفا بعينه لوجودها فهي تتحرك فوق برك من الوحل وأراضي ملغمة وتقطن فوق حقل من القوى المتصارعة والمتحركة.

يقول ادغر موران :

« Pire، il est possible qu’une nouvelle grande barbarie déferle et qu’il nous faille abandonner tout espoir d’hypercomplexité. Mais، même alors، amour fraternel، intelligence consciente، là où ils seront à l’œuvre، constitueront non seulement la véritable résistance، mais le resourcement et le recours permanent dans la lutte interminable contre la cruauté. »[4]

لكن ماذا تعني بالنسبة إلينا في الحضارة العربية الإسلامية " فلسفة المقاومة "؟

ما المقصود بقيام المقاومة من وجهة نظر عربية إسلامية؟

إذا عدنا إلى لسان العرب نجد المصطلحات والدلالات التالية:

- المقاومة إقامة أي سكن ومرابطة ومكوث دون مبارحة مهما كانت الضغوط.

- المقاومة هي من صنع قوم أي أمة وملة وجماعة للدفاع عن حقها في الحياة.

- المقاومة تنطلق من مقام أي أرض وإقليم ووطن تصون سيادته من كل انتهاك.

-المقاومة هي فعل قيام أي نهوض وحركة وهبة واحدة للجسد الواحد ضد الرضوخ و الاستسلام.

- المقاومة هي استقبال للقيامة أي البعث والمعاد والنشور بالخروج من الجحود إلى الشهود.

نحصل عن النتيجة التالية: "المقاومة هي إقامة قوم في مقام من أجل القيام ليوم القيامة".

من هو المقاوم؟ و بعبارة أخرى من ذا الذي يستحق اسم المقاوم؟

كلنا نقاوم وليس هناك استثناء في فعل المقاومة وكل متخل هو مقعد ولا ينتسب إلى هذه الأمة إلا من الواجهة الخلفية، والمقاوم هو الإنسان الحر حرية فردية مطلقة الذي يعمل من أجل دنياه وآخرته ومن أجل مقامه وقومه وهو الذي استطاع أن يعيد وحدة الفكر والقول والعمل إلى بنية شخصيته فأصبح يفكر كما يريد و يقول ما يفكر فيه ويعمل كما يقول ثم لا تكون عاقبة عمله غير الخير والمنفعة للناس والبر بهم. اذ " تقتضي ثقافة المقاومة التوحيد بين المستويين، القول والعمل، الفكر والوجدان، الداخل والخارج، من أجل توحيد شخصية المقاوم وتوحيد طاقاته فيصبح كالسيف القادر على القطع دون أن ينكسر الحد."[5]

لكن نقاوم بماذا؟ ماهي أدوات المقاومة؟

الجهاد والكفاح والثورة من أجل التحرير والاستقلال.

الإصلاح والمعارضة الراديكالية من أجل التنمية والتجديد والتوحد.

الثورة الثقافية والفكرية من أجل التحضر والإبداع والتطوير.

إن المقاومة عمل متكامل يقترن فيه القلم بالسيف ويشترك أثناءه الدعاء باللسان مع العمل بالجوارح والتصديق بالقلب ويرتبط عنده التضحية بالمال بالمغامرة بالنفس. تبدأ من الإنسان والمجتمع والأرض والدولة وتنتهي إلى العلم والفكر والمعرفة والايديولوجيا.

لابد إذن أن يشتمل فعل المقاومة على المنظومة الرباعية التالية: اللغة والقوم والدين والفلسفة.

استعادة لغة الضاد من جهة توهجها الروحي استعمالا وتكلما وخلقا وترجمة ما تحويه اللغات الأجنبية إليها هو فعل مقاوم.

أن ننظر إلى العرب على أنهم قومية موحدة وأمة واحدة وننادي بتكوين وطن عربي واحد يكون كالبنيان المرصوص والجسد الواحد من خلال مفهوم الهوية القصصية القرآني هو فعل مقاوم.

التمسك بالدين الإسلامي الحنيف وقراءته قراءة ثورية تقدمية على ضوء حاجيات العصر والنهل من معينه الذي لا ينضب للرد على التحديات هو فعل مقاوم.

 " وأفضل للمقاومة الآن جعل العمل جزءا من الإيمان. فمن لا عمل له لا إيمان له. ومن يكتفي بالتعاطف مع المقاومة الفلسطينية ( واللبنانية) يؤيدها بالدعاء بالنصر ويشجب قسوة العدو فإن إيمانه ناقص..."[6]

أن نعتز بالفلسفة العربية وننظر إلى ما أنتجه أجدادنا من علوم وصنائع بعيون الإعجاب والافتخار وأن نعمل على تحقيقها ونقدها واستئنافها على أسس ومناهج جديدة هو نوع من المقاومة.

ماهي مقاصد المقاومة؟ فنحن نقاوم من أجل ماذا؟ هل المقاومة فعل عبثي يائس من مداومته ونجاحه أم أنها مشروع مستقبلي وتأسيسي يحرر الحياة حيثماهي أسيرة في المعمورة؟

إننا نقاوم من أجل:

- فداء الوطن وجهادا في سبيل لله.

- التضحية من أجل الآخر الانساني بالدفاع عن حقه في حياة عادلة وكريمة وآمنة مع المحافظة على الوجود الذاتي.

- الدفاع عن العقيدة والأرض والوطن ومقدرات الأمة.

- من أجل لاشيء، المقاومة فعل منزه عن كل غرض ، فهو غائية دون غاية.

- تحقيق العهد الذهبي للأمة وهو موعود به في المستقبل أكثر منه متحقق في الماضي.

- الوصول بالأمة إلى الرباط والوحدة والاعتصام بالعروة الوثقى،" فالبيت المنقسم لا يقوم".

لكن لابد من التمييز بين مجموعة من المصطلحات المتقاربة والملتبسة والتي هي كلمات حق أريد بها باطل مثل: التخريب والمقاومة،التعصب والانتماء، الإرهاب والعنف المشروع (حق الرد)، المحافظة والأصالة، الاستعمار والتنوير،الاستبداد والشورى، التغريب والتحرير.

ماهي مكاسب المقاومة؟

المقاومة هي صمام الأمان والدرع الواقي للأمة حققت توازن الرعب مع العدو وجسدت أحسن ما يكون مقولة الثأر الحضاري ووفرت إمكانية هائلة للنهوض واللحاق بركب الأمم المتطورة.

إن المقاومة الشرسة فاجأت الغزاة وفضحت أدواتهم غير المشروعة وكلفتهم خسائر مادية جسيمة ولم تساوم على حساب كرامتها ومبادئها وقيمها.

" المقاومة لا تقوم إلا على مفهوم الجبهة الوطنية المتحدة و"الجمع بين الفرق" وليس "الفرق بين الفرق"، التعددية على مستوى النظر والواحدية على مستوى العمل. الحق النظري متعدد والحق العملي واحد. وقد قامت الحركة الوطنية في فيتنام وكوبا على هذا التصور. وكانت كل مقاومات الاحتلال جبهات وطنية متحدة في فرنسا أثناء الاحتلال النازي وفي الجزائر أثناء حرب التحرير وهو أحد مكتسبات المقاومة الفلسطينية، ثورة الاستقلال في نهاية عامها الأول..."[7]

لا ريب أن المقاومة حق مشروع وخطوة رئيسية على طريق الإصلاح الديمقراطي والنهوض الحضاري لأنها صرخة حق في مواجهة الظلم والاستكبار، إنها ثورة في وجه العدوان ونصرة للمظلوم. إن الجهاد واجب مقدس ضد الاحتلال الامبريالي الصهيوني في العراق وفلسطين ولبنان، فإذا كنا جزء لا يتجزأ من أمة عربية إسلامية واحدة، تاريخها واحد ونضالها واحد ومصيرها واحد فإن "ما أخذ منا بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وإن الحق بغير القوة ضائع وان أمل السلام بغير إمكانية الدفاع عنه هو استسلام".[8]

إن نقاط المقاومة وبؤرها مشتتة تختلف كثافتها حسب الزمان والمكان وهي كذلك موزعة في الوطن بطريقة لا انتظام فيها. في غالب الأحيان نجد أنفسنا أمام نقط مقاومة متحركة مؤقتة تقحم في المجتمع صدعا متنقلا فتعدد وحدات وتضم شتات جماعات وتحدث انفصاما في الأفراد ذاتهم وتشتتهم وتعيد صياغتهم راسمة على أجسادهم ونفوسهم أمارات ومناطق لا تمحي.

إن تبعثر نقاط المقاومة هو الكفيل باختراق التراتبيات الاجتماعية وبتذرية الوحدات الفردية، انه يحدث انفصاليات كبرى وجذرية وانقساما ثنائيا هائلا ، عندئذ عندما تقوم جماعات وأفراد ويهبون هبة رجل واحد ليواجهوا بصفة نهائية موجات الطوفان وليتحدوا جحافل الجراد التي تغطي الأفق، من أجل أن يوقظوا بعض المناطق من الجسد وأن ينعشوا بعض اللحظات من الحياة ويحيوا بعض أنواع من السلوك والتصرفات اللازمة للانتفاضة والمواجهة والتصدي فأن لا صوت يعلو على صوت المقاومة والصمود. ما من شك أن التنظيم الاستراتيجي لهذه النقاط الرافضة والبؤر الملتهبة هو الذي يجعل مشروع المقاومة العادلة والدائمة ممكنا.

إن فلسفة المقاومة تقاوم بدورها وتنتج مواجهات مع ثقافة الهزيمة وفكر الاستسلام ومع الفلسفات البائسة تلك التي تقوم بإخضاع الفلسفي لإكراهات غير فلسفية وتسبب البربرية والكارثة والجحيم بالنسبة للإنسانية والمعمورة، إذ" ليس ثمة بربرية غير فلسفية"، فالانفتاح والتسامح والعيش الكريم كلها إيديولوجيا العولمة ما انفكت تنتج الظلم والقهر والفقر للآخر،كما أن التنوير قد أدى إلى الاستعمار، أما كوننا مواطنين إمبراطوريين نعيش اللاوطنية الجذرية بعد فشل مشروع الدولة الأمة وبروز السياسات ما بعد القومية فهذا أضغاث أحلام الليبرالية الجديدة ومن تحالف معهم من طفيليين ومحافظين جدد.

على خلاف ذلك تؤكد فلسفة المقاومة على أحقية الإضراب بالنسبة لكل فيلسوف وعلى ضرورة مرابطته ومآزرته للشعب، "فأن نتفلسف هو أن نبدع وأن نبدع هو أن نقاوم ماهو سائد" (دولوز/غتاري)، كما أن "الحق في التفلسف هو الحق في المقاومة وهو كذلك الحق في المواطنة والانتماء"(دريدا). الكف عن حراسة الماضي والتوقف عن الدفاع عن الميراث والشروع في صنع المستقبل باستثمار الحاضر وتوظيف التراث توظيفا ايجابيا تلك هي المهمة المناطة بالفلسفة العربية من حيث هي فلسفة مقاومة وذلك هو الأمر القطعي الذي ينبغي أن يتمثله الكاتب عندنا إذا ما أراد أن يكون قارئ رسالة الإسلام وطبيب للحضارة الشرقية.

إن الكتابة بلغة الضاد هي من أجل هؤلاء الأميين الذين بدأت انطلاقتهم بالامتثال للأمر القطعي: اقرأ، وان الكلام والجهر بالقول والمناداة بأعلى الصوت هو من أجل المصابين بالعي والذين في قلوبهم مرض وان التفكر والتعقل والتدبر هو من أجل فاقدي الرشد وعميان البصيرة. إن الكتابة الملحمية لا تفيد معنى تشبيهيا بل قضية صيرورة إذ ليس المفكر العربي اليوم معتوها أو لاواعيا أو أميا وإنما يصير كل ذلك ولا يكف عن فعله هذا وينتزع نفسه من حالة احتضاره ويبعث من رماده. فنحن كعرب لا نكتب فقط من أجل حاضرنا وماضينا ومصيرنا بل نكتب ونفكر من أجل الآخرين أنفسهم حتى نصير كائنات أخرى. إن الآخر حاضر دائما في الفكر العربي الإسلامي لا نتيجة شفقة وإنما كمنطقة للتبادل معه حيث ينتقل شيء ما من هذا إلى ذلك.

إن الإبداع الفلسفي يكون بمطابقة الفيلسوف العربي لعصره وضمان الاستمرارية للفكر الفلسفي الإسلامي في عصور إزدهاره وإعادة الاعتبار للحركة الفكرية الأولى التي نشأت وازدهرت في بلاد المشرق بين القرنين الثالث والخامس الهجريين أي التسع والحادي عشر الميلاديين وذلك مع الكندي (796-873م) والفارابي (870-950م) وابن سينا (980-1037م) وعرفت مفكرين أحرارا مثل أبوبكر الرازي وابن الراوندي والتوحيدي والمعري والسجستانى والرازي والتي شهدت دفعة جديدة في الأندلس والمغرب على يد ابن باجة توفي (عام 1138م) وابن طفيل (1185م) وابن رشد( 1198م). وكذلك نفض الغبار عن الحركة الفلسفية الثانية التي انطلقت في المشرق من مدرسة ابن سينا الإشراقية والتي مثلها السهروردي والطوسي والشيرازي.

غير ان الفيلسوف العربي لا يبدع بقدر عودته إلى الماضي وابتعاده عن تاريخ الفلسفة الراهن بل بقدر الاندراج فيه والانخراط في القضايا التي يطرحها على الإنسانية ويهتم بما هو كوني universel. إنها علاقة الاحتكاك التي تكون بها الفلسفة العربية مع اللافلسفة ومع اللامعقول وتنحت بها هذه الصيرورة المزدوجة التي تشكل شعب المستقبل والأرض الجديدة للفكر. فعلى الفيلسوف العربي أن يصير لا فيلسوف حتى تصير اللافلسفة أرض الفلسفة العربية وشعبها.

"إن الفلسفة بالمعنى الواسع للكلمة أنجزت وتنجز إعادة أقلمتها ثلاث مرات: مرة في الماضي في إطار اليونان والشرق ومرة في الحاضر في إطار الدولة الديمقراطية الغريبة ومرة في المستقبل في إطار الشعب الجديد أو الأرض الجديدة للفكر"[9] وهي أرض العروبة والإسلام وفى مرآة المستقبل هذه يتغير شكل الفلسفة عما كان عليه عند الإغريق والغرب بطريقة متميزة لأن الصيرورة هي التي تقذف من تحت الإغريق والدول الغربية شعبا وأرضا جديدة لعالم لا يعرف النهاية ودائما في طور إنجاز نفسه. أليس من صميم التفلسف والفلسفة أن يصير الفيلسوف أجنبيا عن نفسه ولغته الخاصة وأمته؟ أليس هذا هو أسلوب الفلسفة العربية المعتاد في أن تترحل دائما خارج أرضها لتعود إليها؟

إن الشعب الجديد للفلسفة يكمن داخل المفكر نفسه بوصفه صيرورة شعب،إذ بقدر ما يكون المفكر داخلا في الشعب فإنه يغدو صيرورة لا تقل محدودية منه وليس في استطاعة المفكر أن يخلق شعب بأكمله بل كل ما في إمكانه هو مناداته بكل قوة وحثه على المجيء ولا يمكن للشعب أن يخلق ذاته ويهتم بالأجيال إلا تحت الآلام المبرحة والمخاض العسير وكذلك لا يستطيع أي شعب أن ينشغل بالفلسفة إلا في هذه الوضعية القصوى كحالة المعاناة والتدهور والحرب.

لذلك ينبغي أن تحتوي كتب الفلاسفة العرب على قدر يصعب تحمله من المعاناة تجعلنا نستشعر مجيء شعب يشاركها في هذه المحنة وينخرط معها في المقاومة -مقاومة الموت والعبودية والعار والخيانة- للتصدي لما هو مرفوض كليا، التصدي للعنصرية والبربرية والطغيان والفاشية والشوفينية.

إن عار الإنسان بإنسانيته لا يعانيه في الحالات القصوى العرب والمسلمون ولا مواطنو العالم الثالث وحدهم وإنما يمتد إلى جميع سكان العالم لمعايشتهم ظروف تافهة من ابتذالية الحياة وانحطاطها. يشكل هذا الشعور بالعار والإحساس بوطأة الفضيحة وتوبيخ الضمير وطلب الشفاء والتطبب من الدوافع القوية لإبداع الفيلسوف المقاوم عندنا وفي أنحاء المعمورة، فالفيلسوف باعتباره طبيب للحضارة ومبتكر لأنماط جديدة ومحايثة للوجود هو وحده الذي يشخص هذه الصيرورات داخل كل حاضر يمضي ويعمل على التصدي للقيم الزائفة ويواجه أشكال الحياة المرتهنة بالسوق والاستهلاك وتجارة النفط والسلاح، فإذا كان من اللازم أن تكون الفلسفة العربية فلسفة مقاومة وصمود لماذا تساقطت في تاريخ لم تأتي منه أو بالأحرى لا تأتي منه إلا لتغادره؟

إن الفلسفة العربية تحتاج في الحقيقة إلى لافلسفة تفهمها وما ينقصها هو فهم لافلسفي لكي يكتمل فهمها لنفسها، إنها ينبغي أن تتجاوز لحظة الحديث عن البداية والنهاية وتركز إنتباههما على لحظة من صيرورتها أو من تطورها إذ تصبح مدعوة للزوال ما إن تتحقق. لهذا تحتاج الفلسفة عند العرب وفي دار الإسلام وفي دول الجنوب إلى مسطح المحايثة لاقتطاع جزء من السديم يغوص فيه الدماغ البشري ليستخرج منه ظل الشعب الآتي حتى يستدعيه الفكر الحر إذا أراد أن يوقف نكبته الوجودية الكبرى وينقذ نفسه من المؤامرة المطلقة التي تشنها الامبريالية الحضارية.

من هذا المنظور ليست فلسفة المقاومة كلمة تقال بل هي شهادة على العصر والتصريح بالحق والفصل بينه وبين الباطل وهي كذلك حكم على الواقع ثم الكشف عن حقيقته والفيلسوف المقاوم هو هذا الشاهد على العصر والشهيد من أجله والمشهود له بالانتصار إلى الحق، فليست الشهادة فقط إظهارا للواقع على أنه حقيقة بل هي أيضا فعل شعوري يعبر عن وجود الفيلسوف ووفائه للحقيقة وتمسكه بالمبدأ وتحمله المسؤولية في كل حالة ويكون الفيلسوف "رسول" الحق و"نبي" العصر إذا حقق رسالة الفلسفة، فماهي رسالة الفلسفة حتى تكون شهادة؟ وما هو دور الفيلسوف حتى يكون شاهدا وشهيدا ومشهودا له؟

من البين أن الفلسفة ليست مجرد عرض النظريات ونشر الثقافة والإطلاع على الحقائق لتغطية الواقع وتغليفه بها بل هي كشف الواقع وتعريته وفضح أشكال التشويه والاستغلال التي يتعرض لها الناس في هذا الواقع، اذ "ليست رسالة الفكر الحديث بلغة العلماء، عرض النظريات على المستوى العلمي الخالص... (بل) هي التعبير عن الواقع بأسلوب مباشر يفهمه الواقع نفسه ويؤثر فيه"[10].

على هذا النحو فإن رسالة الفلسفة هي إبداع المقاومة والانخراط في مجاهدة النفس ومغالبة أهوائها والقيام بأفعال مناورة وتصدي وصمود بالتحليل المباشر للواقع وعرض الواقع بنفسه كحركة وفكر وانتقال من طور إلى آخر. إن هدف الفلسفة ليس تفريغ الواقع من مضمونه وتصريف طاقاته هذرا وتمييع انتفاضاته واستغلال نقاط قوته لإعادة إنتاج الوضع الساند، وليس مشروع المقاومة تسكين الواقع وتجميل أوضاعه المأساوية وتزينها لغاية الإبقاء عليه والمحافظة عليه كما هو بإشباع حاجاته الثانوية وامتصاص أوجاعه بالتعبير المكبوت عن معاناته و"التردد بين التذمر المكبوح في الحلقات الخاصة والرضا الفاضح والموافقة العلنية في الواجهات الاجتماعية والحلقات العامة".

إن رسالة فلسفة المقاومة هي بلوغ مضمون الواقع وتطويره وجر عجلة تنميته إلى حدودها القصوى والمساهمة في دفع حركته التحديثية نحو الأمام بالتصدي للخيانة والعار ورفض المساومة والابتزاز وكل أشكال الاستقالة والتنازلات، لذلك تظهر فلسفة المقاومة كفلسفة رفض واعتراض وتمرد وعصيان.عندئذ يستطيع الفكر العربي اليوم أن يرفض ويعترض وأن يثبت وجوده بالنفي والسلب والاحتجاج والتحطيم والمجاهرة بالحق.

لقد آن الأوان أن يبحث الفيلسوف المسلم عن دور له في المجتمع وأن يدير بنفسه شؤون المدينة وأن يتحكم في مصيرها ويتحمل مسؤوليته في ذلك. آن له أن يفضح مظاهر الاضطراب الفكري والهشاشة النظرية والضعف التأسيسي وكل أشكال الاغتراب الثقافي وأن يعي أزمة الفلسفة عند العرب وأزمة حضارتهم ويبذل الجهد لتجاوزهما. علاوة على ذلك "تقتضي ثقافة المقاومة تحديد الصلة وظيفيا بين الوحي والواقع وأنماط وطرق وآليات تغييره وكيفية إدارة الصراع مع المشركين والمنافقين والحانثين بالعهود مثل اليهود حتى تقوم ثقافة المقاومة على منطق الجدل ولا يوجد كتاب يمكن أن يستنبط منه حكم بتحريم الصلح مع "بني اسرائيل" مثل القرآن الكريم.."[11]

إن الفيلسوف العربي اليوم هو المفكر الشاب الذي استطاع أن يعي تراثه وأن يبصر واقعه وان يشخص أزماته ويفهم طبيعة التحديات ويوفر الشروط لتجاوزها وأن يدفع بمجتمعه إلى التكاتف والنهوض والتقدم. ولا بد أن يحترس من المخاطر والإغراءات التي تمنعه من تحقيق مناطه سواء كانت خارجية مثل إغراءات السلطة وإرهابها وغواية المناصب وشهوة كسب المال وحب الشهرة والمجد أو كانت داخلية مثل التطلع والتكسب والانعزال والهجرة والتصوف وان يلتجئ إلى الحوار واللغة باعتماد الكلام المسموع أم المقروء في التعبير وأن يراوح بين تأليف الكتب وإنتاج المقالات ويجمع بين التخصص الدقيق والثقافة العامة وأن ينتقل من مجرد عرض النظريات الفكرية إلى تحليلها وتفكيكها ونقدها وإعادة تركيبها في ضوء العصر وبالاتفاق مع أصول التراث وأن يجمع بن الإصلاح والتنوير والثورة والتغيير من خلال التضافر بين النضال المسلح والمعارك الفكرية تصديقا لائتمار اللوغوس بالكلام والسيف بالقلم مع نبذ التشاؤم والحث على التفاؤل وذلك بفتح الآفاق ونبذ الانفعالات السلبية والقوى الارتكاسية وتنمية الانفعالات الايجابية وتطوير القوى الفاعلة.

فهل من ضرورة لكي نتفلسف نحن العرب اليوم؟

 " يجب أن نفهم ماهو هدف شعب ما أو أمة ما. فإذا كان الهدف يتمثل في أن نعيش فقط بين الأمم لا غير فلا ضرورة هنا إذن للتفلسف بما أننا سنستهلك أفكار غيرنا وعلوم غيرنا وتكنولوجيا غيرنا ونستهلك إن شئنا كل ما نريده مستوردا من غيرنا. أما إذا أردنا أن نكون فاعلين في عالمنا هذا وأن تكون لنا في الآن نفسه إرادة الحياة وإرادة القوة فعلينا أن نتعلم العلوم لنحذقها ونسيطر على التكنولوجيا لنستعملها أحسن استعمال من ناحية ولتكون لنا فيها إضافات من ناحية أخرى. وكل ذلك يستدعي أن نرتقي بالفكر إلى أعلى مستواه أعني التفلسف. ولكن التفلسف يفيد التعقل بيد أن التعقل لا يفيد الاستسلام ولا الاستكانة بل هو نضال يومي ومقاومة مستمرة ضد الاستبداد وضد كل اللامعقول في العالم. إذن التفلسف ضرورة ملحة لنا لأنه مجلي إبداعنا في ميادين العلم والفكر والمعرفة."[12]

من هذا المنطلق تقوم الفلسفة العربية على الفعل والتعقل والنظر والعمل وعلى الإيمان بالواقع والتجربة والنظر إلى التاريخ والإنسان على أنهما مضمون الوحي وغاية الخلق وتؤمن هذه الفلسفة بالعقل وترفض الأسرار والطلسمات المؤدية إلى الفناء والغيبوبة وتستثمر الحدوس الإشراقية والخيال الخلاق في إنشاء النظريات العلمية وتلتزم بنظام الطبيعة وتحترم نواميس الكون وتربط الفكر بالأرض والجهاد بالمقاومة وتسبق الكفاح على النواح لأن:

 "السيف أصدق أنباء من الكتب   في حده الحدّ بين الجد واللعب".

 إن مادة الفلسفة العربية ليس موجودة في كتب الطبقات التراثية الصفراء والفهارس والتفاسير والموسوعات بل حية في النفوس ومبثوثة في العقول ومستخلصة من الواقع ومازالت تحث على العمل وتدعو إلى الجهاد وتمثل سندا أخلاقيا وروحيا للمقاومة والرفض، وفي هذه ينبغي أن نرفض أن تكون الفلسفة العربية مجرد تأمل أو بناء نظري بل هي مقاومة ونظرية في الثورة وهو معنى الإحساس بالرسالة والاستماع إلى الصوت المرسل إلينا وتحمل المسؤولية إزاءها والتضحية من أجلها والاستبسال حتى يقع تطبيقها على أرض الواقع.

لننصت إلى أبي نصر الفارابي ماذا يقول عن ذلك التكليف الذي بعهدة الفيلسوف الحق:

"ليس ينبغي للفاضل أن يستعجل الموت بل ينبغي أن يحتال في البقاء ما أمكنه ليزداد من فعل ما يسعد به ولئلا يفقد أهل المدينة نفعه لهم بفضيلته وإنما ينبغي أن يقدم على الموت إذا كان نفعه لأهل المدينة بموته أعظم من نفعه لهم في مستقبل حياته..."[13]

هكذا يلتقي كل من الأدب والشعر والفلسفة والدين في هذه النقطة أي في تأسيس أرض وشعب جديدين للفكر كأمرين ملازمين للمقاومة والإبداع وهكذا ينادي الكاتب لهذا المستقبل الجديد ولهذا الشعب ولهذه الأرض بالظهور والبروز والقدوم. إن العار قد دخل إلى الفكر في أسوء لحظة عندما سقط في حضيض التقليد وتعرض للغزو الغربي والاستعمار الصهيو-أمريكي فأصبح مولع بتقليد الغالب ومحاذاته حذو النعل بالنعل وضاع بين مسالك إعادة الأقلمة الفاقدة لمعالم توجيهية فأخطأ الشعب والأرض اللذان ينبغي أن ينادي عليهما بالمجيء. إن العرق المنادي به ليس هو العرق الذي يدعي نقائه حتى وإن كان العرق العربي وإنما هو العرق المقموع المضطهد اللاشرعي النمط الفوضوي المترحل والقاصر دون أمل في إصلاحه.

صحيح أن فلسفة المقاومة شأن خاص بالعرب والمسلمين اليوم لأنهم هم وحدهم في الواجهة وهم وحدهم على مرمى حجر من النار ولكنها فلسفة ذات منزع كوني تطمح إلى أن تكون أممية جديدة تعلم العالم قيم الصداقة وحسن الضيافة والجيرة الطيبة والمروءة والكرم ونجدة المظلوم وإغاثة الملهوف ونصرة المحتاج وتنصح الذين ظلموا أنفسهم بضرورة احترام الإنسانية في كل شخص.

إن الساعة قد حانت لنتساءل عما هي الفلسفة العربية الإسلامية ونبين أنها بحاجة إلى توضيحات ومراجعات من قبل شخصيات مفهومية ورموز مجاهدة ونقاط مقاومة تساهم في تحديدها وحسم الخلاف بشأنها وتوضيح معالم رسالتها. من هذه الزاوية يشكل المتوحد الصديق واحد من "إخوان الصفاء وخلان الوفاء" عين مثال على قيام الفيلسوف المرابط عندنا، "فالنابت" هو هذا الشخص الذي يشهد على أصل عربي لحب الحكمة لأنه إذا كانت الحضارات الأخرى تتوفر على حكماء فإن العرب أكدوا موت الحكيم واستعاضوا عنه بالفلاسفة أصدقاء الحكمة المتدربين على الموت والمتفننين في تعقل أمر الوجود. لكن يا ترى هل أن هذا الشيخ المجاهد الذي يفكر عبر القصص وعن طريق الصور ويعيش منتظرا قدوم الآخرة هو حقا صديق الحكمة؟

إن السؤال مهم مادام الصديق لا يعني شخصا خارجيا،ولا مثالا متعاليا أو ظرفا تجريبيا وإنما مقولة حية وتجربة معيشية تنبذ الحضور داخل الفكر كشرط لإمكانية إبداعه، لقد أجبر العرب الصديق مع انبثاق القول الفلسفي على تجاوز العلاقة مع الذات والآخر وإقامة علاقة مع الكوني والكلى والماهوي.لكن ما معنى الصديق حينما يصبح شرطا لممارسة الفكر مع العرب؟ أليست الفلسفة العربية حوارا حرا بين الأصدقاء تحت الشكل المختصر لصراع الأجوبة مع الأسئلة؟

لنر الآن ما إذا كان مقام الإنسان في العالم اليوم هو مقاما إمبراطوريا تحكمه سلطة ليست لها حدود ولا مركز ولا إقليم تنهج نهج الحرب المترحلة وتعتمد سياسة الفوضى البناءة وما اذا كان العربي قادر أن ينحت من كيانه "شخصية الفرد المقاوم Individu Résistant وأن يعزم على إنتاج إمبراطورية مضادةContre-Empire وينشر عولمة انسانية عادلة وبديلة؟"[14]

لكن هل يمكن أو هل يجب اعتبار الفلسفة المستقبلية بالمعنى الواسع للكلمة عربية اسلامية؟ كيف يحلّ القرآن محل اللوغوس الإغريقي ليغير من دلالة الفكر ووجهته ويجعله يفكر بشكل مختلف عبر الصور؟ وكيف تنزع لغة الضاد الحجاب عن كبد الحقيقة وتميط اللثام عن معنى المعنى من اللغات الآمرة الأجنبية الأخرى؟

إن الإسلام قدم صورة جديدة للفكر الفلسفي ورسم مسطح آخر للمحايثة ووهب مادة جديدة للكينونة ولعل كبار الفلاسفة في الإسلام ليسوا تقريبا سوى "رسل" يبتعدون ويقتربون من لغز دوار المحايثة التي غدت سجنا لا يخلصنا منه إلا الإلهي المتعالي. لقد "جاء الإسلام كي يحدث ثورة في حياة العرب ، ثورة المستضعفين، الفقراء والعبيد ضد المستكبرين والأغنياء والسادة. وأسس نظاما يقوم على البيعة العامة واختيار الناس لإمامهم فالإمامة عقد وبيعة واختيار..."[15]

أضف الى ذلك أن اللغة العربية يمكن أن نعترف لها بالقوة في أن تكون أداة لأفكار ذات قيمة شمولية بالقياس إلى الماضي الحضاري التي كانت فضاء التعبير الثقافي عنه. إن الفيلسوف العربي لابد أن يعمل من أجل تقوية وضع اللغة العربية من أجل اكتسابها القوة التي بفضلها تسمح للفلسفة من الإبداع والتكاثر والانتشار والتأثير وتتبادل هذا التأثير مع أفكار فلاسفة آخرين والتواصل معهم.

إن كانت المحايثة في الإسلام هي أرض المولد بما هي وطن الفكر الجديد ألا نكون بذلك قد أوشكنا على الانتقال إلى مسطح جديد مغاير للمسطح الإغريقي والمسطح الغربي الحاضر فنجد أن الصداقة قد أصبحت كالمزاحمة والبغضاء والتنافس غير النزيه شروط توليدية للفلسفة وقد غدا الحب كالعنف هو الذي يكرهنا على التفكير ويحثنا على التوجه نحو الفكر.

وإن حرم الفيلسوف العربي من أن يكون محاميا عن إنسان مهدد في كل مكان فلم لا يسمح له كما كان في الماضي أن يكون قاضيا ملتزما بأحكام العدالة الإلهية دائما وأبدا؟ وهل سلطة الفيلسوف هي سلطة المدعى أم سلطة المشتكي؟

لا تهدف الفلسفة العربية إلى المعرفة فالمسلم يعرف بالفطرة وعن طريق الشرع كل شيء وليست الحقيقة هي التي تستوحيها هذه الفلسفة فالحقيقة موجودة والشيء لا يمكن معرفة حقيقته قبل إنجازه وبنائه بل تسعى هذه الفلسفة إلى مقاومة العار الذي لحق بالإنسانية نتيجة الدمار الذي خلفته وحشية الفرد الغربي الذي أخذته العزة بنفسه فنسي نفسه واستكبر في الأرض ولم يعد يهمه في الأرض أحد. من هنا فإن مقصدها الأسني هو الفعل والعمل والممارسة خصوصا و"إن الكوجيتو الإسلامي ليس "أنظر تجد"[16] بل هو كوجيتو فاعل أي ليس ذات عارفة أو فكر متأمل فحسب بل "إني عامل" أو"قل اعملوا"، يعطي الأولوية للعمل على النظر وللوجود على الفكر"[17].

زيادة على ذلك" كان خلق الأفعال عند المعتزلة أي قدرة الإنسان على الفعل سابقا على العقل والنقل في أصل العدل. الإنسان يفعل أولا ثم يعقل ثانيا."أنا حر فأنا موجود"، الكوجيتو العملي سابق على "أنا أفكر فأنا إذن موجود"، الكوجيتو النظري."[18]

إن الفيلسوف العربي سيغدو بشخصيته الفريدة شيئا آخر وعنصرا غير متوقع يتخذ حجما تراجيديا وساخرا لا يصنعه بمفرده بل يساهم في صنعه الرأي العام انه فارس الإيمان، المراهن الذي يلعب النرد والمشدود بحبل الآخرة إلى المتعالي الذي لا يكف عن إعادة شحن المحايثة بنظام تواصل، انه فيلسوف مقاوم للعولمة الظالمة التي تصدر الحروب والإرهاب المؤسس وتعمم الفقر والتعسف.

المقاومة فعل وممارسة وعمل ولكنه:" ليس العمل الأهوج غير المدروس، العمل العشوائي الارتجالي والذي أدي إلى هزيمة يونيو حريزان 1967 بل هو العمل المخطط المدروس الذي أدى إلى عبور القناة واقتحام خط بارليف عام1973. هو عمل المقاومة في جنوب لبنان والذي استطاع تحرير الجنوب من احتلال دام ما يقرب من العقدين من الزمان. هو عمل المقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية التي قضت على نظرية الأمن بالقوة والسلاح في الكيان الصهيوني. هو عمل المقاومة في الجزائر أثناء حرب التحرير الوطني وعمل المقاومة في فيتنام، السراديب والصواريخ ضد أعتى آلات الحرب الفرنسية أولا والأمريكية ثانيا. العمل هو عمل التدبر والروية، العمل الشعوري الواعي الذي يقوم على النية وقدرة العقل على التنظير والتخطيط للمستقبل والإعداد له"[19]

هل بقي مجال للتشكيك في إمكانية قيام فلسفة عربية إسلامية في ثوب الصمود والمقاومة؟

فبأي معنى يمكن أن نعتبر العرب غدا إقليم الفلسفة المقاومة والإسلام ارض الفكر المناضل مستقبلا؟ أليست المقاومة من حيث هي فهم الماضي ونقد الحاضر وبناء المستقبل هي قدر العرب والمسلمين إذا ما أرادوا أن يستأنفوا التقول الفلسفي بشكل عالمي؟

 

المراجع:

Antonio Negri. Michael Hardt  Empire  Traduit par D.A.Canal، Paris. Exils Editeur 2000.

Edgar Morin ،  la méthode . 2. la vie de la


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز